"سلوى"... فيلم تونسي جريء يُمنع في مصر بدعوى احتوائه مشاهد خادشة
tunigate post cover
ثقافة

"سلوى"... فيلم تونسي جريء يُمنع في مصر بدعوى احتوائه مشاهد خادشة

يعاني بعض المثقفين المصريين من تداعيات تفشي دعاوى الحسبة التي رفعها محامون تخصّصوا في تعيين أنفسهم حرّاسا للقيم، ورفعوا خلال عام ونصف العام فقط نحو واحد وخمسين بلاغا لدى النيابة ضدّ أدباء وسياسيين وفنانين... كيف يؤثر هذا على فيلم تونسي؟
2022-03-02 14:58

صابر بن عامر صحافي وروائي تونسي

كما كان مبرمجا سافرت المخرجة التونسية إيناس بن عثمان إلى الإسكندرية في العاشر من فيفري/ فبراير الماضي، وذلك من أجل المُشاركة بفيلمها الروائي القصير “سلوى” ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية القصيرة بمهرجان الإسكندرية في دورته الثامنة التي انتهت فعالياته في السادس عشر من الشهر ذاته.

لكن ما لم يكن في حسبان المخرجة الشابة أن فيلمها الذي وقع اختياره مسبقا للمنافسة على إحدى جوائز المهرجان منع من العرض قبل يومين فقط من انطلاق المهرجان، إذ وصلها إشعار بتاريخ الثامن من فيفري/ فبراير يخبرها فيه القائمون على التظاهرة أنهم ألغوا عرضه نظرا لاحتوائه مشاهد جريئة وخادشة للحياء.

حكاية ملعونة

رغم كل ما سبق أصرّت بن عثمان على السفر إلى الإسكندرية أملا في الدفاع عن فيلمها وطرحه الجمالي بعيدا عن “التعصّب الأخلاقوي المتحجّر” وفق تعبيرها، وهي في ذلك تقول لبوابة تونس: “لم أفهم إلى حدّ اللحظة، لماذا وقع رفض عرض فيلمي في حين عرض المهرجان أفلاما تزخر بمشاهد العنف والقتل، يبدو أن القائمين على المهرجان لا يقبلون مشاهد الحب؟”.

وعن أسباب منع الفيلم، تقول المخرجة: “فهمت من خلال الإيميل الذي وصلني أن هناك مشاهد مقلقة لا يمكن عرضها على الجمهور المصري”، مؤكّدة أن “زاوية تناول الفيلم هي التي تحدث الفرق، فموضوع الفيلم إنساني وطرحه كان جماليا”.

والفيلم القصير “سلوى” الذي سبق عرضه في الدورة الماضية لأيام قرطاج السينمائية مقتبس عن قصة “وهم ليلة حب” للكاتب والروائي التونسي الأسعد بن حسين وبطولة الممثلة ريم البنا والممثل التونسي المقيم في دبي أحمد القاسمي.

الأسعد بن حسين: قصة فيلم “سلوى” حكاية غريبة وملعونة فقد قدّمتها إلى السينما مرتين ورفضت في الحالتين إلى أن رأت النور أخيرا

ويقول عنه كاتبه بن حسين لبوابة تونس: “قصة فيلم “سلوى” حكاية غريبة وملعونة فقد نشرتها أواخر التسعينات بمجلة الحياة الثقافية تحت عنوان “وهم ليلة حب”، ثم قدّمتها إلى السينما في اقتباس للمخرج غانم غوار، فرفضتها لجنة الدعم  من خلال مراسلة مُمضاة من الوزير الأسبق عبد الباقي الهرماسي، تُفيد بأن موضوع القصة يمسّ بالأخلاق؟ وكأن الوزارة لا تعترض على المكتوب وتعترض على المصوّر، الصورة تخيف أكثر من الورق…”.

