زمن منظومة 25 جويلية والعــدّ التنازلي
tunigate post cover
رأي

زمن منظومة 25 جويلية والعــدّ التنازلي

"الذين اشتغلوا على مشروع منظومة 25 جويلية ورعوها منذ نشأتها. يعلمون أن الزمن الممنوح لهم استنفده الهرج والمرج، فقد بدد قيس_سعيد جماهيـريته ومصداقيّته" -
2022-05-17 19:55

فور الإعلان عن فوز إيمانويل ماكرون في الدور الثاني من الرئاسيات الفرنسية، أعلنت مديرة ديوان الرئاسة التونسية ”المستقيلة” نادية عكاشة (أن لحظة 25 جويلية تم الاستيلاء عليها من قبل من لا شرف ولا دين ولا وطنية له،  [وهؤلاء هم..] زُمرة من الفاشلين الذين لا يــفقــهـون شيئَا غير احتراف الابتذال والتشويه والتضليل..)() ، ثم  غمزت في ”تسريب” أخير ، إلى الوضع الصحي الذي يُفقد “رجل قرطاج”  أي أهليّة لإدارة الدولة، بعد ذلك سارع  العميد السابق لكلية الحقوق الصادق بالعيد وهو من أفتى بجواز مسار 25 جويلية الانقلابي، فأكّد فور الإعلان عن فوز إيمانويل ماكرون هو أيضا أنّه: )لا أحد يعرف اليوم أين يجب أن نقود قاربنا ) ( (.
صدرت جميع تلك التصريحات فور نتائج رئاسيات فرنسا، وهو ما يعني أن فرنسا أذنت” لأبناءها من التونسيين”، بالنجاة بأنفسهم، والقفز من القارب التائه، ومنحتهم الضوء الأخضر ، ليُرفع الغطاء عن رجل القصر، بـ”التشكيك” في أهليته في الحكم لإعتبارات صحيّة، وبالطعن في سويّة حاشيته الأخلاقية والسياسية،
شهادتان تصدُران عن زُمرة عرّابي الانقلاب، ومن ساهم في هندسة منظومة 25 جويلية، شهادتان تحسمان الأمر بخصوص مستقبل المنظومة القيسية، زمنا ومشروعا.
مشروع منظومة 25 جويلية، وهو ،كما يطرح نفسه، بديل سياسي واجتماعي وأخلاقي عن مسار الانتقال الديمقراطي المتعثّر،  مشروع فتيّ، حالم، مفرط في شعبويّته،  وهو من السحر  بحيث “مش حتأدر  تغمّض عينيك”  كما قيل عنه يوما () ، لكنّه سرعان ما فقد.. “صمت حكمته” وضيّع و”هج خطابه ”  فتراجع تدفق المديح والفخر  من ”قنوات إعلام  المجاري”،  إلى أن جاءت الشهادة الأخيرة مشحونة بلغة الترذيل والتكفير ورمي الأصحاب بالخيانة الوطنية، وتوجيه الاتهام لرفاق “المنظومة”  بالسطو ، وهو  تسريبٌ بدا متعمّدٌ، مشحونٌ بخطاب يجمع الرثاء بالهجاء، متخيّر  للتوقيت، فقد قفز من القارب أثنى عشر  مستشارا  وقفزت مديرة الديوان التي أسقطت وراءها جدران القصر  حين رُفع واجب التحفّظ عن أسرار ساكنيه،

الذين اشتغلوا على مشروع منظومة 25 جويلية، ورعوها منذ نشأتها في القصر، يعلمون، أن الزمن الممنوح لهم، إستنفــده الهرج والمرج، فقد بدد قيس جماهيـريتها، وخسر  في توقيت قياسي، مصداقيّته حين لم يَعد ضرب الفساد عنده هدفا أولا في سلسلة معاركه، وبدت الكيديّة سمة القضايا والمحاكمات التي تحبك وتؤلف ضد خصومه. 
والقيسية التي طرحت نفسها ”حركة جماهرية عارمة” ترهّلت سريعا، حين لم تعد المسألة الاجتماعية أولويّة في أجندتها، بل حين صار إنجاد الناس بالزيت والخبز  غاية قصوى في المسألة الاجتماعية، وحين تأكّد أنّ حلّ المؤسسات الدستورية كان مجرّد ايهام بأنّه على طريق تفكيك ملاجئ الفساد والفاسدين، فبينما خصومه يقاضون بشبهة الفساد، كانت القيسية تعمد بالمقابلة إلى صياغة تشريع للتسوية والمصالحة مع الفاسدين من رجال الأعمال “المنظومة النوفمبرية” .   
 فقدت القيسية ”بريقها” في عيون داعميها وأنصارها ،حين أصبح خطابه ممجوجٌ، مُمِلٌ، سمجٌ، مشحون بالعنفِ، محرّض، لا تنطوي فُضاضته على معنى ، ولا فحواه السطحي ينطـــلي على الشَبَاعى، فكيف  به يملأ بطون الجياع  أو حتى يــَغــلي، الحَصى في قدورهم ؟
يدرك أولائك، أن  الزمن السياسي للمنظومة القيسية قد نفد، منذ اللحظة التي، أبطل فيها البرلمان مفعول ”المراسيم القيسية”، يوم صوّت 116 برلمانيا تونسيا، في جلسة افتراضية، على مشروع القانون عدد 1 لسنة 2022 المؤرخ في 30 مارس المتعلق بإلغاء الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من 25 جويلية 2021. وهو  قرار  يستعيد به البرلمانيون دور البرلمان التونسي كسلطة أصلية، ويبعثون به الحياة من جديد في كل المؤسسات الدستورية التي تمّ تعطيلها بموجب المراسيم، وهو إعلان واضح لجميع المؤسسات الادارية والأجهزة الصلبة، أنّ يلزم الجميع مسؤولياته، وأن لا مشروعية إلا للشرعية التي هي شرعية السلطة الأصلية، وأنّ الانقلاب إن إستقوى اليوم بأمر الواقع، فلأنّه تمترس خلف المواقف الرخوة للأجهزة الصلبة،  وأن أمر الواقع الذي يستندون إليه اليوم، متغيّر ،وسيكون عليهم حُــجة غدا. 
نفد زمن “منظومة 25 جويلية”، منذ أُعلن فيها عن ماكرون رئيسا لفرنسا لعهدة ثانية، وقد كانت فرنسا “نصحت” في وقت سابق بضرورة أن تلزم الرئاسة في تونس مؤسساتها الشرعية والدستورية، ثمّ هي منحت “أبناءها” ما يكفي من الوقت للقفز من القارب. 

