تونس

صندوق النقد وأزمة الديون.. بين سردية السلطة وحقيقة الأوضاع

أنيس العرقوبي

تعيش تونس على وقع أزمة اقتصادية خانقة تلقي بثقلها على الواقع الاجتماعي وسط مخاوف شعبية من تفاقم تداعياتها في ظل استمرار الموقف الضبابي للسلطة.

ويقول التونسيون إن هذه الأزمة استفحلت ومسّت الجوانب المعيشية مع تزايد النقص الحاد في المواد الغذائية وندرة السلع الأساسية في الأسواق، مؤكدين ألا أحد يعلم إلى أين تتجه الأوضاع سيما أن سياسة الرئيس قيس مبنية على “المجهول” أي لا يمكن التنبؤ بها.

أزمة حادة

رغم أن تونس لم تعرف إقلاعا اقتصاديا بعد ثورة جانفي 2011 وعرفت أزمات سياسية واجتماعية مدفوعة بحالة التنازع على السلطو، إلا أن الأوضاع تدهورت أكثر منذ وصول الرئيس سعيّد إلى الحكم وإعلانه التدابير الاستثنائية في 2022 (حل البرلمان وانتخابات تشريعية ومحلية).

وإضافة إلى الأفق السياسي المسدود، يشهد الوضعان الاقتصادي والمالي نزولا بسبب استمرار تراجع مؤشرات التنمية وانخفاض عائدات رافعات الإنتاج مقابل ارتفاع المديونية.

ووفق تقارير رسمية، تراجعت الاستثمارات المصرّح بها في القطاع الصناعي بـ 5.2% لمجمل سنة 2023 مقارنة بسنة 2022.

كما بلغ التضخم- وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء في الربع الثالث لسنة 2023- 8.3%، فيما قدّرت نسبة البطالة بـ15.8%.

ويعاني الاقتصاد التونس من ارتفاع كلفة خدمة الديون التي بلغت 80% من إجمالي ناتجها المحلي.

ولمكافحة الأزمة المتفاقمة، تلجأ الحكومة إلى الاقتراض الداخلي (تعذر اتفاق النقد الدولي) عبر المصارف المحلية لتسديد رواتب حوالي 680 ألف موظف حكومي و150 ألف من موظفي القطاع الخاص.

وأمام عجز الدولة عن ضخ أي استثمارات ذات قيمة مضافة، تعيش البلاد حالة ركود اقتصادي مسجلة نسبة نمو ضعيف بأقل من 2%.

ويؤكد الخبراء أن غياب الاستثمارات يؤثر في نسق تطور الناتج الداخلي الخام ويحدث تباطؤا في النمو، فيما يدفع عدم التشجيع على بعث مشاريع جديدة إلى التفكك التدريجي للنسيج الإنتاجي في تونس.

ويتخوف المرتقبون من الأزمة في القطاع الفلاحي التي قد تحوّل النظم الغذائية إلى الاعتماد على الاستيراد في ظل تراجع الإنتاج القادر على تلبية الطلب المحلّي (أزمة الحليب وتوريد الطماطم من مصر).

من جهة أخرى، أدت حالة العطب الاقتصادي التي عرفتها تونس إلى تدحرج تصنيف تونس على سلّم وكالات التصنيف الائتمانية ما عمّق أزمة نفاذها إلى الأسواق المالية العالمية وتآكل مخزون العملة الأجنبية.

وألقى شح الاقتراض الخارجي وتراجع الاحتياطات، بظلاله على قدرة تونس على توريد حاجياتها الأساسية، ما خلق بدوره اضطرابا حادا في التزود بالمواد الغذائية مثل السكر والقهوة والأرز وحتى الأدوية.

وأثّر عجز الحكومة عن توريد السلع الأساسية، على منحى الحياة في تونس وخلق امتعاضا واسعا بعد أن تعذّر عليهم في أكثر من مناسبة الحصول على الخبز والتزود بالوقود (طوابير).

وأظهرت مقاطع فيديو تم تداولها على نطاق واسع رفوف المساحات التجارية وهي خاوية فيما اشترطت أخرى التزود بكميات محدودة من الحليب والدقيق والأرز.

