شيرين أبو عاقلة…الحقيقة في مرمى الرصاص
tunigate post cover
رأي

شيرين أبو عاقلة…الحقيقة في مرمى الرصاص

“وضع النضال الفلسطيني شيرين أبوعاقلة ضمن قائمة شهداء الشعب الفلسطيني. كما وضعتها المهنيّة العالية ضمن كوكبة شهداء قناة الجزيرة“. الباحث التونسي فوزي الصدقاوي يكتب عن شهيدة الصحافة
2022-05-24 19:50

فوزي الصدقاوي

 الصحافة تأتي فقط من خلال تحري الحقيقة”، فسلامة حياة كثير من الضحايا وخبزهم وزيتهم  وماؤهم ودواؤهم يعتمد على الحقيقة.
وتلك أُسس قواعد المهنة ومنتهى مقاصدها. ورغم أنّ صحافيين في الميدان يؤكّدون دوما، أنّه لم تكن هناك حاجة لاستهداف الصحافيين بالقتل، لأنّهم لا يفعلون أكثر من أداء عملهم، ومع أن تقارير حقوقية وصحفية  ظلت تؤكّد هذا المعنى، فإنّ سنة 2022 شهدت زيادة في عدد الصحفيين المستهدفين بالقتل.
هذا ما يهدد العمل الصحفي الملتزم بالتحري والحيادية والمصداقية، ليس لأن الصحافة الحربية محفوفة بالمخاطر، بل لأن الحقيقة مستهدفة من خلالها، وكلّما صارت الحقيقة أكثر جلاءً ووضوحا، كان المصدر وهو الصحفيّ الشجاع، هدفا مباشرا للرصاص.. لذلك كانت شيرين أبو عاقلة نفسُها هدفٌ لرصاص العدو،  وكان اغتيالها استهدافا مباشرا للحقيقةِ.

علّق الكاتب البريطاني، ديفيد هيرست، على جريمة إعدام الاحتلال الإسرائيلي الصحفية شيرين أبو عاقلة، بالقول: “الغرب لا يمكنه غسل عار التواطؤ مع “إسرائيل”. فــ ”الغرب الرسمي  المتصهين” ما يزال، يكابر من غير أنفة وينافق في غير حياء. الذين يقفون في خندق واحد مع أوكرانيا اليوم في مواجهة روسيا، يزعمون أنّهم يفعلون ذلك دفاعا عن الحق، لكن بمجرد أن يولّوا وجوههم قبل المشرق، وحالما تتحوّل مدينة القدس إلى مركز للصراع ويتجلّى الحق الفلسطيني في مواجهتهم، لن يترددوا لحظة في اغتيال الحقيقة.

لا يحتاج اغتيال شيرين أبو عاقلة تحقيقا لمعرفة الفاعل، لأن السفارة الأمريكية بالقدس نفسها جهّزت الرواية، وأدلت زورا بشهادتها، فهي “تعلم” أن الرصاص ”الغادر” يكون دائما فلسطينيا،  ككل مرة، لكن اُسقط في أيدي السفارة، حين نشرت قيادة الاحتلال تقريرا، يكشف أنّ زاوية القنص كانت من خلال فتحة من سيارة جيب أطلق منها جندي إسرائيلي النار ببندقية ذات عدسة تلسكوبية من مسافة 190 مترا.

قُرعت أجراس كل كنائس مدينة القدس عند تشييع جثمان شيرين أبو عاقلة، ولم تُقرع كنائس أوروبا، وغصّت ساحة باب الخليل بالمشيعين من كل جنس ودين وطائفة وفصيل، ورُفع نعشها الموشّح بالعلم الفلسطيني على أيدي المشيّعين، مسيحيين ومسلمين، وتحت أصوات الدعاء بالرحمة والتكبير، وهم يعبُرون بالجثمان الطريق إلى المدافن الأرثودكسية. كانت قوات الأمن  الصهيوني تواجه المشيعين وتحاول بشتى ألوان التعنيف، منع تقدم الجنازة بصورة  يُصادم فيها المدنسُ المقدسَ إذ لم يسبق أن شاهدت البشرية مُصادمة، بتلك الدرجة من الوضوح والرمزية وبما يندى له الجبين .
ماذا سيكون مآل قضية اغتيال شيرين أبو عاقلة ؟  هل يمكن لمحكمة الجنايات الدولية أن تغيّر معادلة الصراع..إذا كان الصراع محكوما أصــلا بموازين القوة الدولية..بل إن العدالة الدولية محكومة بموازين القوة؟

