صابر بن عامر
برزت في السنتين الأخيرتين بتونس، ظاهرة موسيقية غير مسبوقة في الوطن العربي، يمكن الاصطلاح على تسميتها بـ”الجمهور يغني” لنفسه، وذلك في أكثر من مهرجان دولي على غرار “قرطاج يغني”، و”الحمامات يغني”، و”سوسة تغني” وغيرها..
الظاهرة أساسها فرقة موسيقية بقيادة مايسترو ما في الغالب “نكرة” تعتلي الركح، وتعزف أغاني شرقية وغربية متداولة، ليكون الجمهور هو الجوقة، فيغنّي بأعلى صوته وبكل ما أوتي من قوة في حنجرته، وهو الذي اقتطع تذكرة بسعر غير زهيد، ليسمع نفسه، ونشازه أحيانا.
أهم الأخبار الآن:
فمن المستفيد من هذه الظاهرة التي تفشّت في تونس، ومن يضمن حقوق التأليف لمطربين وملحنين ومؤلفين أفنوا عمرهم في ابتكار أغان خالدة، يتمّ استثمارها في حفلات بأصوات الجمهور؟
بوابة تونس فتحت ملف ظاهرة “يلّا نغني” بمهرجانات تونس الموسمية، فكان هذا التحقيق.
فايزة الرباعي: الجمهور المختلط يخلق بالضرورة حالة من الصياح والنشاز
عن الظاهرة تقول الفنانة التونسية الشابة فايزة الرباعي: “في اعتقادي ظاهرة الجمهور يغني في المهرجانات غير مجدية، للأسف، خاصة مع الجمهور التونسي المعروف بذوقه الفني العالي، والعاشق لمشاركة الغناء مع مطربه المفضل، وهو على المسرح”.
وتواصل: “ما لاحظته في غالبية هذا النوع من السهرات، أنّ الفرقة الموسيقية التي تُؤثّث الحفل غالبا ما تكون غير محترفة، لتكون بالتالي غير مؤهلة لاعتلاء المسارح الثقافية، كما سجّلت في أكثر من مناسبة انزعاجا من تأثير الغناء والنشاز على جودة الاستماع الصوتي”.
وتتساءل الرباعي: “كيف لفرقة موسيقية أن توفّق في تقديم أغان يردّدها الجمهور مع اختلاف الطبقات والدرجات الموسيقية التي تختلف من المرأة إلى الرجل؟”.
وتشدّد: “الجمهور المختلط يخلق ضرورة حالة من الصياح والنشاز”.
وختمت فايزة الرباعي تصريحها لبوابة تونس، قائلة: “أتمنى من كل المشرفين على هذه التظاهرة غير الصحية أن يبتكروا مشاريع فنية تساهم في الارتفاع بالذوق العام”.
صالح السويسي: ظاهرة تساهم في إنعاش مداخيل المهرجانات دون تعب ولا اجتهاد
بدوره يقول الصحفي صالح السويسي في تصريحه لبوابة تونس: “يبدو الأمر أقرب لحالة ربحٍ سهلة وغير مُكلفة، بل قد تُنعش شباك التذاكر لدى كثيرٍ من المهرجانات أو جيوب أصحاب العروض، ولعلّه السبب الأهم في تفشّي ظاهرة عروض “الجمهور يغنّي” التي غَزَت أغلب المهرجانات الكبرى في تونس أو حتى في عدد من الدول العربية”.
ويواصل: “تونس أخذت الفكرة من عروض عربية لاقت نجاحا كبيرا، ولم تكتفِ مهرجاناتنا بتنظيم عروض محلّية، بل إنّ مهرجان قرطاج استضاف عرضا من خارج البلاد ودفع لأصحابه مبالغ مهمة بالعملة الصعبة.”.
ويتساءل بدوره: “نحن هنا أمام أكثر من سؤال، ما الذي يجعل مثل هذه العروض ناجحة جماهيريا، رغم أنّ الجمهور هو صانع العرض، أي أنه يدفع مالا كي تتوفّر له فرصة الغناء مهما كانت الموهبة ومهما كان جمال الصوت أو قبحه؟ ولماذا انخرط الكثير من المغنّين أو قادة المجموعات الموسيقية في هذه الظاهرة؟ والأهم من كل هذا، ما مدى احترام تلك العروض لحقوق التأليف والتلحين، خاصة أنّ بعض الأغاني ما زال أصحابها على قيد الحياة؟”.