ويتخوّف التونسيون من مرحلة انعدام الأمن الغذائي بدخول الدولة إلى دائرة الافتقار المادّي والاقتصادي الذي لا يسمح لها بتوفير المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية.

ويحذّر مراقبون من استمرار عجز السلطة عن تخفيف تكلفة المعيشة والحد من الشح في المواد الأساسية، في ظل الوضع الاقتصادي غير المسبوق في تونس، مشيرين إلى أن تضخّم أسعار المواد الغذائية إضافة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.

سردية السلطة

رغم تأكيدات الخبراء والمختصين أن تونس تعيش أزمة مثلثة الأضلاع قوامها الغذاء والطاقة والديون، وأن الخروج من حدود هذا الهرم يحتاج إلى ضخ أموال واستقطاب استثمارت ودعم مالي خارجي، إلا أن الرئيس قيس سعيّد يحاول حصرها في البعد السياسي والمؤامراتي.

يعاود الرئيس في خطاباته الإلقاء باللائمة في أزمات ندرة المواد الأساسية والغذائية إلى جهات لا يحدّدها تهدف إلى تأجيج الأوضاع الاجتماعية وافتعال الأزمات.

ويتهم الرئيس أحزابا سياسية ومنظمات بافتعال الأزمات والوقوف وراء فقدان الدقيق والأرز والسكر وحتى القهوة من الأسواق والمحلات التجارية.

وإضافة إلى الجهات المجهولة والأحزاب السياسية، يؤكد سعيّد أن لوبيات نافذة وراء عمليات الاحتكار وتجويع التونسيين التي تعرفها البلاد منذ وصوله إلى الحكم، ودعا سابقا إلى”عملية تطهير من المضاربين والمحتكرين العابثين بقوت المواطنين”.

أما وزراء الرئيس، فكانت رؤيتهم إلى الأزمة مختلفة نوعا ما وأرجعوها إلى “لهفة التونسيين”، مثلما صرّحت وزيرة التجارة.

وعن عملية الإصلاح الاقتصادي ومستوجباتها، يراهن الرئيس سعيّد على ما سمّاه “التعويل على الذات” من خلال إصلاح العديد من القطاعات وتطوير الإنتاج، وتحصيل الأموال من الصلح الجزائي، معرضا عن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

ومنذ أكتوبر 2022، تتعثر المفاوضات بين تونس وصندوق النقد للحصول على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار على مدى 4 سنوات، بسبب رفض سعيّد أيّ شروط أو إملاءات من أيّ جهة من أجل حلّ مشاكل الاقتصاد المحلي والخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية.

ويشترط الصندوق انخراط تونس في برنامج إصلاح اقتصادي يشمل خفض دعم الطاقة والسلع الغذائية، إلى جانب خفض كلفة الأجور العامة وإعادة هيكلة الشركات الحكومية.

وفي ما يتعلق بقدرات الدولة على مكافحة الأزمة والمديونية، أكّدت السلطة أنها سددت جزءا كبيرا من خدمة الدين الخارجي، في إشارة إلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها رغم الضغوط المالية ودون مساعدة من المانحين الدوليين.

حدود السردية

الاحتكار والمضاربة:

يشير الخبراء والمراقبون إلى أن أسباب الأزمة في تونس لا يمكن حصرها في اللوبيات والمحتكرين رغم أنهم جزء من عوائق الإقلاع الاقتصادي، بل تعود أساسا إلى عدم كفاءة السلطة في التحليل وإيجاد رؤية واضحة وميكانيزمات جديدة للتعامل مع الوضع الراهن والمتغيرات الجيوسياسية مثل الصراع الروسي الأوكراني.

ويستدل المراقبون على ذلك بطريقة تعامل السلطة مع ندرة مواد الغذاء ومنها الحليب في الأسواق، إذ يؤكدون أن أسباب الأزمة هيكلية تمس القطاع الفلاحي برمته خاصة في ظل عزوف الفلاحين عن تربية الأبقار، نظرا إلى التكلفة العالية لقيمة الأعلاف الموردة، إضافة إلى تأثيرات الجفاف.

