رأي

صوت المقاومة الفلسطينية فوق الجميع في الشرق الأوسط

محمد بشير ساسي

رغم التوتّر الذي شاب العلاقة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الفترة الأخيرة، بسبب طبيعة الحكومة التي يرأسُها الأخير وقد وُصفت بالأكثر تطرّفا في تاريخ “إسرائيل”، التقى الطرفان في نيويورك على هامش أعمال قمة الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وذلك في خضم جهد دبلوماسي متزايد في الشرق الأوسط تأمُل واشنطن أن يقود إلى اتّفاق تطبيع سعودي – إسرائيلي قبل نهاية هذا العام. 


خطاب متناقض

وأكّد نتنياهو خلال ذلك اللقاء الذي انتظره كثيرا -وهو الأول منذ عودة الأخير إلى رئاسة الوزراء في ديسمبر 2022- أنّه يمكن صياغة سلام تاريخي بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وسيسهم بقوة أولا في المضي قُدما لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي وتحقيق المصالحة بين العالم الإسلامي والدولة اليهودية، وثانيا في دفع السلام الحقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين. 


وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إنّه يعتقد أنّ إسرائيل على أعتاب اتفاق سلام تاريخي مع السعودية، معتبرا أنّه يتعيّن ألّا يتم إعطاء الفلسطينيين حقّ الاعتراض على معاهدات السلام الجديدة مع الدول العربية.

وشدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي على أنّ الاتفاقات المبرمة عام 2020 لتطبيع العلاقات مع عدة دول عربية كانت بمنزلة إشارة إلى “فجر عصر جديد من السلام”، وتابع أنّ “مثل هذا السلام سيقطع شوطا طويلا نحو إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وخلق شرق أوسط جديد، وسيشجّع الدول العربية الأخرى على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل”.


لكن في الخطاب ذاته و على المنبر نفسه، ناقض نتنياهو نفسه عندما رفع خريطة “الشرق الأوسط الجديد”، حيث لم تشمل أيّ ذكر لوجود دولة فلسطينية، إذ طغى اللون الأزرق الذي يحمل كلمة إسرائيل على خريطة الضفة الغربية المحتلة كاملةً، بما فيها قطاع غزة.

مشهد جعل الكثير من المتابعين يطرحون نفس أسئلة توماس فريدمان الكاتب بصحيفة “نيويورك تايمز” من أنت يا نتنياهو.. نريد أن نعرف الآن؟ ألهذه الدرجة تملك القدرة على الحديث عن السلام وفي الوقت ذاته تترأّس ائتلافا حكوميا هو الأول من نوعه في تاريخ إسرائيل، يحدّد ضم الضفة الغربية على أنّه أحد أهدافه أو أنّه إنفاذ للسيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة؟ إن كنت تنوي الضم، فكيف ستضمن عدم انهيار كل اتفاقياتك للتطبيع مع الدول العربية، ولن نتمكّن من الدفاع عنك بشأن تهم بناء دولة فصل عنصري؟


كلمة المقاومة

في الإجابة عن جل هذه الأسئلة، تكلّمت المقاومة الفلسطينية قبل الجميع بأكبر عملية خداع إستراتيجي” و”فشل استخباراتي إسرائيلي”، ربما تكونان من أكثر العبارات التي استخدمها الخبراء والمحلّلون لوصف عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها كتائب عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) صبيحة يوم السابع من أكتوبر الجاري.


وكان الإعلام الإسرائيلي قبلها بأيام وتزامنا مع مرور 50 عاما على حرب السادس من أكتوبر 1973 منهمكا في تحليل “لماذا فاجأت تلك الحرب إسرائيل؟”، وإذ بالسابع من أكتوبر يفاجئ الإسرائيليين بهجوم غير مسبوق، ليس من دولة بل من حركة مقاومة؟عملية لم تفاجئ فقط جيش الاحتلال الإسرائيلي ومخابراته وأجهزته الأمنية، بل فاجأت العالم أجمع.

وزاد من مفاجأتها أنّها لم تقتصر على اللحظة الأولى، بل ما زالت مستمرة، إضافة إلى ما حقّقته من نتائج “باهرة” بمقاييس حركات المقاومة الفلسطينية، والجيوش العربية.


