أظهر التقرير السنوي الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” تراجع ترتيب تونس ضمن مؤشر حرية الصحافة العالمي.
تراجع رهيب
أشار تقرير “مراسلون بلا حدود” إلى أنّ تونس انتقلت على مستوى مؤشّر حرية الصحافة من المرتبة 129 سنة 2025 إلى المرتبة 137 سنة 2026.
ويعكس التراجع حجم الصعوبات التي بات يواجهها العمل الصحفي في ظل بيئة تتسم بتزايد القيود والضغوط.
وتعيش الصحافة في تونس على وقع تراجع رهيب في السنوات الأخيرة، ممّا أثار عديد الإشكاليات التي كانت سببا مباشرا في تواصل انحدار الترتيب رغم أنّها كانت من بين الأمم الرائدة في المجال خاصّة بعد ثورة 2011.
وسبق أن حذرت تقارير محلية أبرزها من نقابة الصحفيين ومنظمات وجمعيات وطنية من خطر التراجع المتواصل لحرية الصحافة في ظل تضييقات سياسية وتتبّعات قضائية للصحفيين على خلفية آرائهم أو تعبيرهم عن رفضهم المسار السياسي خاصّة بعد 25 جويلية.
كابوس المرسوم 54
يرى مراقبون أنّ المرسوم 54 من بين الأسباب الرئيسية لتراجع حرية الصحافة في تونس، في ظلّ ما شهده القطاع من ملاحقات قضائية طابت العشرات ومازال يدفع ثمنها أكثر من صحفي إلى حد اليوم.
وحسب جمعيات ومنظمات فقد “شكّل المرسوم 54 منذ صدوره مصدر قلق بالغ لدى الهياكل المهنية والمنظمات الحقوقية والصحفية الوطنية والدولية، نظرا لما يحتويه من صياغات فضفاضة وغامضة، تمنح السلطات صلاحيات واسعة في الملاحقة القضائية وتُعرّض الصحفيين والمواطنين لعقوبات سالبة للحرية لمجرّد التعبير عن آراء مخالفة أو نشر معطيات تتعلّق بالشأن العام”.
والمرسوم عدد 54 لسنة 2022، الصادر في تونس في 13 سبتمبر 2022، يتعلق بـ”مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال ويهدف رسميا إلى زجر نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، لكنه يثير جدلا واسعا لقيوده المشددة على حرية التعبير والصحافة، حيث يفرض عقوبات سجنية ومالية مغلظة، خاصة بموجب الفصل 24 الذي يعاقب بالسجن حتى 5 سنوات على نشر أخبار كاذبة”.
وفي أكثر من مناسبة شدّدت نقابة الصحفيين على أنّ “المرسوم عدد 54 صدر في سياق سياسي واجتماعي يتّسم بتصاعد الانتهاكات الممنهجة لحرية التعبير ومحاولات إخضاع الصحافة وترهيب الصحفيين والناشطين، واستخدم خلال السنوات الثلاث بشكل ممنهج لاستهداف الصحفيين والمدونين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان”.
وأكّدت أنّه منذ صدوره إلى اليوم، تمّت محاكمة المئات بناءً على تهم تتعلق بنشر “أخبار زائفة” أو “الإساءة إلى الغير”، “ما أدى إلى خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية في المؤسسات الإعلامية”، وفق تأكيد النقابة.
وجدّدت نقابة الصحفيين التونسيين تمسكها، “بحرية التعبير والصحافة باعتبارها حقوقا دستورية لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة”، وقالت إنّ “مكافحة الأخبار الزائفة لا تتمّ عبر القوانين الزجرية بل عبر ضمان الحق في النفاذ إلى المعلومة وتشجيع الصحافة المهنية وتعزيز التربية على وسائل الإعلام”.
ودفع خطر المرسوم 54 على حرية الصحافة الجهة التشريعية من خلال مجلس نواب الشعب إلى طرح مبادرة لتنقيحه حتى يستثني استهداف الصحفيين وأصحاب الرأي المعارض للسلطة.
ورغم مرور أكثر من عام على طرحه أمام مكتب البرلمان، إلا أنّ مقترح تعديل المرسوم 54 مازال حبيس الأدراج.
وفي تصريح لبوابة تونس، قال رئيس لجنة التشريع السابق بالبرلمان ياسر قوراري إن “إلغاء الفصل 24 من المرسوم 54 سيكون أهم نقطة ضمن مداولات اللجنة اليوم”.
وشدد قوراري على أنّ الفصل 24 خلق إشكالا لا يمكن التغاضي عنه أو تجاهله.
وقال: “نريد عملا صحفيا حرا ومسؤولا يخضع فقط لأخلاقيات المهنة والإطار القانوني والتشريعي الذّي ينظمه وفقا للمرسومين 115 و116 ولا داع لأن يتم تضمين هذا الفصل الذي يعتبره الإعلاميون مكبلا للحريات الإعلامية وحرية التعبير بشكل”.