نفد زمن “منظومة 25 جويلية” منذ اللحظة التي شرع الأتراك في إعادة ترميم العلاقات الدبلوماسية مع السعوديين من جهة ومع الإماراتيين من جهة ثانية، بما ربما يساعد على تخطي حالة الاستنزاف المتبادل الذي أرهق الجميع وفوّت فرص التعاون الإقليمي بين دول المنطقة.
 أمّا وصارت أوروبا مرشّحة لأن تكون ساحة مفتوحة للحرب لوقت يصعب تقدير  مداه، فإنّ فرنسا، ستــعمل، على الانخراط في الترتيبات الاقليمية بالشرق الأوسط والتعامل مع إستتبعاتها بشمال إفريقيا، وما تقتضيه من تسويات. تخفيفا للأضرار المحتملة،
 يبدو أن  زمن منظومة 25 جويلية قد نفد فعلا، لأنّه ثبت أنّها ترتجل الحكم، وهي لا تفعل أكثر من العبث بالدولة ومؤسساتها ثم هي تدفع بالدولة إلى القفز  نحو المجهول، أليس عرّب المنظومة صادق بلعيد كان أكّد بالأمس القريب فقط، أنه : )لا أحد يعرف اليوم أين يجب أن نقود قاربنا )، أليس العرّاب نفسه من انتدبته المنظومة، عضو لجنة كتابة دستور الجمهورية الجديدة”.
ليس معنى نفاذ زمن منظومة 25 جويلية، سقوطها، وصعود جبهة الخلاص الوطني بديلا عنها،  فليس شيئا مما نرصده يؤكّد ذلك ،فنفاذ زمن منظومة 25 جويلية ربما يعني فقط التدحرج مع الزمن في انتظار أن يتم تخليق خلايا جديدة ، لمنظومة جديدة، وهذا الاستنتاج مبني على مؤشرين، الأول أن النواة الصلبة للمنظومة النوفمبرية لاتزال خلاياها حيّة وهي تقف الآن خلف القيسية مباشرة، وقد وزّعت قواها وأعادت الإنتشار في مؤسسات الدولة المركزية والجهوية والمحلية، والثاني أنه ليس زمن جبهة الخلاص الوطني في تقديرنا، قد حان، لتكون بديلا، في المستقبل القريب على الأقل.

لأنها جبهة تتحرك في بيئة سياسية رخوة يواجهها تحدي القدرة على إقناع الجميع مؤسسات صلبة وجماهير بضرورة العبور إلى انتقال ديمقراطي جديد، فضلا عما يستتبعه هذا التحدي من إثبات للقدرة على حمل الناس مجددا للانخراط في مشروع استئناف الثورة وإستحقاقاتها الاجتماعية ومن ثم  التعبئة العام في المركز والأطراف.   
 – تدوينة على صفحة نادية عكاشة.
 –  “https://www.leconomistemaghrebin.com/2022/04/03/sadok-belaid-personne-ne-sait-aujourdhui-ou-on-doit-mener-notre-barque/” https://www.leconomistemaghrebin.com/2022/04/03/sadok-belaid-personne-ne-sait-aujourdhui-ou-on-doit-mener-notre-barque/.‘’ Personne ne sait, aujourd’hui, ou on doit mener notre barque.’’
 – كتب ذات مرة نوفل سعيّد، شقيق قيس سعيّد في إحدى تدويناته بتويتر، عن المغامرة السياسية التي تستعد الرئاسة خوضها، في نبرة ساخرة من خصومه (…مش حتأدر تغمّض عينيك..) (ربما بتاريخ 2020)، وهي صغة إشهارية تتردد غالبا في قناة روتانة أفلام. 

25 جويلية#
تونس#
فوزي الصدقاوي#
قيس سعيد#

عناوين أخرى