رأي عالم

روسيا – الغرب.. الصدام النووي أقرب من أيّ وقت مضى!

محمد بشير ساسي
“التلويح بنشر الأسلحة النووية هو آخر شيء يجب القيام به.. هذا خطاب ضار، وأنا لا أرحّب به..
الغربُ مخطئ في افتراض أنّ روسيا لن تُقدم أبدا على استخدام الأسلحة النووية، لا ينبغي الاستخفاف بالعقيدة النوويّة للكرملين..
ما بين الأمس واليوم تغيّرت عقيدة الرئيس الرّوسي فلاديمير بوتين مائة وثمانين درجة، وتغيّرت معها كثيرا لهجة “الكرملين” منذ جنوح العلاقة بين روسيا والغرب وتحديدا حلف شمال الأطلسي “الناتو” نحو توتّر لم تشهده منذ عقود على خلفية تداعيات الحرب في أوكرانيا على مكانة موسكو الدولية وعلى أوضاعها الاقتصادية والعسكرية والأمنية…”.
سيناريوهات سيّئة
فمنذ اشتعال الشرارة الأولى للنزاع الروسي – الأوكراني، لوّح العديد من المسؤولين في روسيا وعلى رأسهم الرئيس بوتين باستخدام السلاح النووي في مواجهة الغرب ومخططاته.
وضمن النقاش الدائر في أوساط مجتمع الاستخبارات والأمن الأمريكي رُسمت سيناريوهات عدّة مُمكِنة لاستخدام روسيا للأسلحة النووية وقد حدّدها الكاتب والمحرر “إريك شلوسِر” في تحليل نشرته مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية”:
 – تفجير فوق البحر الأسود، لا يتسبَّب في وقوع ضحايا لكنه يُظهِر العزم على تخطِّي العتبة النووية.
 – توجيه ضربة للإطاحة بالقيادة الأوكرانية، في محاولة لقتل الرئيس “فولوديمير زيلنسكي” ومستشاريه في خنادقهم المُحصَّنة تحت الأرض.
 – شنّ هجوم نووي على هدف عسكري أوكراني، ربما يكون قاعدة جوية أو مستودع مؤن، ولا يتسبَّب في إلحاق الأذى بالمدنيين.
– تدمير مدينة أوكرانية، بحيث يتسبَّب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين ويبُثّ الرعب للتعجيل باستسلام سريع، وهو الهدف نفسه الذي حرَّك الهجوم النووي الأمريكي على مدينتَيْ هيروشيما وناغازاكي في أوت سنة 1945.
وتشير توقّعات لمجلة “فورين أفيرز” إلى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو قد يدفعون إلى الردّ عن طريق ثلاثة خيارات وهي: استنكار خطابي للتفجير وعدم التصعيد العسكري أو إطلاق العنان للأسلحة النووية، أو الامتناع عن هجوم نووي مضاد والدخول في حرب مباشرة مع روسيا بضربات جوية تقليدية واسعة النطاق وتعبئة القوات البرية.
بالنسبة إلى إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن، وفي “تصوّرها الإستباقي” لهذه السيناريوهات وغيرها، أوضحت أنّ أيّ استخدام للأسلحة النووية في أوكرانيا سيكون “غير مقبول نهائيا”، وذا عواقب وخيمة”، بيد أنّ إدارته ظلَّت غامضة في الحديث علنا حول ماهية تلك العواقب.
ورغم اختلاف العديد من خبراء الأمن القومي والمسؤولين السابقين في الحكومة الأمريكية حول احتمالات استخدام روسيا للأسلحة النووية ضد أوكرانيا، والأهداف المحتملة، والردّ الأمريكي المناسب، فإنّ النقطة المشتركة بينهم هي أنّ خطر اندلاع حرب نووية اليوم أكبر من أيّ وقت مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية في أواخر أكتوبر من العام 1962، كما أنّ القرارات التي سيلزم اتخاذها بعد ضربة نووية روسية على أوكرانيا ستكون غير مسبوقة وفق تحليل مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية.