ضغوط سياسية
يرى مراقبون أنّ ضغوطا سياسية مثّلت العائق الأكبر أمام حرية الصحافة في السنوات الأخيرة خاصّة بعد مسار 25 جويلية.
ويستند مراقبون في تقييمهم إلى عشرات القضايا التي واجهها صحفيون وإعلاميون، ممّا تسبّب في سجن العديد على غرار محمد بوغلاب وبرهان بسيّس ومراد الزغيدي وزياد الهاني وشذى الحاج مبارك وسنية الدهماني.
كما يبني مراقبون طرحهم لمعاناة حرية الصحافة من الضغوط السياسية على تصريحات للرئيس قيس سعيّد، والتي يرون من خلالها تهديد غير مباشر.
وأثارت التصريحات المتتالية لرئيس الجمهورية قيس سعيّد حول التلفزة الوطنية التونسية جدلا واسعا بين من يعتبرها تهديدا مباشرا لحرية الصحافة، وبين من يراها ضغوطا غير مباشرة.
وفي كلمة ألقاها يوم 6 أفريل 2026، لدى إشرافه على موكب إحياء الذكرى 26 لوفاة الزعيم الحبيب بورقيبة بمدينة المنستير.
وجّه رئيس الجمهورية قيس سعيّد رسالة إلى التلفزة الوطنية دعاها من خلالها إلى تغيير خطابها، وفق ما قاله.
وقال رئيس الجمهورية: ”لابد للتلفزة الوطنية أن تغيّر خطابها وأن تكون على موعد مع التاريخ.. نحن اليوم في 2026 وهناك بعض مصطلحات انتهت صلوحيتها ولم يعد الشعب التونسي يريد سماعها..”.
وأضاف: ”نحن لا نطلب دعاية زائفة ولا تركيزا لكن التلفزة الوطنية يجب أن تكون وطنية في خدمة الوطن وفي خدمة التونسيين والتونسيات..”.
وفي 25 سبتمبر 2023، حيث شدد سعيّد خلال إشرافه على مجلس الأمن القومي على أنه لا بد من توضيح جملة من النقاط خاصة بالنسبة إلى التلفزة الوطنية بقناتيها، مضيفا أنه يجب أن تكون هذه التلفزة وطنية كما أنه عليها أن تنخرط في الخط التحريري للوطن، على حد قوله.
كما سبق أن أثارت تصريحات الرئيس الجدل في شهر أوت بعد دعوته مديرة التلفزة الوطنية عواطف الدالي لدى استقباله لها بقصر قرطاج وتوجيهه إلى رسالة لإعادة النظر في ترتيب الأخبار بنشرة الأنباء الرئيسية.
وفيفري الماضي، أصدر فرع النقابة الوطنية للصحفيين بوكالة تونس إفريقيا للأنباء، لائحة مهنية عقب اجتماع خُصص للنظر في آخر التطورات داخل الوكالة، ولا سيما ما يتصل باستقلالية الخط التحريري وظروف العمل.
وتناول الاجتماع، وفق ما جاء في اللائحة، مسألة استقلالية التحرير عن الإدارة العامة، وهي النقطة التي اعتبرها المجتمعون من أبرز الإشكاليات المطروحة داخل المؤسسة، خاصة في ظل ما وصفوه بتداعياتها على الاستقرار التحريري، حيث شهدت الوكالة إقالة أو استقالة ثلاثة مديري تحرير خلال السنوات الثلاث الماضية.
كما تم التطرق إلى ظروف العمل التي يشتكي منها الصحفيون، في ظل ما اعتبروه ضغوطا يومية تؤثر في أدائهم المهني.
وأدان الحاضرون ما اعتبروه تواترا في تدخل الإدارة العامة في العمل التحريري، من خلال إلغاء برقيات أو تغطيات لأحداث منتظرة، أو إفراغ بعض البرقيات من مضمونها والاكتفاء بحد أدنى من معلومات عامة وفضفاضة. كما أشاروا إلى توجيه بعض الصحفيين لإنتاج برقيات أو مواد فيديو “حسب الطلب”، بمحتوى أقرب إلى الإعلام الحكومي والاتصال السياسي منه إلى العمل الصحفي المستقل.
وعبّر الصحفيون كذلك عن رفضهم لما وصفوه بـ”هرسلة” زملائهم والحكم على نواياهم عند تناول بعض الأخبار، خاصة تلك المتعلقة بأخبار رئاسة الجمهورية والنشاط الحكومي، معتبرين أن مثل هذه الممارسات تمس من استقلالية العمل الصحفي وتضعف الثقة داخل المؤسسة.


أضف تعليقا