يعكف المسن الفلسطيني رأفت جبر من داخل خيمة متواضعة بين ركام المنازل المدمرة في أحد شوارع مدينة غزة، على ترميم نسخ من المصحف الشريف تضرّرت جراء القصف “الإسرائيلي” الذي طال المساجد في القطاع خلال حرب الإبادة الجماعية التي استمرّت عامين.
ووسط الدمار الواسع الذي ألحقه القصف “الإسرائيلي” بمعظم مساجد غزة، أطلق جبر مبادرة تطوعية، أنشأ بموجبها مساحة عمل بسيطة من الخشب والنايلون، لتكون مركزا لجمع مئات المصاحف التي تمّ انتشالها من تحت الأنقاض، وصيانتها.
أهم الأخبار الآن:
ويعتمد الحاج جبر في عمله على نفقته الخاصة ومساهمات محدودة من فاعلي الخير، دون أن يتقاضى أيّ مقابل مادي من المواطنين.
ويوضّح أنّ الدافع الأساسي لمبادرته هو النقص الحاد في المصاحف الجديدة داخل الأسواق، نتيجة استمرار الحصار ومنع إدخال القرطاسية والكتب إلى القطاع.
إكراهات وعقبات
ويواجه جبر وزميله المتطوع داخل الخيمة المصنوعة من الخشب والنايلون تحديات جسيمة تتمثل في ندرة المواد الخام اللازمة لعملية الترميم.
فالحصار “الإسرائيلي” المشدّد يمنع وصول الورق والكرتون والمواد اللاصقة (الصمغ)، ممّا يجعل عملية الإصلاح معقدة وتستنزف وقتا طويلا.
ويشير الحاج الفلسطيني إلى أنه رغم استقباله عشرات المصاحف يوميا، إلّا أنّ قدرته الإنتاجية لا تتجاوز 8 نسخ في أفضل الأحوال.
فكل مصحف يتطلب ساعات من العمل الدقيق لضمان عودته إلى هيئته الأصلية، وهو ما يتطلب صبرا جميلا وإرادة لا تلين أمام ضخامة المهمة، وفق تصريحه لوكالة الأناضول.
وفي ذلك يقول: “لم يهُن عليّ كتاب الله أن يبقى ممزقا ومبعثرا، أردتُ تعظيم شعائر الله رغم بساطة الأدوات والمعدات”.
ويؤكّد جبر أنّ العمل الحالي يحتاج إلى منظومة متكاملة تضمّ عددا أكبر من الأفراد وإمكانات تقنية وأماكن أكثر اتساعا لاستيعاب آلاف النسخ المتضرّرة.
إلّا أنّ الدمار الهائل الذي طال المنشآت والمباني في غزة جعل من الصعب إيجاد مقر دائم ومجهّز لهذه المهمة التطوعية.
ومع ذلك، يبقى الحاج رأفت جبر جالسا في خيمته، يقلب صفحات المصاحف بعناية فائقة، مؤمنا بأنّ كل حرف يرمّمه هو لبنة في بناء الذاكرة الفلسطينية.
ويشدّد الحاج الفلسطيني على أنّ هذه المبادرة ليست مجرد عمل فني لترميم الورق، بل هي رسالة صمود فلسطينية تؤكّد التمسك بالهوية والعقيدة رغم محاولات المحو الثقافي والديني.
ويقول الحاج جبر إنّ محاولة التغلب على هذه التحديات بإمكانات بسيطة تعكس إرادة الشعب الذي يرفض الاستسلام لنتائج الحرب التدميرية.
استحسان الأهالي للمبادرة
وتلقى مبادرة الحاج جبر استحسانا واسعا بين الأهالي الذين يتوافدون إليه حاملين مئات النسخ من المصاحف الممزقة والمتضررة، أملا في إعادتها صالحة للقراءة والتعبد.
وتأتي هذه الجهود في وقت كشفت فيه إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة عن حجم الكارثة التي حلّت بدور العبادة.
فقد دمّر الاحتلال “الإسرائيلي” 1050 مسجدا بشكل كلي، و191 مسجدا بشكل جزئي، من أصل 1275 مسجدا كانت قائمة قبل اندلاع العدوان في السابع من أكتوبر 2023.
ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، إلّا أنّ الواقع المعيشي في غزة ما يزال يراوح مكانه بسبب تعنّت الاحتلال.
وتتنصّل السلطات “الإسرائيلية” من التزاماتها الدولية بفتح المعابر، وتستمرّ في منع دخول المواد الأساسية بما في ذلك الأوراق والمستلزمات التعليمية.


أضف تعليقا