ففي 1945 حينما دمّرت الولايات المتحدة مدينتَين يابانيتَين بالقنبلة الذرية، كانت هي القوة النووية الوحيدة في العالم، ولكن اليوم، تمتلك تسع دول أخرى السلاح النووي، ولربما تلتحق بركبها المزيد من الدول قريبا، ولذا ما انفكَّت تتزايد احتمالية تدهور الأمور إلى سيناريوهات شديدة السوء.
وحسب مراقبين، لا يعتمد أيّ ردّ من إدارة بايدن على الطريقة التي ستستخدم بها روسيا الأسلحة النووية ضد أوكرانيا فحسب، بل والأهم أنّه سيعتمد على التأثير المتوقع للردّ الأمريكي في طبيعة السلوك الروسي مستقبلا، وما إذا كان سيحُثّ بوتين على التراجع أم الإصرار أكثر على موقفه.
عدوانية بوتين
إلى فترة قريبة جدّا، ورغم حالة الرعب والخوف، ظلّ الاعتقاد السائد في الغرب بأنّ التهديدات الروسية غيرُ “جادة وخادعة”، لن تتجاوز دائرة “حرب التصريحات النفسية”، وأنّ موسكو لن تخاطر بتنفيذ “وعيدها النووي” على أرض الواقع في محاولة منها لمنع الهزيمة عن طريق صدمة أوكرانيا وداعميها في الناتو ودفعهم إلى الانسحاب من المعركة.
غير أنّ هذه الافتراضات أخذت في التلاشي يوما بعد يوم لتحلّ مكانها هواجس ومخاوف كبيرة، إذ لم تعد احتمالية استخدام موسكو تلك الأسلحة “منخفضة للغاية”، وبات تهديد الأمن والسلم العالميين هو الحقيقة الدامغة، بل ثمة من ذهب إلى أبعد من ذلك معتبرا أنّ الخطر الداهم هو اندلاع حرب عالمية ثالثة لن تكون تقليدية أو هي قد بدأت بالفعل وفق ما أوردته مجلة “نيوزويك” الأمريكية في مقال للمحلّل والباحث المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط جوزيف إبستاين.
وحسب الكاتب فإنّ واشنطن في حالة إنكار لهذه “الحرب اللاّمركزية” بجبهات قتال تبدو غير متصلة ببعضها وتمتد عبر قارات العالم، وهي تُخاض بطرق “هجينة”، أي بالدبابات والطائرات وحملات التضليل الإعلامي” والتدخّل السياسي والحرب السيبرانية. ويزعم إبستاين أنّ إستراتيجية هذه الحرب تطمس الخطوط الفاصلة بين الحرب والسلام والمقاتلين والمدنيين، وتضفي “ضبابا على ضبابها”.
في اللّحظة الراهنة بدا واضحا أنّ موسكو تجاوزت سياسة إرسال الإشارات التحذيرية التي امتدت على مدار عقدين، وقد تعاطى معها الغرب باستخفاف في كثير من الأحيان وهو اليوم يجني ثمار عدم إداركه مقصد بوتين، حين وصف قبل 19 عاما في خطابه السنوي عن حالة الأمة أمام البرلمان الروسي انهيار الاتحاد السوفياتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن.
فعلى مدار سنوات، أبدى القادة الأوروبيون استعدادهم لمساعدة بوتين في التخفيف من عبء تركة سلفه بوريس يلتسين الثقيلة بالأزمات وفي مرحلة محفوفة بالمخاطر على المستويين الاقتصادي والسياسي.
يروي جورج دبليو بوش عن بوتين بعد اجتماعهما في سلوفينيا في جوان 2001 أنّه نظر في عيني الرجل ووجده واضحا جدا وجديرا بالثقة. باراك أوباما هو الآخر رفض اعتبار ضمّ روسيا إلى القرم ينم عن تصرفات قوة إقليمية تُهدّد جيرانها بدافع القوة، في حين وجد دونالد ترامب أنّ بُخل أوروبا على الإنفاق العسكري أسوأ بكثير من المخاطر المحتملة من روسيا.
وأمر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير المسؤولين بغض الطرف بعض الشيء عن تدفّق الأموال الروسية على بنوك لندن، باسم أفراد “القلة الحاكمة” المرتبطين ببوتين.
ووضعت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل اللمسات الأخيرة على خطة طويلة الأمد، لجعل روسيا أكبر مصدر للطاقة للجمهورية الفدرالية.