فعلى مدى نحو 8 عقود منذ إعلان قيام “دولة إسرائيل”، لا يوجد شبيه لـ”طوفان الأقصى” اللهم إلّا انتصار السادس من أكتوبر 1973مع الفارق الكبير في التشبيه، وإن جمعت المفارقة بين الذكرى الـ50 لهذا النصر المصري وانطلاق “الطوفان الفلسطيني”.

ولا يحتاج الفلسطينيون إلى الكثير من الأسباب والمبرّرات عموما لتصعيد صراعهم مع الاحتلال، فيما تسعى أكثر الحكومات تطرّفا في تاريخ إسرائيل إلى تصفية القضية الفلسطينية تماما وضم الضفة الغربية وتدمير بصيص الأمل الصغير المتبقي للسلام.


رسائل قوية

إنّ عملية من هذا النوع حملت عدة رسائل قوية في محيط أصبح يشعر فيه الفلسطينيون بأنّهم معزولون بشكل متزايد، وفي وقت تبني فيه إسرائيل شراكات متزايدة مع العالم العربي. ويمكن في هذا السياق رصد دلالات ومآلات عملية “طوفان الأقصى” كالآتي: 

1 – المشروع النضالي الفلسطيني:

 – كغيرها من العمليات الأخرى الكبيرة التي نفّذتها الفصائل الفلسطينية في السنوات الأخيرة -والتي كانت آخرها عملية “سيف القدس” عام 2021- تسعى عملية “طوفان الأقصى” إلى تأكيد أنّ تأثير المقاومة الفلسطينية في مسار الصراع مع إسرائيل، ما يزال قويا وحاسما في المنعطفات التاريخية للقضية الفلسطينية.

– العبقرية في التخطيط والتكتيك العسكري ومباغتة جيش الاحتلال وأذرعه الأمنية والاستخبارية، واختيار ساعة صفر قاتلة لبدء المعركة وصولا إلى نتائج أذهلت العدو وفاجأت العالم.

– البراعة في اختيار التوقيت، حيث ما زال هذا الشهر يحمل في العقل والوعي العربي والفلسطيني مخزونا كبيرا من الكرامة والعزة والفخر، فقد كانت معركة أكتوبر 1973 محطة فاصلة بين الهزيمة وإمكانية النصر وبين العربدة والتفوّق الصهيوني والبطولة والتضحية والكبرياء العربي، فنجحت القسام في إعادة الاعتبار لكلّ معاني الكرامة والعزة والقدرة والنصر لدى الفلسطينيين والعرب، وفي الوقت ذاته فتح نافذة للعقل الصهيوني على ذاكرة مكتظة بالهزيمة والضعف والإذلال والخوف في المستقبل.

– شكّلت هذه المعركة لدى الكثيرين سيناريو مصغّرا لمعركة التحرير الممكنة، وأحدث كيان لوعي طرفي الصراع، فعلى الصعيد الفلسطيني، ستعيد هذه المعركة للفلسطيني ولمناصريه الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على الانتصار ودحر الاحتلال، وستحرّر العقل العربي والإسلامي من وهم التفوّق الإسرائيلي.

– معركة طوفان الأقصى أثبتت أنّ القضية الفلسطينية لها حُماة، وأنّها ليست حمى مستباحا يتصرّف بها أو يتحدّث باسمها كل من يشاء وبما يشاء، وأنّ الشعب الفلسطيني ومقاومته لا يمكن أن يفرّطوا بوطنهم وبقضيتهم وبحقوقهم المشروعة حتى وإن تُركوا لوحدهم، فهم حراس وطنهم وحماة حماهم. وما زالوا يثقون بقدراتهم وبإسناد شعوب الأمة والقوى الحية فيها وبدعمها، مما يدفعهم إلى التضحية بكل ما يملكون إذا ما تهدّد الخطر مقدساتهم أو قضيتهم.

2 – زعزعة الداخل الإسرائيلي:

– كسر هيبة دولة الاحتلال ومؤسساتها العسكرية والأمنية بشكل غير مسبوق، وكسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر والجندي المدجّج بالسلاح المتفوّق على الآخرين بعد مباغتة كتائب القسام وتفوّقها الملحوظ وإنجازاتها البادية، ولا سيما العدد الكبير من القتلى -من بينهم ضباط في الجيش- والأسرى “الإسرائيليين” ومشاهد المواجهات المباشرة بين المقاومين والجنود قد أنتجت صورة من الصعب ترميمها بالنسبة إلى دولة الاحتلال.

