بقلم: منجي الفرحاني
*مخرج وفنان تشكيلي
المشهد الأول: صخب الماكينات المالية الذي صمتت أمامه الأرقام
في كواليس السياسة الأمريكية، حيث تُشترى الضمائر في عتمة المكاتب الفارهة، كانت الماكينات الرقمية تضخّ أرقاما فلكية؛ ستون مليون دولار من أموال جماعات الضغط واللوبي الصهيوني (إيباك) تدفقت كشلالات جارفة لتعبيد الطريق أمام هايلي ستيفنز، مرشحة الحرس القديم والوسط التقليدي.
في السيناريوهات الهوليوودية المعتادة، كان من المفترض أن تبتلع هذه الأمواج المالية طموح طبيب شاب، مسلم، تجرأ على الانحياز لقيم الإنسانية ورفع صوته بجرأة ضد سياسات الاستيطان والإبادة.
أهم الأخبار الآن:
لكن في شوارع ميشغان، وفي ساحات جامعاتها الملتهبة بالغضب، كان جيل “زد” والألفية يكتب فصلا آخر من فصول وعيه.
هؤلاء الشباب، الذين عاقبوا ساسة واشنطن القدامى بجريرة تواطئهم وصمتهم، تجمّعوا كالسيل الهادئ ليردّوا الصاع صاعين، معلنين أن المبادئ الإنسانية ليست قطعا من أثاث يُباع ويُشترى في مزادات “إيباك”.
العقدة: قناع “الاعتدال” الزائف يتهاوى أمام الحقيقة
المفارقة الدرامية الأكثر مرارة تمثّلت في محاولة النخبة المهترئة، وعلى رأسهم تشاك شومر -زعيم الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخويهودي الديانة- تسويق ستيفنز كرمز “للاعتدال”.
ولكن في ميزان المنطق الأخلاقي المعاصر، وفي وجدان الشارع الغربي الجديد الذي بات يرى الإنسانية واضحة بلا رمادية، كيف يمكن لسياسة تبرّر سحق المدنيين وتجويعهم وتدمير مدنهم أن تُسمى “اعتدالا”؟
لقد كسر فوز عبد الرحمن السيد هذا الزيف، واضعا المنظومة أمام حقيقتها العارية: إما اصطفاف تام مع همجية الاحتلال أو انحياز مطلق لحق الإنسان في الحياة والحرية.
ومع انقشاع غبار ليلة الفرز الطويلة، تهاوت الترسانة المالية أمام طوابير العرب والمسلمين والشباب التقدمي، ليعلن الطبيب الشاب من قلب ديترويت هزيمة “جوليات” المالي بانتصار “داوود” الفكري.
المشهد القادم: الاصطدام مع ذئب “المؤسسة الأمنية” الجمهوري
لكن الستار لم يُسدل بعد؛ فالطبيب الشاب الذي خرج مثخنا بالجراح من حرب ديمقراطية داخلية “شرسة”، يجد نفسه اليوم وجها لوجه أمام جدار جمهوري صلب لا يرحم.
بانتظاره في نوفمبر مايك روجرز، المرشح الجمهوري المخضرم، والذئب الأمني الذي ترأس سابقا لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، والمدعوم بقوة مطلقة من دونالد ترامب والآلة العسكرية للحزب الجمهوري.
روجرز ليس مجرد منافس تقليدي؛ بل هو ممثل “الدولة العميقة” في شقها الأمني المحافظ، وسياسي يمتلك خزائن مالية ضخمة لا تقل شراسة عن “إيباك”، ومسنود بكتلة ريفية بيضاء تبغض الأجندات التقدمية.
وقد سارع ترامب، بمنطقه الهجومي المعهود، لوصف السيد بـ”الشيوعي الخاسر الذي يكره إسرائيل”، فاتحا الباب لسيناريو خريفي مرعب سيعتمد فيه الحزب الجمهوري على شيطنة هوية عبد الرحمن السيد، ووصفه بـ”اليساري المتطرف” لعزل الأصوات المستقلة والوسطية في الولاية.
الخاتمة: السيناريو المفتوح على أبواب التاريخ
في نوفمبر المقبل، لن تكون ميشيغان مجرد ولاية متأرجحة تبحث عن ممثل لها، بل ستكون ساحة لأعنف معركة أيديولوجية في العصر الحديث.
يقف الدكتور عبد الرحمن السيد على أعتاب التاريخ كأول سيناتور مسلم محتمل في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي، متسلحا بصحوة جيل شاب عابر للعنصريات.
بينما يقف خلفه روجرز مسنودا بإمبراطورية ترامب الإعلامية والمحافظة.
هي مواجهة سينمائية حاسمة بين أمريكا القديمة الخائفة والمتمسكة بالقوة العسكرية وجماعات الضغط، وبين أمريكا الجديدة الشابة التي تحلم بالانعتاق وتطهير السياسة بالعدالة والإنسانية.
***
*منجي الفرحاني: مخرج سينمائي وفنان تشكيلي وكاتب تونسي الأصل، يقيم في هولندا، ويشتغل على تقاطع الصورة والسرد في أعماله بين السينما والكتابة والفن التشكيلي.



أضف تعليقا