من ناحيته، وافق الرئيس الفرنسي جاك شيراك على طلب بوتين بناء كنيسة أرثوذكسية روسية عملاقة في باريس. كما ألغى اتفاقا قديما مع الجزائر لجعل فرنسا تعتمد على روسيا في 20% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وعرضت القوى الغربية بوادر صداقة أخرى لبوتين، بما في ذلك الإعفاء من التأشيرة، ورفع القيود عن الاستثمارات في روسيا والترتيبات الخاصة لنقل التكنولوجيا.
ورغم وجود دلائل على أنّ بوتين قد لا يكون القائد الذي اعتقده القادة الغربيون عدوا محتملا في المستقبل، بيد أنّ الأخير قدّم نفسه “القيصر الجديد” الطامح إلى إحياء أمجاد روسيا العظمى واستعادة مكانتها قوةً على المسرح العالمي وواحدةً من أكبر اللاعبين الجيوسياسيين والعسكريين وأكثرهم تأثيرا.
دفع ذلك “المشروع البوتيني” الغرب إلى تحميل الرئيس الذي خرج من شروخ البيريسترويكا مسؤولية الانحراف عن مسار الحوار ومن ثمة انهيار السلام ما بعد الحرب الباردة، لكنه في الحقيقة لعب دورا كبيرا في صقل عدوانية بوتين ودفعه إلى التمرّد على الحالة الجيوسياسية التي أرساها انهيار الاتحاد السوفياتي.
فبوتين الابن البار لجهاز الاستخبارات السوفياتي السابق “كيه جي بي”، يرى بعين المؤرخ والفيلسوف الشهير ألكسندر دوغين أحد المؤثّرين وصنّاع القرار في روسيا بكون العالم الغربي له زعيم واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية، ويؤمن بأنّ واشنطن، سواء تحت حكم الجمهوريين أو الديمقراطيين، تنظر لروسيا بوصفها خطرا وعدوا لا يمكن تجاهله.
وفي إحدى تصريحاته لم ينكر دوغين، تأثيره ونفوذه القوي في الرئيس الروسي، لافتا إلى أنّ تصوراته تلتقي مع تصورات بوتين، خاصة حول القضايا الجيوسياسية، فهو ينظّر، وبوتين يطبّق على أرض الواقع.
وخلص الفيلسوف الروسي إلى أنّ بلاده تتعامل مع عدو مجنون وعدواني للغاية، ولديه الغرب خلفه الذي يتجسّد في الناتو وحلفائه وبالتالي ليست هناك إمكانية للحلول الوسط معه. ووفق رؤيته فروسيا إمّا أن تنتصر، وإمّا أن تزول”، ومن دونها ليست هناك بشرية، وإذا أرادت أيّ دولة أن تعيش بسلام على هذه الأرض، فيجب عليها أن تقبل بوجود روسيا العظمى ذات السياسة المستقلة”.
فهم الدبلوماسي والسياسي الأمريكي الراحل هنري كيسنجر تماما شخصية بوتين وتوجّهاته حين قال في حديث لصحيفة فايننشال تايم: “كانت معتقداته الأساسية نوعا من الإيمان الصوفي بالتاريخ الروسي.. كان يشعر بالإهانة، لقد تعرّض للإهانة والتهديد، لأنّ روسيا كانت مهدّدة بامتصاص الناتو هذه المنطقة بأكملها”.
وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” وليام بيرنز أكثر دقة عندما سُئل عن تقييمه لشخصية بوتين، حيث قال: “إنه يختمر في خليط قابل للاشتعال من الإحساس بالظلم والطموح منذ سنوات بعيدة”، مضيفا أنّ “آراءه ازدادت تصلبا وأنه معزول بشدة عن وجهات النظر الأخرى”، وفق تقييمه.
روسيا البوتينية
تحديدا مع قمة الناتو في بوخارست عام 2008، عندما رحَّب الحلف بتطلّع أوكرانيا وجورجيا لنيل عضويته، كان الغرب قد منح بوتين الذي بات “بالنسبة إلى الكثير من الروس” رئيس الضرورة”، الفرصة التي يتحيّنها لبدء رسم ملامح روسيا البوتينية على أرض الواقع وكانت بمثابة الإيذان لعودة التوتّر الجيوسياسي بين روسيا والغرب، الذي نتجت عنه حتى الآن:
 – حرب جورجيا عام 2008 (حرب أوسيتيا الجنوبية) التي استولت فيها روسيا على إقليمي “أبخازيا” و”أوسيتيا.