وكشف تقرير لوكالة الأنباء الإيطالية أنّ السبب الحقيقي لأزمة القهوة هو احتكار الدولة لتوريد هذه المادة والتراجع الكبير في الكميات الموردة خلال السنتين الماضيتين، فمن معدل 3 آلاف طن شهريا أصبحت تونس تستورد حوالي 800 طن فقط شهريا لفترة ليست قصيرة.

العلاقة مع النقد الدولي:

يرفض الرئيس سعيّد التوجه نحو صندوق النقد الدولي للحصول على حقوق السحب الخاصة وخطوط التحوط والسيولة، للحد من التأثير الأزمة الاقتصادية، مبررا ذلك بالتداعيات الاجتماعية والسيادة.

ومع أن حكومة الرئيس هي التي أشرفت على المفاوضات الأولى وتوصلت إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد، وتأكيد الوزراء ألا حل للأزمة سوى حزمة إنقاذ من المؤسسة المانحة (تصريحات الوزير المقال سمير سعيد المدافع عن الاتفاق)، يواصل سعيّد إظهار ممانعة في التوقيع على شروط الصندوق.

وتدل تصريحات رئيس الحكومة أثناء لقائه بمديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا خلال منتدى دافوس التي أكّد فيها المجهودات التي تبذلها الدولة في مختلف المجالات لتحسين العديد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، على تضارب الموقف الرسمي التونسي واختلافه ظاهرا وباطنا.

ويقول خبراء إنه لا بديل عن الاقتراض خاصة في ظل التقديرات التي تشير إلى ضعف قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود دون برنامج الصندوق على المدى القصير.

بدوره، أكّد باتريك كوران  كبير الاقتصاديين في تيليمر، أنه من أجل تجنب أزمة الديون على المدى الطويل، ستحتاج تونس إلى الالتزام بالإصلاحات المالية والهيكلية الصعبة التي قاومتها الحكومة حتى الآن، وفق بلومبيرغ.

من جانبه، قال مارك بوهلوند كبير محللي أبحاث الائتمان في شركة Redd Intelligence: “كان هناك توقع عام بأنه لن يكون هناك برنامج لصندوق النقد الدولي إلا بعد انتخابات 2024 ” .

السيادة:

يرى مراقبون أن تكرار الرئيس سعيد مقولة “البلاد ليست للبيع” والسيادة، تتعارض مع سياسته على أرض الواقع، مشيرين إلى أن سفن الشحن المحملة بالقمح التي ترسو في موانئ تونس يأتي تمويلها بشكل غير مباشر من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.

وفي وقت سابق، أثار إصدار الرئيس قيس سعيد مرسوما متعلّقا بالموافقة على اتفاق الضمان المبرم بين تونس  والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي.

وجاء في المرسوم أنّ تونس وافقت على الضمان المتعلق بقرض مسند  إلى ديوان الحبوب بقيمة 150 مليون يورو للمساهمة في تمويل مشروع الاستجابة لـ”صمود الأمن الغذائي”.

ويرى مراقبون أن رفض سعيّد قرض صندوق النقد الدولي لا يعود إلى أسباب السيادة والتداعيات الاجتماعية، لكن مرده الأساسي اشتراط المؤسسة الدولية المانحة توقيع الرئيس التونسي على الاتفاق.

من جهة أخرى تكشف أرقام قروض دعم الميزانية المنتظرة لسنة 2024، أن تونس ستتوجه إلى صندوق النقد العربي والبنك الدولي والبنك الإفريقي والجزائر والسعودية، وهو ما يكشف أن خطط الحكومة لا تعتمد على سياسة “التعويل على الذات”.

سداد الديون:

أثارت مسألة نجاح تونس في سداد ديونها جدلا واسعا كشف تباينا واسعا بين رواية السلطة والحقائق التي تكشفها الأرقام.

وفي وقت سابق، قالت وزيرة المالية سهام البوغديري نمصيّة إن تونس تمكنت من سداد الديون الخارجية التي حلّ أجلها سنة 2023 رغم صعوبات الخروج إلى السوق المالية الدولية وتعطل اتفاقها المالي مع صندوق النقد الدولي.