وعن ذلك يُجيب: “كلّ هذه الأسئلة تحيلنا على نتيجة واحدة، وهي استسهال العروض والسعي وراء ما يمكن أن تُدرّه من أرباح ولو على حساب أصحاب الأعمال الأصلية، مع ما يمكن أن يطرأ على بعض الأغاني من تشويه وخاصة على مستوى الأداء”.
ويسترسل الصحفي التونسي: “اللافت في هذه العروض أنّ أغلب جمهورها من النساء، واللافت أيضا أنّهن يلتزمن بارتداء اللون الأبيض ما يؤكّد في اعتقادي أن ثمّة من يقف خلف تنظيم مثل هذه العروض حتى في أدقّ تفاصيلها”.
ويسترسل متسائلا مرة أخرى: “لنا أن نسأل أيضا عن الجدوى من تنظيم عروض من هذا النوع، وما هي الإضافة الفنية والجمالية التي سيحقّقها عرض يعتمد على أصوات الجماهير؟”.
ويشدّد: “حتما لن نسجّل أي إضافة على المستوى الفني أو الجمالي عدا اللباس الموحّد، ما عدا ذلك، فإنّ الغالب على تلك العروض هو النشاز والأصوات المتباينة ما يجعل النتيجة كارثية أحيانا، سيما أنّ مهارة بعض العازفين قادرة على تغطية الأخطاء الكثيرة التي يقع فيها الجمهور غير القادر في غالبيته على إجادة أبجديات الأداء”.
ليخلص مستنتجا أنّ هذه الظاهرة تخدم مصلحة عدد من الموسيقيين الذين يسعون لتقديم عروض دون تعب أو جهد، كما أنّ المستفيد الآخر هو المهرجانات التي تصرّ على تنظيمها، لأنها تساهم في إنعاش المداخيل دون مصاريف إضافية”.
حاتم الصكلي: الظاهرة تفتح المجال للنكرات لإبراز جمالهنّ وزينتهنّ ولو ليلة واحدة
ويتّفق الصحفي التونسي المقيم في بروكسل حاتم الصكلي مع زميله صالح السويسي في تعريف “يلّا نغني” بالظاهرة. وأضاف: “هي ظاهرة تصب في خانة ادعاء تطوير المشهد الفني، وأيضا في خانة ضياع وفقدان العديد من المهن الأخرى بسبب الهيمنة التكنولوجية، على مجموعة من المهن ذات العلاقة بالإعلام (مصورين ومخرجين وصحفيين) الذين انتهى دورهم وصار المنتج والناشر والمتلقي واحد “، وفق تقديره.
ويسترسل: “نشاهد هذه الظاهرة أيضا في السينما الجديدة أو ما يسمى بسينما الواقع -المشوّه عادة- من خلال الاعتماد على وجوه غير محترفة في السينما ووضعها في الواجهة كنجوم الواقع”.
وهنا يحصل، وفق الصقلي، تغييب كل ما هو محترف في المهنة وجعل كلّ المهن متاحة للجميع، سيما للمتطفلين.
وعن “الجمهور يغني” يقول: “هي تعني حفلة غير مكلفة كثيرا على كاهل المنظمين ولا تحتاج كاشيهات كبيرة لنجوم كبار”.
أما على الصعيد النفسي، فالظاهرة تجعل كل الجمهور مشارك، بل ويعيش الشعور بالنجومية، “كل واحد يحسّ نفسه نجما ليلتها”.. ولسان حاله يقول: “أنت أيها الفنان لست أفضل حال مني، فقط أنا لم تتح لي الفرصة”، وفق توصيف الصكلي.
في جانب آخر يربط حاتم الصكلي الظاهرة ببرامج صنع النجوم والشو التي فتحت المجال للمواهب الحقيقية والمتطفلة، مشدّدا بقوله: “من لم يجد حظه أو لم يسمح له شكله بالنجومية في هذه البرامج، تأتيه، وبالأحرى تأتيها الفرصة من خلال هذه الظاهرة، لإبراز جمالها وزينتها ولو ليلة واحدة”.