– انتهاء العمليات في الشيشان في أفريل 2009 وطي صفحة سنوات من التوتّر بعد نجاح موسكو في تصفية جل المؤيّدين لاستقلال بلادهم وتنصيب رمضان قديروف، نجل أحمد، رئيسا للشيشان التي أصبحت تُعرف أكثر أقاليم روسيا ولاء لبوتين وتأييدا لسياسات حزب “روسيا الموحّدة” الحاكم.
– ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 وتقديم الدعم إلى القوات الانفصالية في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا.
– حرب أوكرانيا الأخيرة التي بدأت في 24 فيفري الماضي وما تزال رحاها تدور لغاية اليوم.
بهذا المنطلق، قطع بوتين مع الدبلوماسية الناعمة وإدارة الصراع بشكل هادئ مع الغرب، وظل مسكونا بالتاريخ والأيديولوجيا الروسية، وشديد الاقتناع بمقولة القيصر ألكسندر الثالث بأنّ روسيا ليس لديها ما تعتمد عليه سوى حليفين، جيشها وأسطولها، فسعى إلى بناء القوة العسكرية الروسية خصوصا السلاح النووي الذي رأى فيه قوة الردع والدرع الواقي.
واحتدت لهجة موسكو في الوقت الذي وافق فيه الغرب على استخدام أسلحته بضرب روسيا زد على ذلك مواصلته استفزاز الدب الروسي من خلال إجراء مناورات عسكرية ضخمة “المدافع الصامد” بمشاركة 90 ألف جندي من جميع الدول الأعضاء الـ31 في الناتو وكذلك السويد التي حصلت في الآونة الأخيرة على موافقة نهائية للانضمام إلى الحلف.
واشتعلت الأجواء بعد موافقة دول مجموعة السبع في آخر قمة انعقدت في إيطاليا على منح أوكرانيا قرضا بـ54 مليار دولار مقتطعة من الفوائد الناتجة عن أصول الدولة الروسية المقدّرة بنحو 280 مليار دولار. كما وافق الاتحاد الأوروبي على استخدام أرباح أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة لتسليح أوكرانيا بأسحلة نووية.
ويأمل الاتحاد الأوروبي أن يدر استخدام أرباح أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة نحو 3.2 مليار دولار سنويا لمساعدة كييف لمواجهة الحرب. وتحتفظ منظمة الإيداع الدولية “يوروكلير” ومقرها بلجيكا بحوالي 90% من الأموال المجمّدة في الاتحاد الأوروبي.
رسالة قوية
في خطابه السنوي إلى الأمة في فيفري الماضي كانت الرسالة التحذيرية لسيد الكرملين “واضحة ومضمونة الوصول إلى الصديق، حين حذّر الدول الغربية من أنّ تهديداتها لبلاده تثير “خطرا فعليا” بشأن نزاع نووي، مؤكّدا أنّ موسكو تملك أيضا أسلحة يمكنها “ضرب” أراضي تلك الدول.
وفي الواقع أوصلت كل هذه المحفّزات عدوانية روسيا إلى اتخاذ جملة من التدابير التي تجعل من الصدام الروسي النووي مع الغرب أمرا واردا:
– بالتوازي مع إعلان موسكو التوجّه نحو تطوير ترسانتها النووية للحفاظ على توازن القوى في العالم عاد مصطلح “العقيدة النووية” إلى الواجهة مرة أخرى، بعد التصريحات الأخيرة للرئيس بوتين بخصوص إمكانية تغييرها أو إدخال تعديلات محتملة عليها.
ورغم إعلان روسيا أكثر من مرة أنها تعتبر الأسلحة النووية وسيلة ردع ودفاع فقط، إلّا أنّ بنود عقيدتها النووية -وفي أحدث تعديل عليها جرى 2020 تضمّنت عدة أمثلة- ستدفعها إلى استخدام ترسانتها من الأسلحة غير التقليدية في وجه أيّ خطر يتهدّد سيادة البلاد ووحدة أراضيها، وحماية مصالحها ومصالح حلفائها أيضا.
