ثقافة

صلاح جاهين فيلسوف الضحك وشاعر رباعيات الحكمة والحماس

 من يتذكّر شخصية “الشيخ سيد” في فيلم المماليك سنة 1965 – بلحيته الكثّة وملامحه السمراء – الذي قدم حياته حماية للشباب الذين يقاومون طغيان حكام المماليك في مصر.  

معتقلو 25 جويلية

لا يُصدّق البعض أنّ صاحب تلك الملامح المكتنزة، هو فيلسوف الفرح وصاحب قصائد “البيانولا” و”قصاقيص الورق”، الصحفي وشاعر الرباعيات والممثل ورسام الكاريكاتير الذي كانت رسومه الساخرة، تزرع الابتسامة على شفاه الملايين من القراء.

لعل الاقتباس من المثل المصري الشهير “سبع صنايع والفرح ضايع”، يمكنه لوحده أنْ ينصف المبدع والعبقري المصري صلاح جاهين.

هو حالة إبداعية خالصة وخاصة، اختزلت الشخصية المصرية بتفاصيلها وعُقدِها وقدرتها على استمطار النكتة والدعابة، وحملت في جعبتها مواهب متعدّدة، ورصيدا غزيرا في الكتابة والشعر، وعددا من الأعمال السينمائية تمثيلا وإنتاجا.   

العبقري الذي أنهكته السياسة

رسمت مسيرة صلاح خطا بيانيا ملازما لتجربة يوليو وثورة الضباط الأحرار، فمجّد انتصاراتها وانحيازها للبسطاء وبنائها للعدالة الاجتماعية، وألهمته أجمل القصائد التي تغنّى بها عبد الحليم حافظ، اشهرها “صورة” و”يا أهلا بالمعارك” و”أحنا الشعب”.

وكان طبيعيا لمبدع انغمس في السياسة حتى النخاع، أنْ ينكسر قلبه على وقع نكستها في حزيران 1967، والتي دخل بعدها طور اكتئاب أثّر على إنتاجه وكتاباته، ودفع الرئيس جمال عبد الناصر إلى إرساله إلى روسيا للتعافي، نتيجة تدهور حالته النفسية.

منذ اقتحامه عالم الصحافة عبْر رسوماته المنشورة على صفحات مجلّة “روز اليوسف”، كان جاهين حريصا أنْ يعكس مشاغل الناس وهمومهم بريشة ساخرة لاذعة ناقدة، تنبع من معرفته الشديدة بالروح المصرية وأبعادها الاجتماعية والإنسانية.

حافظت رسوماته على موقعها بين مواهبه المتعددة في مجلة “صباح الخير”، قبل أنْ يستقر به المقام في “الأهرام”، لتصبح كتاباته وكاريكاتيراته ركنا يوميا ثابتا ومستمرا لسنوات طويلة، حتّى عند اعتكافه أشهرا طويلة في منزله نتيجة الإحباط الذي سببّته صدمة الهزيمة.

الرباعيات… بين التأمل والمقاومة

أعادت عمليات عبور القناة وتسلّل قوات الصاعقة خلْف خطوط العدوّ خلال حرب الاستنزاف – الروح لجاهين ليبدأ بعد العلاج مشوارا جديدا من كتابة الرباعيات، التي جسّدت قمّة إبداعه وعبقريته الأدبية والشعرية.

استلهمت الرباعيات فكرتها من الشاعر عمر خيام اعتمادا على أربعة أبيات تلتزم قافية ووزنا واحدا، لكنّ أسلوب جاهين بالعامية المصرية وصياغته للصورة الشعرية في شكل يجمع بين التكثيف والاختزال، كان كفيلا بتجسيد تفرّده وبلاغة أسلوبه وعمْقه، إلى جانب مصطلح “عجبي” التي أضحت لازمة ثابتة في كتاباته.

عكست الرباعيات تأمّلات فلسفية في الوجود والمعنى والحياة، على غرار قصيدة “سمعت نقطة ميّه جوّه المحيط”، كما تحولت إلى عنوان مقاومة معنوية خلال حرب الاستنزاف، وفضحت جرائم الاحتلال الصهيوني التي أمعن في ارتكابها ضدّ المدنيّين.

بعد الجريمة التي نفّذتْها الطائرات الإسرائيلية بقصف مدرسة “بحر البقر” كتب صلاح بحروف دامية “الدرس انتهى لموا الكراريس”، فجاءت كلماته على بساطة المعنى بمثابة سوط يفضح تآمر وصمْت الضمير الدولي، وتواطئه في مقتل 30 تلميذا مصريّا لتتحوّل إلى واحدة من روائعه الخالدة.

صبيحة يوم 23 جانفي 1970 فوجئ قرّاء الأهرام بقصيدة لجاهين في الركن المخصص لكاريكاتيره اليومي، كانت الكلمات من وحي المعركة التي خاضها بضع عشرات من الجنود المصريّين، في مواجهة كتيبة من قوات المظليّين الصهاينة دفاعا عن جزيرة “شدوان” الواقعة في مدخل قناة السويس.

ألهمت جاهين 36 ساعة من القتال البطولي والانسحاب المذل للصهاينة، واحدة  من أجمل رباعيته المغمسة بالحماسة والوطنية.

يا مفتحين كلامي يغرّكم ويا مغمضين نشو على الذبان

مش كل من كانت خريطة قالت أنا بلد الرك على المدنية والعمران

وعمار يا بلدي عمار بنيلك وبأمتك عمار بأفراحك وبالأحزان

أدي اللي الجندي على الأرض كتبه بحروف من نار في نهار “شدوان” 

تحوّل إرث جاهين الشعري إلى مادة خصبة لأعمال فنية تغنّى بها الشيخ إمام    وعلي الحجار بشكل خاص، يحكي مضمونها عن حكمة اقتطفها صاحبها من وحي معاناته والأزمات النفسية التي لاحقته جراء السياسة، “بأن بحر السياسة مهلَكة”.