– إرباك الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة التي عجزت عن تقديم إجابات للجمهور الإسرائيلي حول ما جرى وحقيقة الخسائر البشرية التي لحقت بالجيش والمستوطنين، وقد أثارت الكثير من التساؤلات حول أهلية المستويات السياسية والأمنية والعسكرية لإدارة أزمة من هذا القبيل.

– جرّ حكومة بنيامين نتنياهو إلى إعلان حالة الحرب ووضع إسرائيل وسكانها ومرافقها المدنية تحت قانون الطوارئ، وتكليف قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي بالتصرّف وفق متطلّبات الحرب، وبالتالي إدخالها في مرحلة استنزاف ربما سيطول أمدها بعدما تمّ استدعاء جميع قوات الاحتياط من أجل ردّ سيغيّر الشرق الأوسط على حدّ تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي.

 – توجيه الرأي العام الإسرائيلي نحو توقّع سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف الجنود المشاركين في العمليات في عمق القطاع، وربما الضفة الغربية ومدينة القدس إذا اتّسعت دائرة القتال.3

3 – تغيير المعادلة الإقليمية

– تأكيد أنّ التطبيع والعلاقات الاقتصادية مع دولة الاحتلال لن يجلبَا سلاما ولا أمنا، وأنّ المسار الوحيد الكفيل بضمان الاستقرار والأمن والهدوء في المنطقة هو الإقرار بالحقوق الفلسطينية وتحقيق طموحاتهم الوطنية ودحر الاحتلال. وهي رسالة للمطبّعين بأنّ الكيان الصهيوني لا يعوّل عليه ولا يصح ولا يصلح اتّخاذه حليفا أو التوقع بأنّه يمكن أن يشكّل سندا لأيّ من دول المنطقة.

– سيناريو الرعب الذي تخشاه إسرائيل يتمثّل في فتح حزب الله -ومن ورائه إيران- مواجهة جديدة خلال عملياتها في قطاع غزة. فمبادرة حزب الله إلى فتح هذه المواجهة يمكن أن تقلب حسابات إسرائيل رأسا على عقب. فحزب الله يحوز على ترسانة صواريخ تمتاز بعددها الهائل ومدياتها الطويلة ورؤوسها الثقيلة، علاوة على أنّ الكثير منها صورايخ ذات دقة إصابة عالية، بشكل يمكّنها من ضرب مؤسسات ومقدرات عسكرية ومدنية حساسة.

– العملية الصادمة جاءت في وقت استثمرت فيه إدارة بايدن كثيرا من الوقت والجهد في ترتيب المنطقة من حيث الزيارات العديدة للمملكة السعودية، للدفع بمساعي التطبيع مع إسرائيل، وربما تكون الرغبة واللهفة لإنجاح هذه الصفقة، قد خلقتَا عمى بين الأمريكيين والإسرائيليين على حدّ سواء، حول ما كان يحدث عبر الحدود في غزة.


تكاليف باهظة

عموما نجحت حماس في دفع جميع الأطراف لإعادة حساباتها، ووجّهت صفعة كبيرة لإسرائيل، وكسرت صورتها في تصوّرات صناع القرار الدوليين والإقليميين، ومن المتوقّع أن يكون لذلك تداعيات داخل إسرائيل نفسها وفي المنطقة وعلى مسارات التطبيع، وما تزال المعركة في غزة وما حولها في بدايتها ولم تأخذ شكلها النهائي المفتوح على احتمالات عديدة.


أما نتنياهو فوجد نفسه مجبرا على شنّ حرب مميتة على غزة وسيلةً لإعادة الاعتبار المعنوي لمعادلة الردع الإسرائيلية، لكن التكاليف ستكون باهظة على إسرائيل أكثر من أيّ وقت مضى.

وربما تكون إسرائيل قد خسرت الحرب منذ البداية ولا معنى لكل ما تفعله الآن، كما قال الكاتب الإسرائيلي حاييم ليفنسون الذي سخر من عملية الجيش الأخيرة مطالبا بتسميتها “إسقاط السراويل” بدل عملية “السيوف الحديدية”.