ويضيف: “ثم أعدت تقديمها مع المخرجة إيناس بن عثمان سنة 2015/ 2016 ووقع رفض دعم المشروع مرة أخرى، وجاء مشروع الاقتباس في الدورة الماضية لأيام قرطاج السينمائية فأنقذ الرواية، وأنا سعيد جدا بذلك… ولكن أعرف أن جرأة هذا الفيلم ستمنع حضوره في بلدان ما زالت السلطة الدينية تتحكم في مجالها الثقافي”.

ويسرد الفيلم في 18 دقيقة حكاية “بائعة هوى” تُحاول التحرّر من قيد بيع جسدها قسرا باحثة عن الحب الصادق لتصطدم بواقع مرّ، إذ يغوص الفيلم في عالم الدعارة ويعرّي جوانب خفية مأساوية من حياة بائعات الهوى.

وتقمّصت الممثلة ريم البنا شخصية “سلوى” باقتدار لتكشف لجمهور السينما الوجه الخفي لبائعات الهوى اللواتي تلاحقهنّ طوال حياتهنّ العيون المستنكرة علنا والمتحرشة سرا، خاصة من قبل الذكور، إلى جانب سياط الجلد والشتم دون أية محاولات للتعاطف معهنّ والبحث في حكاياتهنّ المحزنة التي قادتهنّ إلى المواخير اضطرارا وليس اختيارا.

ويسلّط الفيلم الضوء على لحظة فارقة في حياة سلوى، هي الأصعب في مشوارها، فحين تقرّر العودة إلى حياتها الطبيعية وتعشق من قلبها، يرفض المجتمع المكبل بالعيب والعادات أن يمنحها فرصة ثانية ويتقبلها متناسيا ماضيها، فتجد نفسها أمام واقع أبشع من الذي كانت تعيشه، إذ تجد أن معشوقها الذي أرادته لليلة واحدة أو ربما لبقية مشوار حياتها شرطيّ آداب ترصّد بها ليأسرها، لينتهي الفيلم بسلوى وهي تلعن حظها العاثر في صمت متذكّرة طفولتها البريئة قبل أن تزل قدمها، في مشهد معبّر تحت تأثير موسيقى ثائرة قريبة من الهارد روك لكل من أيتما ونور الحركاتي”.

إيناس بن عثمان: العالم العربي يقبل مشاهد العنف والقتل ولا يتقبل مشاهد الحب؟

وتقول بن عثمان: “أشدّ ما أزعجني بعد قرار المنع التعسفّي ليس حرماني من الجائزة، بل عدم عرض الفيلم ومشاركته مع الجمهور المصري بالتحليل والنقاش، فأكبر جائزة لأي مخرج أن يرى ردّة فعل الجمهور إزاء طرحه الإستيتيقي لا الأخلاقوي”.

وتعرف المخرجة الأربعينية إيناس بن عثمان (من مواليد العام 1982) باشتغالها على الأفلام الوثائقية، وقد درست السينوغرافيا في تونس وكانت بداياتها من مدرسة الفنون والحرف، ثم المدرسة العليا للسمعي البصري والسينما، قبل أن تقوم بإخراج مجموعة من الأفلام القصيرة الوثائقية والروائية من ذلك أفلام “الخيال” عام 2008، و”الحب والمياه العذبة” عام 2011، و”صيدا” عام 2013، و”مشاهدة السينما” في العام 2011، وغيرها…

أزمات سابقة

هذه ليست المرة الأولى التي يُثير فيها عمل سينمائي أزمة في مصر، فقبل شهر، تحديدا في أواخر شهر جانفي/ يناير الماضي تحوّل فيلم “أصحاب ولا أعز” إلى محور الجدل الأول في أرض الفنون، مصر،  ووصمه البعض “بالعري والانحطاط” مُطالبين بمنع عرضه في دور السينما بل محاسبة بطلته النجمة المصرية منى زكي من نقابة المهن الفنية بتهمة “الإخلال بالقيم والتقاليد والأخلاق العامة”، والحال أنه لم يتضمّن مشاهد فاضحة أو لقطات جريئة تخدش حياء الجمهور، وإنما أساس هذا الرفض عائد لكونه يطرح قضايا مسكوت عنها في المجتمع المصري على غرار المثلية الجنسية والخيانة الزوجية، فضلا عن مشهد عُدّ خارجا عن الموضوع من جانب البعض تقوم فيه زكي بنزع قطعة من ملابسها الداخلية بشكل تجنب خلاله المخرج وسام سميرة توظيف العري أو الإثارة المفتعلة.