واللافت في هذه الأمثلة أنّها لا تتطلّب أن تكون الضربة الأولى من دولة معادية، إذ يمكن لموسكو استخدام السلاح النووي في ضربة استباقية.
لكن ما السيناريوهات التي في حال حدوثها فإنّ الرئيس الروسي لن يتردّد بالضغط على الزر النووي.
السيناريو الأول: حصول روسيا على بيانات موثوقة تؤكّد عزم جهة ما إطلاق صواريخ باليستية تجاه أراضيها أو أراضي حلفائها.
السيناريو الثاني: تعرّض روسيا أو أحد حلفائها لهجوم بأيّ نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل، والتي تشمل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، بكلمات أخرى الأسلحة غير التقليدية.
السيناريو الثالث: يمكن لروسيا أن تستخدم ترسانتها النووية حتى لو استهدفت بأسلحة تقليدية، لكن في حال كان هذا الاستهداف يهدّد وجود الدولة.
السيناريو الرابع: في حال تعرّض مواقع حكومية أو عسكرية حساسة إلى هجوم من قبل عدو ما، فإنّ العقيدة النووية الروسية تتيح لها استخدام السلاح النووي للرد.
– مساعي روسيا وفق تسريبات للاستخبارات الأمريكية في فيفري 2024 تشير إلى وضع سلاح نووي في الفضاء لإمكانية استخدامه ضد الأقمار الاصطناعية. وهذا السلاح يمكن أن يدمّر الأقمار الاصطناعية الغربية، ويعوق مهماتها بما في ذلك احتمال تعطيل الاتصالات والاستطلاع العسكري. كما تكمن خطورة هذا السلاح أيضا في أنّ الدول الغربية لن تتمكّن من التصدّي له بسهولة وبشكل مناسب.
– لم يكتف الرئيس الروسي بوتين بالجدل الذي أثارته زيارته لكوريا الشمالية، وإنما توجّه منها إلى فيتنام حيث أدلى بتصريحات قوية كان أبرزها الحديث عن الاستعداد النووي لبلاده والاحتفاظ بحقها في إرسال أسلحتها إلى مناطق في حالة حرب مع الدول التي تزوّد أوكرانيا بالسلاح والمقصود هنا إيران وكوريا الشمالية والصين.
ووفق صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، نقلا عن مسؤولين أمريكيين في مجالي الدفاع والاستخبارات، فإنّ التعاون العسكري الروسي مع الدول الثلاث اتّسع ليشمل تبادل التقنيات الحساسة التي يمكن أن تهدّد الولايات المتحدة وحلفاءها، حتى بعد فترة طويلة من انتهاء الحرب في أوكرانيا.
وقالت الصحيفة الأمريكية إنّ العلاقات الأمنية التي تزداد وتيرتها من حيث السرعة والعمق بين خصوم الولايات المتحدة، أخذت محلّلي الاستخبارات الأمريكية على حين غرة، إذ قالوا إنّ روسيا والدول الأخرى طرحت خلافاتها التاريخية جانبا وقرّرت، بشكل جماعي مواجهة ما يعتبرونه نظاما عالميا تهيمن عليه واشنطن.
– انسحاب روسيا خلال العام الماضي من العديد من الاتفاقيات المتعلقة بمراقبة الأنشطة الخاصة بالتسليح، بما فيها السلاح النووي بهدف ضمان أمن القارة الأوروبية والأمن العالمي على غرار معاهدة نيو ستارت 2010 ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية 1996 ومعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا 1990.
كما سبق لروسيا أن استخدمت تلك الاتفاقيات ورقةَ تهديد تلوح بها ضد الجانب الأوروبي، وحلف الناتو، وأوقفت مشاركتها الفعّالة فيها عام 2015، ردا على توسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في شرق أوروبا بالقرب من الحدود الروسية.
أرقام مقلقة
في ظل هذه التوتّرات الجيوسياسية والتصريحات الغاضبة التي بات يصعب التحكّم فيها، تثور المخاوف من خطوة واحدة غير محسوبة تشعل حربا نووية تدمّر العالم برمته، كما حذّر من ذلك سابقا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مؤتمر الدول الموقّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
وقبل غوتيريش دقّ لاسينا زيربو ناقوس الخطر في 2019 عندما كان يشغل منصب المدير التنفيذي لدى “منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية” حين صرّح بأن البشرية تواجه الوضعية التي كانت عليها يوم تم قصف ناغازاكي وهيروشيما”.