أمل الڤرمازي: الجمهور يغنّي نتيجة مباشرة لأزمة العرض الموسيقي في تونس
بدورها تؤكّد المايسترا أمل القرمازي أنّ ظاهرة “الجمهور يغنّي” ليست ثورة فنية بقدر ما هي نتيجة مباشرة لأزمة العرض الموسيقي في تونس، وذلك لسببين: أولها، كونها فتحت أزمة الجودة الفنية الباب أمام هذه الظاهرة، إذ أنّ تراجع مستوى العروض المحلية جعل الجمهور يكتفي باستهلاك الغناء الجماعي بدل البحث عن تجربة فنية حقيقية”.
وتواصل عازفة الكمان التونسية المقيمة في باريس: “فكثير من عروض المسارح والمهرجانات تحوّلت إلى عروض تجارية ترفيهية أقرب إلى أجواء الملاهي الليلية، مع تراجع واضح للبعد الثقافي والفني، إضافة إلى شبه غياب للعروض العالمية الكبرى في تونس، ما خلق فراغا ملأته هذه الصيغ السهلة تنظيميا وجماهيريا”.
وهي ترى أنّ الجمهور أصبح يسمح لنفسه بتعويض المغني، لأنّ جزءًا من الفنانين اليوم لم يعد يرتق بذوق الجمهور كما يفعل الفنان الحقيقي، بل انساق وراء الاستهلاك السريع والسهولة التجارية.
كما غذّى عصر السوشيال ميديا هذه الظاهرة، والكلام دائما للقرمازي، إذ لم يعد الحفل مجرد فضاء للاستماع، بل أصبح أيضا مساحة لصناعة محتوى قابل للنشر والمشاركة، فتحوّلت الحفلات تدريجيا إلى فضاءات أقرب إلى “ثقافة الملاعب” والهتاف الجماعي، حيث يصبح الحماس الجماعي أهم من الجودة الفنية نفسها.
ولا تنكر القرمازي أنّ هذه العروض تبقى ترفيهية وتنشيطية فقط، وليست مشاريع ثقافية أو فنية حقيقية، فهي أقرب إلى “كاريُوكي جماعي بأوركسترا”، لذلك فإنّ الجمهور السميع أو النخبوي الباحث عن تجربة موسيقية عميقة نادرا ما ينجذب إليها. كما أنّ الكثير من هذه الفرق لا تملك أصلا القدرة على التعامل مع فنانين من الصف الأول، فتلتجئ إلى عروض سهلة بفرق هاوية أو شبه هاوية”.
أما ثانيا: فتشدّد قائدة الفرقة على “أنّ المستفيد الأكبر هو متعهد الحفلات على حساب المال العام، وهنا يظهر أنّ المنظمون والمنتجون اقتصدوا آلاف الدولارات التي كانت تُدفع للنجوم، وتخلّصوا أيضا من تعقيدات التعامل مع الفنانين الكبار وشروطهم التنظيمية.. والنتيجة هي هامش ربح أوسع لمتعهد الحفل، مقابل عروض لا تُضيف شيئا يُذكر للمشهد الفني ولا تُسهم في بناء ذاكرة موسيقية حقيقية”.
وهذا يطرح، وفقها، إشكالا أوسع يتعلّق بتوظيف المال العام، حيث تُصرف ميزانيات مهرجانات على فعاليات ترفيهية عابرة لا ترقى إلى مستوى المشاريع الثقافية، بينما يخرج الجمهور بحفلة منسية ويخرج المتعهد بربح مضمون، وهو نموذج يستدعي مساءلة جدية من الجهات المشرفة على تمويل القطاع الثقافي في تونس.
وتضيف: “أما ظاهرة “المايسترو النجم”، فهي بدورها نتيجة غياب معايير تقييم حقيقية، إذ أصبح أيّ قائد فرقة تقريبا يُقدّم كـ“مايسترو” دون مشروع فني واضح.. وفي الكثير من الحالات، لا يمتلك البعض حتى الحد الأدنى من التكوين الموسيقي، كقراءة النوتة، ليكونوا ضمن المنظومة الموسيقية قبل أن يُقدّموا كمديري فرق”.