وقصة فيلم “أصحاب ولا أعز” مستوحاة من الفيلم الإيطالي الشهير “غرباء بالكامل” وهي النسخة التاسعة عشرة له، ويتناول الفيلم قصة سبعة أصدقاء، قرّروا خلال حفل عشاء، في ليلة خسوف القمر، ترك هواتفهم الجوالة مفتوحة على الطاولة، ما كشف أسرارا مثيرة، متعلقة بحياتهم الشخصية، مثل الخيانة الزوجية والمثلية الجنسية.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي قامت الدنيا ولم تقعد في هوليوود الشرق، مصر، على خلفية عزم الممثلة المصرية إلهام شاهين على تجسيد دور البطولة في مسرحية “المومس الفاضلة” التي قدّمتها الفنانة المخضرمة سميحة أيوب في ستينات القرن الماضي، وأتى الاعتراض هذه المرة على العنوان الذي اعتبره نائبون في البرلمان المصري إباحيا وخادشا للحياء، داعين إلى إيقاف المشروع وهو في المهد، وذلك قبل الاطلاع على محتوى العمل، أصلا.

وتنتقد المسرحية التي كتبها الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي جان بول سارتر العنصرية ضدّ السود، وهي مستوحاة من قصة حقيقية وقعت أحداثها في أمريكا راعية الديمقراطية.

وتدور قصة المسرحية حول امرأة غانية شهدت مقتل زنجي داخل قطار على يد رجل من البيض، ويتمّ إغراؤها بالأموال أولا ثم تهديدها بالحبس عاما ونصف العام من أجل تغيير شهادتها باتهام صديقه الأسود الهارب باغتصابها وقتل زميله.

و”المومس الفاضلة” أو “الساقطة الفاضلة” يقدّم فيها البغاء كنموذج لما يمكن أن يبتلى به المجتمع أو تمتهنه امرأة، لكن لا يعني أن كل من يمتهن تلك المهنة شيطان، ففي داخل الإنسان يوجد قدر من الخير والطيبة، وفق طرح مؤلفها سارتر.

ويعاني البعض من المثقفين المصريين من تداعيات تفشي دعاوى الحسبة التي يتمّ رفعها من قبل محامين تخصّصوا في تعيين أنفسهم حرّاسا للقيم، ورفعوا خلال عام ونصف العام فقط نحو واحد وخمسين بلاغا لدى النيابة ضدّ أدباء وسياسيين وفنانين.

ويمنح القانون المصري المُحتسب الحقّ في تقديم بلاغ للنيابة من منطلق الحقّ في متابعة أحوال الناس ومدى التزامهم بالشرع، قبل أن يتحوّل إلى ميدان واسع لمجموعة من المحامين الذين استخدموه مطية من أجل الشهرة والظهور الإعلامي والدعاية المجانية.

كل هذه الأحداث المتعاقبة تؤشّر إلى ردّة ثقافية في مصر أم الدنيا ومستقطبة النجوم العربية وراعية الفن والفنانين منذ أمد بعيد، إلاّ أن الأمر تغيّر اليوم، فهل يحتمل الفن الأخلاق أم هو صانع أخلاقه الخاصة؟ سؤال أشبه بـ “من بُعث قبلا: البيضة أم الدجاجة”؟

أحمد القاسمي#
إيناس بن عثمان#
ثقافة#
ريم البنّا#
فليم "سلوى"#
مصر#
مهرجان الإسكندرية#

عناوين أخرى