نزار الريحاني
مازالت المنابر الإعلامية الرياضية تثير الجدل في ظلّ حالة انفلات أخلاقية ومعرفية، حتّى أنّها أصبحت قريبة من جلسات المقاهي إلى تحاليل معمّقة على غرار ماهو معمول به في الدول العربية أو كما كان الحال في عديد البرامج السابقة بالقنوات والإذاعات العمومية والخاصة.
سقوط أخلاقي
باتت المنابر الرياضية سواء في القنوات التلفزية أو الإذاعية قبلة لكل من هب ودب، حتى أنّ عديد الجماهير المتابعة للشأن الرياضية والناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي يجرّها الفضول مباشرة لمعرفة هويّة وبعض المحللين وتكوينهم الاكاديمي.
وعادة ما يخلق ظهور بعض “المحللين” للشأن الرياضي جدلا واسعا على منصات التواصل في ظل “سقوطهم الأخلاقي” ولغو الكلامي من عبارات بذيئة تصمّ آذان المشاهد والمستمع بلا استئذان، ممّا يطرح عديد نقاط الاستفهام حول تكوينهم الأكاديمي واستعدادهم الذهني للظهور في برامج مباشرة.
ويطرح تواصل ظهور بعض المحللين رغم زلاتهم وسقوطهم الأخلاقي نقاط استفهام كثيرة، حول مدى انضباط المشرفين على البرامج الرياضية في القنوات والإذاعية المعنية، واحترامهم لأخلاقيات المهنة رغم أنّ البعض منهم يسارع إلى إصدار بيان اعتذار أملا في إغلاق القوس.
وفي هذا الإطار، يرى الصحفي عبد السلام ضيف الله، في حديثه لبوابة تونس: “أعتقد أن ما تشهده البرامج الرياضية اليوم -سواء في الإذاعة أو التلفزيون- يعكس بوضوح المناخ المتأزم لكرة القدم التونسية”.
ويضيف براديو أريون باريس والمحلل في القنوات العربية: “مع أنني لا أعمم، و أشدد على ذلك إذ ما تزال هناك برامج ومنشطون ومحللون يحافظون على مستوى جيد من المهنية والاحترافية، إلا أن عددا ليس بقليل سقط في فخ العشوائية والشعبوية”.
واعتبر أنّ “المحتويات الإعلامية من مادة تحليلية رصينة إلى أدوات للشحن والتهيج الرياضي وبحثا محموما عن الأرقام في عدد المشاهدات ونسب الاستماع كل ذلك على حساب الحقيقة والمهنية والمسؤولية”.
زرع الفتن
أجمع المتابعون للمشهد الرياضي على أنّ عديد الأسماء التي تؤثث البرامج الرياضية تسبّبت بشكل مباشر في تغذية الفتن والنعارات الجهوية بين الجماهير في ظل خطابها التحريضي.
وعادة ما تتبع التصريحات التحريضية لبعض المحللين بالمنابر الرياضية أعمال عنف وشغب بالملاعب والقاعات الرياضية.
ويقول عبد السلام ضيف الله لبوابة تونس: “إن أخطر ما يواجهنا هو اعتماد هذه البرامج على أسماء تفتقر للوزن والكفاءة اللازمة لتقييم الفرق واللاعبين. فمن غير المنطقي أن نرى لاعبا سابقا، لم يسبق له اللعب في الفرق الكبرى وبالتالي لم يشارك في مسابقات الأندية القارية أو تمثيل المنتخب الوطني في المسابقات الأفريقية والمونديال، وهو يوزع الدروس على من يفوقونه مستوى وخبرة وسجلاً حافلا بالإنجازات. هنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: من يُحلل لمن؟”.
ويتابع ضيف الله: “لقد تجاوزت بعض البرامج الحدود الأخلاقية والمهنية، حيث تعمل بلا حسيب أو رقيب. وبات المحللون يرتدون “جبة الدفاع” عن ألوان فرقهم بدلاً من تقديم تقييم موضوعي متوازن، مما حول هذه المنصات إلى منابر للتحريض وبث الفرقة بين الجماهير. والأدهى من ذلك، هو دخول منشطين لا علاقة لهم بالرياضة إلى هذا المجال، ليحولوا برامجهم إلى مواعيد قارة للتهريج، مبتعدين تماماً عن جوهر كرة القدم”.
ويتابع الصحفي براديو أريون باريس في تصريحه لبوابة تونس: “باختصار، تحولت هذه البرامج إلى مجرد “قعدات” وحلقات للحكي، تشبه في طابعها أحاديث المقاهي الشعبية ، بدلا من أن تكون منصات إعلامية ملتزمة بالجدية والمهنية العالية. إن هؤلاء المنشطين والمحللين باتوا يشكلون خطرا حقيقيا على السلم الرياضي والاجتماعي”.
من جهته، قال النائب بالبرلمان فخر الدين فضلون لبوابة تونس إنّ “بعض المنابر الرياضية تؤسس للعروشية الرياضية”.
واعتبر عضو لجنة التربية والتكوين المهني البحث العلمي والشباب والرياضة بالبرلمان أنّ هناك انحرافا بالدور الأصلي للإعلام الرياضي في الفترة الأخيرة.
وأضاف فضلون: “تحولت بعض المنابر من التحليل والنقاش الرياضي إلى ساحات للتجاذبات وإثارة الفتن”.
وشدّد على أنّ هذا السلوك الإعلامي له تداعيات خطيرة على السلم الاجتماعي وتأجيج التعصّب بدل الحد منه ويؤسس لـ”العروشية الرياضية”.
وقال فخر الدين فضلون لبوابة تونس إنّ “المطلوب استعادة الحد الأدنى من الأخلاق النبيلة للإعلام الرياضي عبر الالتزام بأخلاقيات المهنة وتقديم خطاب رياضي مسؤول وبنّاء وليس تحريضيا”.
غياب الرقابة
يُجزم أغلب المتابعين للمشهد الرياضي في تونس أنّ غياب مؤسسات وآليات رادعة للتجاوزات التي ترافق البرامج الرياضية زاد من استفحال ظاهرة السقطات الأخلاقية وتغذية الفتن والنعارات الجهوية.
وزاد تجميد نشاك “الهايكا” في تأزيم الوضع في ظلّ افتقار المشهد الإعلامي لضوابط قانونية وأخلاقية بعد أن اختلط الحابل بالنابل.
ويرى الصحفي عبد السلام ضيف الله أن: “هذا التدهور يعود في جزء كبير منه إلى غياب الهياكل التعديلية الفاعلة، بالإضافة إلى تقاعس بعض المسؤولين في المؤسسات الإعلامية الذين يسمحون بهذه التجاوزات دون حزم”.
وشدّد ضيف الله على أنّ الموقف من بعض المنابر الرياضية “ليس ضد حرية الرأي، بل هي دعوة للارتقاء بالمضمون وتطهير الخطاب من الشعبوية المقيتة”.
ودعا إلى “ضرورة التحرك السريع لإيقاف هذا النزيف والعودة إلى القيم الرياضية التي تجمعنا وترفض الانقسام”.
كما أشاد عبد السلام ضيف الله بمهنية بعض الزملاء الذين رفضوا الانخراط في هذه الموجة، داعيا إياهم إلى مواصلة التصدي لهذا الانحدار”، مشدّدا على أنّ “المظاهر السلبية عابرة مهما كان الدمار الذي تخلفه، ويبقى الأصل هو المهنية”.



أضف تعليقا