صيد الأخطبوط في جزيرة قرقنة ... بين تقنيات "القارور الفخاري" ومكانته التقليدية على الموائد
tunigate post cover
تونس

صيد الأخطبوط في جزيرة قرقنة ... بين تقنيات "القارور الفخاري" ومكانته التقليدية على الموائد

للأخطبوط في جزيرة قرقنة التونسية مكانة مميزة تختزل تقاليد راسخة في صيده كما يحتل مكانة خاصة على الموائد لقيمته الغذائية العالية ... رحلة "القرنيط" كما يسمى في تونس من القلال الفخرية إلى التجفيف
2021-11-28 17:01

يطلق التونسيون من باب التندر والدعابة على الشخص البخيل وصف “قرنيطة”، والتي تعني باللهجة العامية الأخطبوط، وذلك في تشبيه مجازي لتقتيره الذي يبلغ حد الانكماش على النفس على شاكلة هذا الكائن البحري عند إحساسه بالخطر. وهو كائن يتميز بقدرته على التملص من الأوضاع الصعبة  بالطريقة ذاتها التي يلجأ إليها البخلاء في المواقف التي تتطلب دفع المال والإنفاق.

يقال أيضا إن وجه الشبه يتأتى من قصة عن أحد البخلاء الذي كان يخبئ أمواله في قلة فخارية، وهي الأداة التي يستعملها الصيادون في تونس كفخ لصيد هذا الكائن الفريد في البحر، حتى أصبح بخله وطريقته في تخزين أمواله مضرب الأمثال.

قيمة غذائية واقتصادية عالية

وبقطع النظر عن تنوع الروايات، فإن مضمونها يجمع على شعبية هذا الكائن البحري الذي يحظى بشعبية كبيرة على موائد التونسيين، خاصة بكل من صفاقس وجزيرة قرقنة لطعمه المميز وقيمته الغذائية المهمة، فرغم ارتفاع سعره فإن معظم العائلات الصفاقسية والقرقنية على اختلاف مستوياتها المادية وإمكانياتها، تحرص على اقتنائه خلال موسم صيده الذي يمتد على مدار 6 أشهر في السنة.

تحول الأخطبوط خلال العقود الأخيرة إلى ثروة بحرية مهددة بالانقراض بالسواحل التونسية وباهظة التكلفة، نتيجة تراجع كميته جراء الصيد الجائر وغير القانوني، إلا أن ما يزيد عن 400 مركب صيد مجهزة ماتزال تبحر سنويا من مختلف موانئ تونس منذ منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني وإلى غاية شهر أفريل/أبريل في رحلة ترويض “القرنيط”.

وتشتهر جزيرة قرقنة الواقعة قبالة سواحل مدينة صفاقس بكونها عاصمة صيد الأخطبوط في تونس، فرغم تكاثره  بمناطق أخرى على غرار منطقة خليج جرجيس، إلا أن هذا الأرخبيل الذي لم يعرف سكانه على مدار التاريخ سوى حرفتي الصيد والفلاحة، يعد الموطن الرئيسي لهذا الاختصاص، إلى جانب كائنات بحرية أخرى من الفصيلة ذاتها مثل الحبار الذي يطلق عليه تسمية “الشوابي” باللهجة العامية التونسية.

الصيد بـ”القارور”

ما تزال تقنية صيد الأخطبوط في قرقنة تعتمد على القلال الفخارية التقليدية والتي ترجع إلى مئات السنين، ويطلق عليها تسمية “الصيد بالقارور” وتتميز بنجاعتها وبساطتها في الآن ذاته.

فقبيل انطلاق موسم صيد الأخطبوط، يبدأ الصيادون في عملية زرع “القارور” الفخاري في مناطق بحرية معينة على امتداد الشريط الساحلي، وهي نقاط يحفظ البحارة تفاصيلها عن ظهر قلب بحكم الخبرة والأقدمية والتمرس، دون الحاجة إلى الاستعانة بخارطة.

ويأخذ بعين الاعتبار عند زرع القلال الفخارية التي تتحول إلى مسكن مثالي يحبذه الأخطبوط أن يكون عمق الموقع متوسطا، باعتبار أن هذه الكائنات تتواجد على مستوى قاع البحر، وتتخذ من التربة والتجاويف مخابئ لها، إلى جانب اعتدال حركة المد والجزر بما يضمن عدم انجراف “القارور”.

يقوم البحارة سنويا بزرع آلاف القلال الفخارية في سواحل جزيرة قرقنة بهدف جذب “القرنيط” الذي يجد فيها ملاذا ومسكنا مثاليا للتعشيش والتكاثر، ومع انطلاق الموسم ينفذ البحارة جولات دورية أسبوعية لتفقد القلال وجمع كميات الأخطبوط المعشش فيها.

تقنية الصيد “بالقارور” صارت تواجه بدورها مخاطر وتهديدات نتيجة الصيد العشوائي الجائر عبر تقنية “الكركارة”، وهي شبكة عملاقة يقع رميها في البحر وتصل إلى عمق يبلغ 20 مترا وتعتمد أسلوب التجريف، ما يتسبب في الإضرار بالحياة البحرية من أعشاب وكائنات متنوعة فضلا عن جرف آلاف قلال صيد الأخطبوط.

وتتسبب طريقة الصيد بالكركارة في خسائر فادحة لصيادي “القرنيط” حسب عبد الفتاح مقني أحد الناشطين في مجال الصيد بالشرافي والقلال الفخارية بجزيرة قرقنة، والذي يقتني سنويا قرابة ستة آلاف قلة فخارية ليزرعها في البحر خلال موسم الصيد، إلا أن أصحاب مراكب الصيد الكبيرة يضرون بتلك القوارير ويتسببون في تدمير الكثير منها وجرفها، وغالبا لا يتجاوز محصوله أكثر من ألف قارورة، وهو ما ينعكس سلبا على مداخيل آلاف العائلات التي تقتات من هذا الموسم.

مائدة متنوعة

يكن سكان جزيرة قرقنة وصفاقس عشقا خاصا للأخطبوط ينضاف إلى ولعهم بالأكلات البحرية عموما، ويتفننون في طهيه وإعداده بأشكال مختلفة، ولعل من بين أشهر الأطباق التي يعرفون بها “التشيش بالقرنيط” وهي شربة “فريك” تطبخ بقطع الأخطبوط المجفف، إلى جانب أطباق تقليدية أخرى مثل الكسكسي والكمونية وغيرها من الأصناف.

وتحرص العائلات في صفاقس وقرقنة سنويا على اقتناء كميات من الأخطبوط وتجفيفها بالملح، وتخزينها كمؤونة لبقية العام على شاكلة اللحم المقدد. ويطلق عليه تسمية “القرنيط الشايح” وهو ذو قيمة غذائية كبيرة، إلى جانب سعره المرتفع الذي قد يتجاوز 200 دينار للكيلوغرام الواحد. 

القلال الفخارية#
جزيرة قرقنة#
صيد الأخطبوط#

عناوين أخرى