حين تكون شيرين أبو عاقلة مقدسية الموطن، فلسطينية الوطن، صحافية حربية مختصة في الشأن الفلسطيني، ومناطق 48 على وجه خاص، وحين لا أحد باستطاعته أن يفصل سيرة شيرين أبو عاقلة الذاتية وتاريخها العائلي عن أطوار القضية الفلسطينية، ولا أن يفصل بين مهنتها وبين هويتها الحضارية وانتمائها الاجتماعي، وحين لا أحد يمكنه أن يرى فارقاً بين أدائها المهني وما تعيش لأجله وما تموت عليه، سندرك لماذا وحّدت شيرين الفرقاء. فمن أسمعتْ، حين كانت على قيد الحياة، أخبارهم وأصواتهم ومحنتهم، هم الذين أسمعوا اليوم صوتها ورفعوا نعشها، وكبّروا وترحّموا، وواروا عليها الثرى  في مثواها الأخير حين صارت شهيدة.

وضع النضال الفلسطيني شيرين أبو عاقلة ضمن قائمة شهداء الشعب الفلسطيني من أجل التحرير، كما وضعت المهنيّة العالية، شيرين أبو عاقلة ضمن كوكبة شهداء قناة الجزيرة من مراسلين ومراسلات وقد بلغ عددهم 12 شهيدا، لتصبح الجزيرة بشهدائها، قناة أمّــة، وإن أفتاك الناس وأفتوك.  لأن الشهادة مفخرة أصحاب الرسالات، وسبيل معراج الأرواح الزكيّة، وهي عبر التاريخ (فن الموت الجيّد)(1)، وهي موت باختيار واعٍ من أجل كرامة الحياة، ولأجل هذاتمد الشهادة عمر الفكرة وتطيل حياة القضية، لأن الشهادة دعوة لكل الأجيال القادمة، بها توفّر  شروط الاستمرار وتوقّع ضمانة الانتصار.

لقد أُوكـِل إلى شيرين أبو عاقلة الآن الاضطلاع بدور الشهيدة، لشحذ الهمة، واختيرت رمزا لشحن الذاكرة واستصحاب التاريخ، فهي مع الشهادة تتحوّل إلى  أيقونة، تجمع الناس وتوسّع دائرة الحشد، وتنهض  بالتعبئة العامة للمعارك القادمة.
سيكون على الكيان الصهيوني أن يدفع من زمنه الوجودي، كُلفة قرار اغتيال شيرين، وأن يستعدّ بقبّته الحديدية لاعتراض طراز جديد من الصواريخ من تصميم المقاومة، بمدى رشق قياسي، يسمى (أبو عاقلة 22511) أو (SH 22511 ) فانضمام شيرين أبو عاقلة إلى قائمة الشهداء، سيمنح المقاومة الفلسطينية طول العمر، وسيَحمل قيادتها على تعزيز ترسانتها الدفاعية، بصواريخ حاملة لرسائل رمزية جديدة، ذات قدرات تدميرية لمستقبل العدو، سيكون من باب  المقاومة، أن تغير المقاومةُ قواعد اللعبة، وسيكون من باب المقاومة أن تمنع المقاومة الاعتداء على  الصحافيين الشجعان بما أنّهم يتحرّون الحقيقة، وبما أنالحقيقة، على الدوام، في صفّ الحق الفلسطيني.


************************
(1)   علي شريعتي ،الشهادة، تقديم إبراهيم دسوقي شتا، دار الأمير، لبنان، الطبعة الثانية ، 2007، ص 112-115

شيرين أبو عاقلة#
فلسطين#
فوزي الصدقاوي#

عناوين أخرى