سياسة عرب

“طلائع التحرير”.. تيار يتمرّد على التطبيع عبر إحياء نهج “ثورة مصر”

“شالوم من أولاد غزة”  أكثر من مجرد عملية ضد المحتل.. ما المؤشرات التي يعكسها الإعلان عن مجموعة الشهيد محمد صلاح؟
 إعلان تنظيم “طلائع التحرير مجموعة الشهيد محمد صلاح”، مسؤوليتها عن عملية تصفية رجل الأعمال “الإسرائيلي” زيف كيبر في مدينة الإسكندرية، يحمل دلالات أشدّ عمقا، من “مجرد عملية فدائية ارتجالية”، اندفع إلى تنفيذها بعض الناشطين المصريين المتحمّسين لمظلمة الشعب الفلسطيني، وانتقاما للمجازر التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة على مدار الأشهر الماضية.
البيان الأول الذي جاء مرفوقا بفيديو عملية “قنص كيبر”، تشي صياغته وأسلوب ترتيب أفكاره ومواقفه، عن نزعة فكرية لا تخطئها العين، تشكّل الخلفية الثورية والأيديولوجية للتنظيم، فيما تكشف التفاصيل التي نقلها البيان عن طبيعة الدور الاستخباراتي والجاسوسي الخفي للقتيل، عن عمل أمني دقيق، ومستويات متعددة من الرصد والمراقبة والتتبّع والتحليل، بما أدّى إلى تفكيك ارتباطات زيف كيبر ونشاط شبكته التجسيسية.
8 رصاصات في الصدر أردت رجل الأعمال وضابط المخابرات المفترض “زيف كيبر”، مثلما وثّقه التسجيل الذي ظهر خلاله المنفّذ متّجها بهدوء وثقة وثبات نحو كيبر الذي يجلس داخل سيارته، قبل أن يبادره بالقول: “شالوم من أولاد غزة”، ويعاجله برصاصة أعقبتها دفعة كاملة من الطلقات.

مستوى تنظيمي متطور

مجرد عرض بيان التنظيم على أيّ خبير أمني أو مختص في شؤون الخدمة السرية الاستخباراتية، كفيل بتأكيد أنّ عبارة “التقدير المعلوماتي الدقيق”، التي ربطت بين زيف كيبر وجهاز “الموساد”، لم تكن مجرد “تبرير خطابي عاطفي”، لتحشيد الرأي العام الداخلي، بقدر ما يثبت أنّ من يقفون وراء العملية برمتها، تخطيطا وتنفيذا ورصدا للهدف واختيارا لتوقيت القنص، يتمتعون بمستوى متطور من التدريب والخبرة والحس الأمني، لا يمكن أن يتاح لجماعة فدائية حديثة التأسيس في الحد الأدنى، وهو مستوى لا يبلغه عادة إلا منتسبو الأجهزة الأمنية، أو فصائل المقاومة في فلسطين أو لبنان.
والثابت وفق مراقبين للشأن المصري، وباحثين في شؤون التنظيمات المسلحة، أنّ البيان والفيديو المصاحب له، جاءَا بمثابة إعلان ولادة تنظيم ثوري جديد، يرتكز إلى الفكر الناصري، بما يمثله من رمزيات وطنية وتاريخية تخاطب وجدان المصريين، وما يختزله من مقاربة رافضة لكل أشكال الاعتراف أو التطبيع مع الكيان المحتل.
وتسعى “طلائع التحرير مجموعة الشهيد محمد صلاح”، وفق القراءة ذاتها، إلى إحياء نهج العمل الفدائي المسلح، مستلهمة من عدة نماذج فردية وجماعية أبرزها “تنظيم ثورة مصر”، الذي شكّله ضابط المخابرات المصري السابق محمود نور الدين ونفّذ عدة عمليات في الفترة ما بين 1984 و1987.

إحياء العمليات الفدائية

يعكس إطلاق اسم المجند المصري محمد صلاح الذي نفّذ العام الماضي عملية على الحدود بشمال سيناء أسفرت عن مقتل ثلاثةٍ من جنود الاحتلال، جانبا من فكر التنظيم والنماذج الفدائية التي يتبناها، والتي ترتبط بعمليات نفّذها عسكريون مصريون، وهو ما يتقاطع ما أورده البيان من خلال استحضار كل من سليمان خاطر وأيمن حسن ومجموعة ثورة مصر بقيادة ضابط المخابرات محمود نور الدين.
وتحظى هذه الشخصيات بما في ذلك الجندي محمد صلاح، الذي سقط خلال العملية التي نفّذها، بتعاطف كبير وشعبية جارفة في الشارع المصري إذ ينظر إليهم باعتبارهم أبطالا وشهداء نفّذوا عمليات جريئة “رفضا لمهانة التطبيع، وسياسات الخنوع والخضوع التي تنتهجها السلطة في مصر، ومحاولات استرضاء الكيان المحتل بكل الوسائل، وإن كان على حساب الكرامة الوطنية”.