أما في ما يتعلق بحقوق التأليف، فترى أمل القرمازي أنه “لا توجد قوانين عالمية تمنع تقديم أعمال لفنانين آخرين، شريطة احترام الحقوق ودفع المستحقات إلى مؤسسات حماية حقوق المؤلف، على غرار “الساسام” الفرنسية وغيرها من الهيئات المختصة”.
وتخلص القرمازي في نهاية تصريحها لبوابة تونس إلى أنّ الظاهرة التي استرادها من المغرب هي نتيجة سياق متقارب يجمع بين البلدين، أي تونس والمغرب، وذلك نتيجة ضعف في الإنتاج الموسيقي وضحالة في مستوى العروض الحية”.
ولأجل ذلك، تشدّد على أنها “نجحت نسبيا فقط في تونس والمغرب، بينما فشلت في أكبر مراكز صناعة الموسيقى العربية مثل مصر ولبنان والخليج، رغم الإمكانيات الضخمة والاستثمار الكبير في قطاع الترفيه.. وحتى كبار المايستروات في الشرق، الذين تعاملوا مع أهم الفنانين مثل ملحم بركات وماجدة الرومي، جرّبوا هذا النوع من العروض دون أن يحقّق لا النجاح ولا الاستمرارية”، وفق تقديرها.
أحلام مساحلي: في زمن العزلة الرقمية الغناء الجماعي يمنج إحساسا قويا بالانتماء
وعلى عكس كل من سبق ترى الصحفية أحلام مساحلي أنّ الظاهرة نتيجة طبيعية لما يشهده المشهد الموسيقي في تونس، الذي لم يعد يُختزل في حضور فنان على الركح وجمهور يتلقّى، بل بات يشهد تحوّلا لافتا تُعاد فيه صياغة الأدوار بشكل غير مسبوق”، وفق تقديرها.
وتسترسل موضّحة طرحها، بقولها: “في عدد متزايد من الحفلات، يتراجع صوت المطرب، أو يغيب تماما، ليصعد صوت الجمهور كفاعل رئيسي، يقود السهرة ويمنحها إيقاعها ومعناها.. الجمهور يغني ليس بالأمر الجديد أو اللافت، ففي الكثير من الحفلات يتوقف الفنان عن الغناء ويترك الأمر للجمهور، ليردّد الأغنية بصوت واحد وبمصاحبة الفرقة الموسيقية، وفي بعض الحفلات، ينجح الجمهور في “خطف” اللحظة من الفنان”.
ومع ذلك تقرّ مساحلي أنّ هذا الشكل من الغناء لم يعد مجرد لحظة عفوية يتفاعل فيها الجمهور مع الفنان، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة ثقافية وفنية قائمة بذاتها، تعكس تحوّلا عميقا في علاقة الجمهور بالموسيقى وبالفنان.
وتخلص إلى أنّ “الجمهور يغنّي” أو ما يمكن أن نسميه بـ”الكورال الجماهيري”، وفق توصيفها، شكل من الغناء برز في السنوات الأخيرة وآخذ في الانتشار. كما أنّ الفرق ما فتئت تتناسل، ممّا يكشف عن أفق تحوّل ثقافي ومجتمعي”.
وتوضّح: “ففي زمن العزلة الرقمية الذي نعيش، يمنح الغناء الجماعي إحساسا قويا بالانتماء للمجموعة، وهو ما بتنا نفتقده اليوم.. وهكذا يتحوّل الحفل إلى مساحة للاندماج الإنساني”. ووفق رأيها “لا تبدو الظاهرة ثورة فنية بقدر ما هي مرآة لتحوّلات اجتماعية أعمق، قد تساهم في ترسيخ علاقة مختلفة بالأغنية، حيث لم يعد الجمهور متلقيا، بل يسعى إلى عيش التجربة لا مجرد مشاهدتها”.
كما تشير أحلام مساحلي إلى أنه “لا يمكن فصل الظاهرة عن البعد الاقتصادي، حيث استغلّ العديد من الموسيقيين أو منظمي الحفلات هذا الشكل لاستثماره ماديا بعد أن تبيّن إقبال الجمهور التونسي عليه، إذ توفّر هذا النوع من الحفلات بديلا أقلّ كلفة للمنظمين، في ظل ارتفاع كلفة تنظيم الحفلات وأجور الفنانين”. وتضيف: “ممّا يوحي بأننا مقبلون على نمط استهلاكي جديد”.


أضف تعليقا