ثقافة

سقوط غرناطة…تنهيدة أخيرة على أسوارها

“زفرة العربي الأخيرة” هكذا يدعى الممر الجبلي المطل على مدينة غرناطة من جهة الوادي الخصيب والمؤدي إلى منطقة البشرات.

معتقلو 25 جويلية

تسمية تستمد أصولها بحسب الروايات من وقفة الأمير أبوعبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة، إثر مغادرته للمدينة بعد تسليمها للملكيْن فرديناند وإيزابيلا القشتالية سنة 1492.

بعد إمضائه على وثيقة الاستسلام وتسليم مفاتيح المدينة، غادر أبوعبد الله بن محمد صحبة أهله وحاشيته غرناطة ليصعد على ربوة مطلة على الأسوار، ويطلق زفرة ألم تعبّر عن حسرة ضياع آخر معقل للحضارة العربية والمسلمين، بعد أكثر من ثمانية قرون من الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الأيبيرية وتنهمر دموعه، ما دفع والدته الأميرة عائشة لمخاطبته قائلة: “أجل فلتبكِ كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال”.

عوامل تاريخية

ينقل المؤرخ الإسباني ليوناردو بيلينا عن اليوميات التي دوّنها الأسقف أنطونيو كافيرا أن الأمير الغرناطي قدّم لفرديناند مفاتيح قصر الحمراء ومدينة غرناطة  قائلًا: “إنّ هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة الإسلام في إسبانيا، وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا، هكذا قضى الله فكن في ظفرك رحيمًا عادلاً”.

كانت سيطرة جيوش مملكة قشتالة وأرغون على غرناطة تاريخيًا، مسألة وقت بًعيد سقوط سائر إمارات الطوائف في الأندلس، والتي قامت على أنقاض الدولة الأموية وانكماش الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية عند حدود إمارتيْ مالقة وغرناطة.

عمّق التشرذم الذي كان يحكم العالم العربي والإسلامي، في تلك الفترة من عجز الحكام والسلاطين عن التدخل العسكري، وإرسال النجدة لإنقاذ الجوهرة الإسلامية  الأخيرة في أوروبا من مصيرها المحتوم.

 استغل فرديناند وإيزابيلا حالة الصراع بين ملك غرناطة أبوعبد الله الصغير وعمّه عبد الله الزغل على السلطة، لإنهاء الحكم العربي بعد أن ظلت غرناطة تدفع الجزية لمملكتي أرغون وقشتالة لمدة تزيد عن 10 سنوات.

لم يكن سقوط غرناطة مجرّد حدث سياسي وعسكري بالمعايير التاريخية الجافة كما يدونها الباحثون، بقدر ما مثّلت لحظة مفصلية فارقة على الصعيد الحضاري                والجغراسياسي، أرخت لنهاية حقبة العصور الوسطى وبداية انحطاط العرب والمسلمين وتشرذمهم بعد قرون من الإشعاع والهيمنة، في مقابل انطلاق عصر النهضة الأوروبية وما رافقها من اكتشاف العالم الجديد الذي وقع في نفس السنة.

اجتثاث الهوية العربية للمورسكيّين…رؤية رضوى عاشور          

في روايتها “ثلاثية غرناطة” رسمت الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور توليفة فنية، جمعت بين الجانبي التاريخي لسقوط آخر الإمارات العربية بالأندلس بعد عقود من حروب الاسترداد وما بين البعد  الخيالي للحكاية.

جعلت رضوى من سقوط غرناطة ومشاهد التسليم الحزينة للمدينة ودخول إيزابيلا وفرديناند إلى بلاط بني الأحمر، الإطار الواقعي للوحتها التي رسمت على قماشتها صورة تقريبية لمأساة أهالي غرناطة والمسلمين في كافة أنحاء الأندلس في مواجهة قمع إسباني ممنهج، عمل على اجتثاث هويتهم العربية وجذورهم الإسلامية.

على مدار ثلاثة فصول توثّق ثلاثية رضوى عاشور الأهوال التي عايشها الموريسكيون، عبر صورة متخيلة لأجيال متعاقبة من عائلة أبي جعفر الوراق أحد سكان “حي البيازين”، وتصوير واقعهم المعيش على مدار قرنين منذ خضوع غرناطة للحكم الاسباني وما تبعها من سياسات تعسفية بحق آلاف العرب والمسلمين بهدف استلاب هويتهم عبر التنصير التعسفي ومنع اللغة العربية وتحجير استعمال الثياب والأسماء الإسلامية، وغلق الحمامات التقليدية وتسليط محاكم التفتيش على كل من تتعلق بهم شبهة صيام رمضان أو تحري الأشهر القمرية.

استمرت تبعات سقوط غرناطة ممثلة في الاضطهاد الجماعي الذي عاشه سكانها والمسلمون بسائر الأندلس، ومن استعباد وتنصير وقتل وتهجير، والذي قابله الموريسكيون بالتمسك خفية بعاداتهم وتقاليدهم وممارسة شعائرهم الدينية في الخفاء اعتمادًا على التقية، وصولا إلى الثورات والانتفاضات الشعبية على الإسبان، خاصة ما عرف “بثورة البشرات” والتي كرّست نموذجًا تاريخيا من المقاومة الذاتية.

بلغت مأساة الفردوس العربي المفقود ذروته سنة 1601، بإصدار مرسوم الطرد الجماعي لما تبقى من آلاف المورسكيّين والتي مثّلت أكبر عملية طرد وتطهير جماعي في التاريخ قبل النكبة الفلسطينية.

بكثير من الخجل الأكاديمي والعلمي يقرّ الباحثون الإسبان والغربيون اليوم، بأبعاد الجريمة التاريخية ومعاول الهدم التي قامت في غرناطة بعد سقوطها، من خلال طمس أثارها العربية، وإزالة بعض معالمها المعمارية والتاريخية، وتحويل مساجدها إلى كنائس وحرق عشرات آلاف الكتب والمراجع المدونة بالعربية، لتجسّد نزعة تعصب وانتقام غير مسبوق، تُضاف إلى سجل طويل من الاضطهاد ما يزال يثقل الذاكرة الموريسكية، وتغض إسبانيا الطرف عن الاعتراف به حتى اليوم.