تيار رافض للتطبيع

ويرى المختصون في شؤون الجماعات المسلحة، أنّ إعلان “مجموعة الشهيد محمد صلاح” عن نفسها بهذه الشاكلة، تترجم حالة الرفض الشعبي والغضب الجمعي من سياسات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المهادنة للاحتلال، والتي تبلغ درجة اتهامه بالتواطؤ والخضوع لضغوطه، بإغلاق معبر رفح طوال أشهر العدوان على قطاع غزة.
ويرى مراقبون أنّ ملامح العملية وسطور البيان وأسلوب قنص “الجاسوس الإسرائلي المحتمل”، والنماذج الملهمة للتنظيم، تشير إلى وجود خلفية عسكرية أو أمنية محتملة لقياداته وعناصره، وهي فرضية قد تنبئ -إن ثبتت صحتها- عن اتساع مساحة “التيار الرافض للتطبيع”، داخل المؤسستين العسكرية والأمنية في مصر.
يذكر أنّ مدينة الإسكندرية شهدت في أكتوبر الماضي، قيام أحد أفراد الشرطة المكلّفين بتأمين منطقة “المنشية”، بإطلاق النار على عدد من “السياح الإسرائيليين” ما أدّى إلى مقتل شخصين اثنين، إضافة إلى مصري آخر.

استمرار لتنظيم ثورة مصر

ما يرشّح من أسلوب العملية وخطاب البيان، هو الاختلاف عن تكتيك العمليات الفردية التي نفّذها في السابق كل من سليمان خاطر وأيمن حسن، ما يجعلها أٌرب إلى تجربة “تنظيم ثورة مصر”، التي أسسها الضابط السابق بالمخابرات المصرية، محمود نور الدين، والتي أثارت عملياتها النوعية والجريئة حالة من الذعر في صفوف كيان الاحتلال، وطاقمه الدبلوماسي والاستخباراتي الذين ينشطون في مصر تحت غطاء سفارة الكيان في القاهرة.
جاء تأسيس جماعة “ثورة مصر”، بما تحمله التسمية من دلالات شديدة الوضوح والارتباط بإرث ثورة جويلية 1954، بمثابة ردّ على اتفاقية كامب دايفد، وما خلّفته من حالة من الإحباط السياسي في الساحة الداخلية، وموجة إنكار لتجربة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ومحاولات غسل الأدمغة للترويج للتطبيع.
استندت فكرة التنظيم إلى خلفية سياسية وأيدولوجية، تتعلّق باسترداد مكانة مصر الإقليمية وريادتها العربية التي تهاوت نتيجة الاعتراف بالكيان، إلى جانب بعد إستراتيجي وأمني، يتعلّق بمواجهة مخططات الاختراق الاستخباراتي والأمني للنسيج الداخلي المصري، تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية التي تمتّع بها عملاء الموساد وضباطه بسفارة الاحتلال بالقاهرة.
ضم التنظيم عددا من العناصر العسكرية والاستخبارتية، إلى جانب عدد من المدنيين، وما طبع عملياته بمستويات غير مسبوقة من الدقة والتخطيط المسبق الذي يعتمد على المراقبة وجمع المعلومات قبيل التنفيذ.
تمكّنت ثورة مصر من استهداف “زيفي كيدار” أحد أعضاء الموساد عند خروجه من بيته في القاهرة في جوان 1984، وكانت العملية الثانية ضد مسئول الأمن بسفارة الكيان ألبرت أتراكشى، بعد مراقبة صارمة لأماكن وجود بعثة الاحتلال الديبلوماسية.
نفّذ التنظيم عمليته الثالثة في مارس 1986 وعرفت بعملية “معرض القاهرة الدولي”، عقب تصفية “إيلى تايلور” مديرة الجناح “الإسرائيلى”، في سوق القاهرة الدولي.
وكانت مشاركة الاحتلال في سوق القاهرة الدولي، مثار غضب ومظاهرات شعبية رافضة شهدت ترديد شعارات تشيد بتنظيم “ثورة مصر”، ما يشير إلى المكانة التي بات يحظى بها التنظيم الفدائي في قلوب المصريين.
 جاءت العملية الأخيرة في ماي 1987، باستهداف ثلاثة من رجال المخابرات الأمريكية العاملين فى مصر، ما وسّع من حجم الملاحقات الأمنية للتنظيم والتي انتهت بالكشف عنه، جراء خيانة داخلية من شقيق مؤسسه عصام نور الدين.

لمسة خاصة

اختارت جماعة “الشهيد محمد صلاح”، السير على النهج نفسه، واعتماد التكتيك ذاته في أسلوبها، ما أكسبها بصمة خاصة تختلف على مجرد الاستهداف العشوائي لبعض السياح أو الأفراد ممن يحملون جنسية الكيان المحتل، عبر تتبّع دقيق لـ”هدف أمني من الوزن الثقيل”، أفضى إلى الكشف عن حقيقة ارتباطاته، ودوره في تشكيل شبكة من العملاء المصريين، اعتمادا على نشاطه الظاهري في مجال الأعمال التجارية.
ووفق مراقبين وخبراء، فإنّ اللغة شديدة اللهجة التي تضمّنها البيان، بشأن “عدم السماح بأيّ نشاط للموساد وعناصره”، على أرض مصر، واتهام النظام الحاكم بـ”الخيانة”، وتعهّده بملاحقة “العملاء ومحاسبة الخونة”، قد تشير بشكل ضمني إلى الحقائق التي توصّل إليها التنظيم، والإثباتات الموثّقة لها، والتي قد تسبب إحراجا للسلطات المصرية وأجهزته الاستخبارتية والأمنية، في ما يخصّ زيف كبير، وهو ما يفسّر الصمت الرسمي الذي ما يزال يحيط بتفاصيل القضية ومسار التحقيق فيها.