المشهد القاتم جعل معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (سيبري) يطلق صيحة فزع محذّرا من ارتفاع عدد الأسلحة النووية في العالم في العقد المقبل بعد 35 عاما من التراجع، وأنّ عددها وأنواعها قيد التطوير قد زاد مع مواصلة الدول التسع المسلّحة نوويا تحديث ترساناتها النووية، والعديد منها تنشر أسلحة نووية جديدة.
وأظهر المعهد في تقييمه السنوي لحالة التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي الذي صدر قبل أيام أنه من بين ما يقرب من 12121 رأسا حربيا نوويا موجودا في جميع أنحاء العالم، كان حوالي 9585 منها متاحا للاستخدام المحتمل، فيما أبقي نحو 2100 منها في “حالة تأهّب تشغيلي قصوى” لتحميلها على صواريخ باليستية.
في حين تعود جميع هذه الرؤوس الحربية تقريبا إلى روسيا والولايات المتحدة اللتين تمتلكان معا ما يقرب من 90% من جميع الأسلحة النووية. وأن أحجام ترساناتهما النووية (أي الرؤوس الحربية القابلة للاستخدام) ظلت مستقرة نسبيا عام 2022، على الرغم من تراجع الشفافية بشأن القوات النووية في كلا البلدين في أعقاب الحرب في أوكرانيا.
وتُشير تقديرات صادرة عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أنّ هناك حاليّا حوالي 150-200 قنبلة نووية من طرازB61 الأمريكية منتشرة في ست قواعد في خمس دول في الناتو (بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا). يُعتقد أنّ هذه الأسلحة يتم إطلاقها من الجو ولها حجم تفجيري كبير، يصل إلى 340 كيلوطنا (أي ما يعادل 20 ضعف القوة التفجيرية للقنبلة التي أسقطت على هيروشيما).
ويمتلك الناتو أيضا أسلحة نووية تُطلق من الجو والبحر، بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات (SLBM) والقاذفات الإستراتيجية القادرة على إيصال أسلحة نووية. لا يُعتقد أنّ هذه الأسلحة منتشرة في أوروبا، لكن وجودها يسلّط الضوء على مدى تنوّع القدرات النووية لحلف الناتو.
في المحصّلة هذه ليست المرة الأولى التي يلوح فيها بوتين باستخدام السلاح النووي، فقد فعل ذلك سابقا عام 2014 أثناء الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، حينها تحدّث القادة الروس علنا عن وضع الأسلحة النووية في حالة تأهّب، لكن هذه المرة يريد بوتين بوضوح أن تدرك الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أنّه إذا تدخّل الغرب بالقوة العسكرية نيابة عن أوكرانيا، فقد يلجأ إلى استخدام السلاح النووي.
لكن الكارثة هنا أنّ الانفجار النووي مهما كان حجمه له قوة تدميرية هائلة. وحتى السلاح النووي ذو القوة الصغيرة، التي تبلغ 0.3 كيلوطن، من شأنه أن يُحدث أضرارا تتجاوز بكثير الأضرار التي تُحدثها المتفجرات التقليدية. ففي شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في فيفري 2018، قال وزير الدفاع الأمريكي آنذاك جيمس ماتيس: “لا أعتقد أنّ هناك أيّ شيء اسمه سلاح نووي تكتيكي. إنّ استخدام أيّ سلاح نووي في أيّ وقت سيغيّر قواعد اللعبة الإستراتيجية.
وقد أوضح القادة الروس أنهم سوف ينظرون إلى أيّ هجوم نووي باعتباره بداية لحرب نووية شاملة سيكون من الصعب إيقافها لأسباب عديدة منها تعقيد “الردع” الثلاثي الذي ينطوي على الصين الصاعدة، بجانب أمريكا وروسيا، وهو ما يعني أننا مقبلون على مشهد نووي مختلف تماما عن ذلك الذي عرفناه في العقود الماضية.