“روح الانتماء الوطني لدى جيل الشباب تأثّرت بسبب خيبات الأمل السياسية والاقتصادية”.. باحثة تونسية في علوم الإعلام والاتصال تُصرّح صابر بن عامر ترى سهير اللحياني في تراجع إنتاج الأغنية الوطنية في تونس بعد ثورة 2011 انعكاسا لديناميكيات اجتماعية وسياسية وثقافية معقّدة، وهي ظاهرة ليست حكرا على تونس، بل تمتدّ إلى دول عربية أخرى مرّت بتحولات مشابهة، وفق تقديرها. جاء ذلك ردّا منها على أسئلة بوابة تونس حول شحّ إنتاج الأغنية الوطنية بعد ثورة 2011؟ وهل يعود خفوت بريقها إلى الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، أم إلى تغيّر ذائقة التونسيين، في ظل انتشار فن الراب الذي خاض في الاجتماعي على حساب السياسي؟ أم أنّ روح الانتماء إلى الوطن تلاشت عند جيل الشباب؟ وتعزو الأستاذة الجامعية والباحثة في علوم الإعلام والاتصال هذا التراجع في ثلاثة محاور رئيسية. أولا، الأزمات الاقتصادية المتتالية لعبت دورا محوريا في تحويل اهتمامات الفنانين والجمهور. ففي تونس، أدّت البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع الإنتاج الفني الوطني الذي يتطلّب تمويلا ودعما، لصالح أعمال تركّز على القضايا اليومية. حالة عربية عامة وهي في ذلك تقول: “الوضع ذاته نراه في مصر، حيث أثّرت الأزمات الاقتصادية بعد 2011 في إنتاج الأغاني الوطنية التقليدية، كالتي كانت تُنتج في ستينيات القرن الماضي وسبعيناته، والتي أنشدها عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهما”. وتسترسل اللحياني موضحة: “بدلا من ذلك، برزت أغانٍ شعبية مثل المهرجانات التي تعكس هموم الطبقات الشعبية”. والأمر ذاته انسحب على لبنان، حيث توضّح اللحياني: “أدّت الأزمة الاقتصادية منذ 2019 إلى تقليص الإنتاج الفني الوطني، حيث استحوذت أغاني الحنين والاحتجاج على اهتمام الجمهور”. ثانيا -والكلام لها دائما- تغيّرت الذائقة الفنية، خاصة بين الشباب، مع صعود أنماط موسيقية جديدة مثل الراب والموسيقى البديلة. وفي ذلك تُقدّم الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، نموذجَي “كافون” و”بلطي” اللذين قدّما أعمالا تعبّر عن التهميش والفساد بأسلوب الراب، بعيدا عن الخطاب الوطني التقليدي. والتحوّل ذاته، يتكرّر في المغرب، حيث برز مغنّون على غرار “الديزي” و”توتو”، اللذين استخدما الراب لمناقشة قضايا اجتماعية شائكة وحارقة كالفقر والهجرة، بدلا من التركيز على الوحدة الوطنية، وفق تقديرها. وتسترسل اللحياني: “حتى في الجزائر، شهدت فترة ما بعد 2019 صعود أغاني الراب التي تنتقد النظام، مثل أعمال “سولكينغ”، ممّا قلّل من حضور الأغنية الوطنية التقليدية التي كانت سائدة في فترة ما بعد الاستقلال”. ثالثا، تأثّرت روح الانتماء الوطني لدى جيل الشباب بسبب خيبات الأمل السياسية والاقتصادية. وانطلاقا من تونس، ترى اللحياني أنّ التحديات التي واجهتها الثورة، مثل عدم استقرار الحكومات، أدّت إلى شعور بالإحباط لدى الشباب الذين كانوا يأملون بتغيير جذري. وهو الشعور ذاته الذي يتردّد في السودان، حيث تراجعت الأغنية الوطنية بعد 2019 بسبب الحرب الأهلية والانقسامات، ممّا جعل الفنانين يركّزون على أغاني المنفى والمقاومة بدلا من الوحدة الوطنية. لم تختف بل تطوّرت ومع ذلك، تقّر الأستاذة الجامعية التونسية أنّ الأغنية الوطنية لم تختفِ تماما، بل تطوّرت إلى أشكال جديدة. ومثالها على ذلك، أغنية “تونس يا زينة” لفرقة “يوما” التونسية التي مزجت التراث بالحداثة، والأمر ذاته ينسحب وفق تقديرها على مصر. وذلك عبر أغنية “تسلم الأيادي” التي حاولت إحياء الروح الوطنية بأسلوب معاصر. وتخلص اللحياني في ختام تصريحها لبوابة تونس إلى أنّ تراجع الأغنية الوطنية في تونس ودول عربية أخرى، هو نتاج تفاعل بين الأزمات الاقتصادية، والتحوّلات في الذائقة الفنية، علاوة على وجوب إعادة تعريف الانتماء الوطني. ومع ذلك، فهي ترى أنّ الأغنية الوطنية حاضرة، اليوم، بأشكال جديدة.
ثقافة
سهير اللحياني لبوابة تونس: التحوّلات الحاصلة في الذائقة الفنية ارتدّت بالأغنية الوطنية إلى مراتب دونية



أضف تعليقا