وتعقيبا على رواية السلطة، كشف الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أنّ تونس نجحت في سداد ديونها الداخلية والخارجية بعنوان سنة 2023، بديون أخرى وكلفة اقتصادية باهظة جدا.

وقال الشكندالي: ” نحن سددنا سنة 2023 ما قيمته 12 مليار دينار داخليا وما قيمته 8.7 مليار دينار دينار خارجيا، لكننا اقترضنا من الخارج بمعنى أننا سددنا القروض الخارجية باقتراض خارجي وحجم الاقتراض الخارجي ارتفع ونحن كنا في حدود 7.6 مليار دينار سنة 2022 وبلغنا 10.6 مليار دينار سنة 2023 يعني أننا سددنا الديون بديون أخرى”.

من جانبه، قال الخبير المالي محمد صالح الجنادي في تصريح لـ”العرب” إن “عملية سداد الدين تتم عن طريق القروض، لكننا نريد أن يكون السداد عبر الناتج الفائض من الاستثمار”.

بدوره، أكّد وزير المالية الأسبق حسين الديماسي أن “عملية سداد الديون كانت لها انعكاسات من ناحية التزود بالمواد الغذائية وأضرّت بالوضع المعيشي للسكان”.

وأكّدت بلومبيرغ تقديرات الديماسي، حيث أوضحت أنّ الاحتياطيات من العملات الأجنبية ساعدت في تغطية نحو أربعة أشهر من احتياجات الاستيراد المقننة.

وأضاف الديماسي: “تم سداد الديون التي حلّ أجلها فقط وهي جزء بسيط من الدين العام، لكن حجم التداين بالنسبة إلى الميزانية يفوق الـ80 مليار دينار (25.72 مليار دولار)”.

وتساءل المراقبون حول ما إذا كانت تونس قادرة على دفع الديون في 2024، دون الاتفاق مع صندوق النقد.

ووفق بلومبيرغ، تتوقع ميزانية العام المقبل أن تقفز تكاليف خدمة الدين إلى 14.1% من الناتج المحلي الإجمالي أي صعودا من 13.1% في 2023 و10% في 2022.

وتحتل تونس المرتبة السادسة في مؤشر بلومبرج لضعف الديون السيادية.

في مقابل ذلك، يتوقع زياد داود كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبرج إيكونوميكس، أن يساعد الدعم المقدم من صندوق التنمية القطري تونس على تجنب التخلف عن السداد هذا العام.

إلى ذلك، يشير استمرار الأزمة المالية إلى تخبط السلطة بين توجهات متعددة لم تصل بعد إلى تحديد برنامج واضح ومتكامل يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الكلي وتعزيز قدرات رافعات الإنتاج التنافسية.

ورغم حرص السلطة على إعادة الروح في مؤسسات الدولة (الحديد والصلب الخطوط التونسية..) التي أنهكتها الخسائر وتعهدها بعدم التفريط فيها، إلا أنها ستصطدم بكلفة إعادة تأهيلها وإدخالها في حلقة الإنتاج.

ويقول مراقبون إن السلطة ستعمل في وقت لاحق على دفع البنك المركزي إلى تمويل ميزانية 2014 وبرامجها، وذلك بعد إصدارها مرسوما يسمح للمركزي بمنح الائتمان لخزانة الدولة.

وأشاروا إلى أن القرار قد يتراجع عن إصلاح عام 2016 الذي ساعد تونس في تأمين برنامج قروضها السابق مع صندوق النقد الدولي.

ويؤكد الخبراء أن هذا القرار يأتي بهدف تمويل عجز الميزانية ويشير إلى احتمال تدخل الدولة بشكل أكبر في السياسات النقدية.

يبدو أن تعهدات الرئيس قيس سعيّد المتكررة بإنقاذ تونس وإصراره على رسم ملامح منوال اقتصادي غير واضح قد يدفعان الأوضاع المعيشية إلى الأسوأ خاصة إذا فشلت مساعيه في استرداد الأموال المنهوبة وتحصيل أموال الصلح الجزائي التي يقيم عليها كل فرضيات النجاح.