روحانيات نفطة ... أبعد من مجرد زيارة صوفية
tunigate post cover
ثقافة

روحانيات نفطة ... أبعد من مجرد زيارة صوفية

في مقامات الأولياء الصالحين في نفطة جنوب غربي تونس، يغمرك عشق للنبي، تقتفي آثار المتصوفين والزاهدين في بحثهم عن المعنى… مهرجان روحانيات أبعد من مجرد زيارة صوفية ...
2021-11-05 15:36

وجدي بن مسعود 

في نفطة جنوب غربي تونس، يغمرك شعور فطري بالهدوء والراحة النفسية، وتغتسل روحك بفيض من الطمأنينة الواثقة وأنت تقتفي آثار مئات من المتزهدين العاشقين لنور الله، يغمرك عشق للنبي المصطفى عليه السلام في مناجاته وتقواه وهداه. 

يبلغ الشوق بالعشاق ذروته، فيتداعون إلى موعد روحاني يلتئم بعد غياب مؤقت يجدد فيهم نشوة الذكر وحنينا إلى زمن البركة والبساطة. 

فبعد احتجاب قسري السنة الماضية نتيجة الوضع الوبائي وإكراهات الجائحة، جدد عشاق الموسيقى الصوفية والترنيمات الروحانية اللقاء عند نفطة عروس الجريد التونسي في افتتاح الدورة الخامسة لمهرجان روحانيات للموسيقى الصوفية.

“حنين” أكثر من مجرد شعار للدورة الجديدة، إذ يعكس روح المهرجان ورؤيته المستمدة من إرث صوفي عميق تلهج به نفطة والتي اشتهرت طوال قرون بكونها منارة للطرق الصوفية وقطبا للمناهج العرفانية.

عاصمة التصوف  

في هذه الواحة تستريح على تخوم الصحراء، تضحي على مدار أيام ثلاثة مهجة الباحثين عن زاد القلوب والعشاق الباحثين عن التماهي مع الذات الإلهية، واستحضار لحظات من الوجد العابقة بالأذكار والمدائح في حضرة العارفين بالله وأحباب رسوله الكريم وآل بيته الأطهار. 

للروحانيات في نفطة وسائر الجريد التونسي مكانة تاريخية عميقة تتجاوز إطار المهرجان في سياقه الثقافي وفعاليته الفنية، وهو ما جعل من الحدث السنوي منطلقا لاستعادة بريق هذا الميراث الفكري والديني الهام التي يفتخر به أبناء المنطقة من توزر إلى الكوفة الصغرى ويتوارثونه كابرا بعد كابر.

فهنا يتناقل الأبناء عن الأجداد أشواق المريد وأسرار ولائه ووفائه للفرقة الصوفية وعهودها، كما يجددون بيعتها في طقوس دورية خلال الزيارة السنوية لأولياء الله والمقامات. 

“روحانيات هو الطابع المستمد من عمق تراثنا الديني”، هكذا تختزل حنين بوقرة المكلفة بالإعلام بالدورة الخامسة للمهرجان رؤيتها للفعالية وأهميتها في تثمين هذا الإرث الحضاري والتاريخي والحفاظ عليه.

 وفي حديثها لبوابة تونس، أشارت بوقرة إلى صيت مدينة نفطة اشتهرت به على مدار التاريخ كملتقى للصوفيين بمختلف أطيافهم واتجاهاتهم الفكرية على صعيد شمال إفريقيا برمتها، حيث كان الباحثون عن التجرد من ملذات الحياة المادية والخلوة مع الخالق يقصدونها من بلاد المغرب الأقصى وجنوب الصحراء وليبيا، ما جعلها ثاني أكبر مدينة تضم عددا من مقامات الأولياء الصالحين بعد القيروان. 

على وقع إيقاعات عرض حضرة رجال تونس، انطلقت السهرة الأولى لروحانيات مساء الخميس 5 نوفبمر، وسط مواكبة جماهيرية واسعة تؤكد المكانة الخصوصية للمهرجان، الذي تمكن في ظرف خمس دورات من تثبيت مكانته وإرساء تقاليد جديدة جعلت من عروضه محل متابعة واسعة لا من الجمهور المحلي فحسب، بل من مختلف جهات البلاد والذي يحرص على مواكبة كل فقراته وبرنامجه المتنوع. 

وقبيل الانطلاق الرسمي شهدت المدينة عرضا تنشيطيا فلكلوريا جماعيا من خلال مسيرة جماعية تجتمع فيها مختلف أنماط الموسيقى الشعبية التقليدية والإسنطبالي و”نوبة العيساوية” والقادرية غيرها، وسط الأهازيج والرايات والمدحيات في مشهدية بديعة متنوعة الألوان والصور.

أكثر من مجرد فعالية ثقافية 

عند مدينة نفطة قبلة التصوف وأقطابه من أولياء الله تستعيد النفس صفاءها في لحظات توحد خالص، وتحرر من القيود المادية واليومية مستنيرة بالصدق والتزهد، لتردد في إثر الحلاج وابن عربي وعبد القادر الجيلاني “ما في الجبة إلا الله”. 

هنا تتجرد الذات من أسمالها وأدرانها التي تثقلها، وتصبح ثملة بسكرة المديح وطرب الذكر وحلاوة الأشعار وطيب التهجد ورقة الدعاء الذي يلامس شغاف القلب. 

هو “حنين” يستمد أشواقه من خطى الزاهدين الذين أناخوا رحالهم عند هذه الربوع قبل قرون، جاعلين من المكان مجالا للصمت والتعبد والتأمل في أسرار الكون والجمال والخلق الإلهي مرددين تسبيحات تتغنى بنور المولى. 

تشير المكلفة بالإعلام حنين بوقرة إلى أن روحانيات “هي نفس ثقافي وحضاري تعيشه نفطة ومنطقة الجريدة عموما بشكل يومي، فهنا ينشأ الناس على زيارة المقامات والزوايا والمساجد في مدينة تعد أكثر من 100 قبة، ويتشربون المدائح والذكر وتلاوة الأوراد وأفضال الصلاة على النبي وآله، حتى أصبحت هذه النزعة تشكل أبرز مميزات هويتنا الثقافية والاجتماعية ويجعل من المهرجان إحياء لذلك النفس الذي تربينا عليه”.

للموسيقى الصوفية في نفطة عشاقها وسهراتها، وللباحثين عن زيارة المقامات وطقوسها منزلة ومكانة ومتسع كذلك، أين يتردد في الأجواء صدى العارف بالله الولي الصالح بوعلي السني ينادي مريديه وأحبائه “يا عطاشى الروح والقلب هلموا أسقيكم من حوض مبارك لا ينضب معينه، يا أيها الباحثون عن التقوى تعالوا إلى سماط من السكينة والمحبة والخشوع”.

يجتمع الباحثون عن الخلوة والتوحد في زيارة منتصف الليل عند الزوايا يطلبون السكينة، ويلبون نداء أرواحهم الظمأى يغسلونها من تعب الحياة وينهلون من سبل المعنى والمودة والحكمة.  

روحانيات نفطة#
زيارة صوفية#
عاصمة التصوف#

عناوين أخرى