رهان في مرمى الانفجار
tunigate post cover
مدونات

رهان في مرمى الانفجار

شرطية تفقد حياتها بعد خسارة رهان لإحضار الغداء لزملائها بقسم شرطة في تفجير غامض
2022-11-30 09:05

سمية المرزوقي

عند اقتراب منتصف النهار، قرّر شرطيان أستراليان رمي العملة النقدية في الهواء، لاختيار الشخص الذي سيذهب لإحضار الغداء من خارج مبنى شرطة راسل ستريت في ملبورن.

خسرت أنجيلا تايلر الرهان واختارها القدر لتقوم بمهمّتها الأخيرة. فبمجرّد خروجها بضعة أمتار قليلة عن مدخل المبنى، تهتزّ الأرض من تحتها وينفجر لهيب النار في وجهها وجسدها.

لم يصدّق رجال الشرطة منظر النوافذ تتهاوى أمام أعينهم، وسحابة الدخان الأسود الكثيف تغطي تفاصيل المكان. هرع الجميع إلى الخارج لاستجلاء الأمر.

ومنذ الوهلة الأولى، شعروا كأنّهم في ساحة حرب انتشرت فيها الشظايا وألسنة النار في كل مكان.

انتاب الذهول الجميع عند رؤية زميلتهم تصارع الموت بعد احتراق جزء كبير من جسدها، وبين مشهد بقايا سيارة مفخّخة وهلع المارة.

اعتقد رجال الشرطة أنّهم تعرّضوا لهجوم تخريبي إرهابي وشعروا بضرورة الابتعاد عن المبنى خوفا من ضربة ثانية.

تنقيب وسط كومة الشظايا

قدم فريق من المختصين في فكّ الألغام والمتفجّرات لتمشيط المكان خوفا من وجود قنابل أخرى. وزادت مخاوف الجميع عند سماع تفجيرات متتالية بعد التفجير الضخم. لكن سرعان ما تأكّد الخبراء أنّ سلسلة الانفجارات كانت نتيجة لاحتكاك الأسلاك المتفجّرة وليست لقنابل أخرى.

بعد أقل من ساعة تمّ إخماد النار ونقل أكثر من 20 شخصا إلى المستشفيات وأغلقت مداخل المدينة.

ونظرا لطبيعة الهجوم الذي اعتمد على تفجير سيارة مفخّخة أمام مبنى للشرطة سارع الإعلام بوصفه هجوما إرهابيا، رغم أنّ أستراليا لم تكن مسرحا لمثل هذه الهجومات حتى وقت هذا التفجير عام 1986.

وتحسّبا لخطر مماثل في المدينة، قامت السلطات بإخلاء جميع المباني المجاورة لقسم الشرطة، وتمّ إغلاق المراكز التجارية وتوقّف الحركة تماما طوال ساعات.

تولّى رجال الشرطة وخبراء المتفجّرات التنقيب عن مؤشّرات وسط الشظايا المتناثرة لأمتار، طوال خمسة أيام متواصلة.

المحقّقون يدركون تماما أهمية كل قطعة يعثرون عليها والتي يمكن أن تكون جزءًا أساسيا في فكّ أحجية التفجير. لذلك تمّ تجميع كل أجزاء الحطام وتصنيفه في محاولة لإعادة قراءة ما حدث.

اكتشف فريق التحقيق أنّ السيارة المفخّخة كانت تحتوي على قنبلة ثانية. لكنّها لم تنفجر مثل الأولى التي كانت في الخلف، وتساءل الجميع ماذا كان سيحدث إن نجح المخرّبون في تفجير القنبلة الثانية التي بدت ذات قدرة تدميرية أكبر؟

ومن بين الركام، نجحت الشرطة في العثور على لوحة تسجيل السيارة، والتي عادة ما تسهل عملية تحديد هوية صاحبها.

لكن لسوء الحظ، تبيّن أن السيارة سُرقت قبل مدة قصيرة من تاريخ انفجارها. وبمزيد تفحّصها، تأكّد المحقّقون أنّ قطعة القماش التي استخدمت عازلا بين الأسلاك المتفجّرة والقنبلة لتمنع انفجارها قبل الوقت المحدّد، ليست على ملك صاحب السيارة الأصلي، وبالتالي لن تقودهم إلى الفاعل الحقيقي، خاصّة بعد العثور على وبر للكلاب عليه.

سلسلة من المشتبه فيهم

في ذلك الوقت، تلقّت الشرطة عدة اتّصالات من كثيرين حاولوا المساعدة بتقديم بعض المعلومات عن السيارة التي خصّصت للتفجير. ومن بين هؤلاء المتّصلين، أكّد شخص مجهول امتلاكه صورة الفاعل، وطالب بالحصول على مبلغ يقدّر بـ300 ألف يورو مقابل مدهم بها.

ظل الشاهد يتّصل من هواتف عمومية مختلفة ومن أماكن مختلفة في كل مرة. اعتقد المحقّقون في البداية أنّه مريض نفسي. لكنهم واعون بأنّه لا يمكن إغفال أيّ معلومة أو الاستهانة بأيّ شيء.

وافق الوزير الأول الأسترالي جون كاين على مبلغ المكافأة، وأعلن ذلك خلال مؤتمر صحفي. لكن الشخص المجهول الذي ادّعى حصوله على هوية الفاعل، اختفى فجأة وتوقّف عن الاتّصال.

أثار سلوكه شكوك الشرطة فقرّرت مراقبة جميع مراكز الهواتف العمومية في المكان، إلى أن تمكنّت من القبض عليه أثناء عودته للاتصال مرة أخرى.

وأعلنت الشرطة أنّ المعلومات المضلّلة التي كان يدلي بها فلاديمير ريشتر، أخصائي في الكيمياء، عبر اتصالاته شوّشت التحقيق وأضاعت الكثير من الوقت.

بعد ذلك، رسم فنيون من قسم الشرطة صورة تقريبية تبيّن أنّها مشابهة جدا لمجرم يدعى كلاوديو كريبي، قال شهود عيان إنّهم رأوه داخل السيارة المفخّخة يوم الحادثة.

يعلم رجال الشرطة أنّ كلاوديو يكنّ الكثير من الكراهية لقسم الشرطة جراء القبض عليه في مرات سابقة، وهو ما يجعله أحد المشتبه فيهم.

وبالتوازي مع البحث عن كلاوديو الذي سرعان ما غادر ملبورن بعد الحادثة، ركّزت الشرطة تحقيقها حول معاينة سيارة أخرى مسروقة كانت أُفلتت من المطاردة قبل أسابيع عن الحادثة.

كشفت المعاينة أنّ رقم هيكل السيارة قد أُتلف بالكامل، وهو ما يتطابق تماما مع ما لاحظوه على السيارة المفخّخة والطريقة ذاتها. أدرك المحقّقون أنّهم أمسكوا طرف الخيط.

وفاق إجرامي

نجحت الشرطة في القبض على كلاوديو. لكنّه أنكر تماما أيّ علاقة له بالتفجير. في ذلك الوقت، تركّزت التحقيقات حول بيتر ريد، وهو الشخص الذي كان يقود السيارة المسروقة الثانية التي أفلتت من مطاردة الشرطة قبل حادثة التفجير.

بيتر ريد معروف لدى السلطات بسرقة السيارات، وهو يعتمد الأسلوب ذاته في كل مرة عبر إتلاف رقم هيكل السيارات من الداخل. لكن هل سرقة السيارات تجعله بالضرورة متورّطا في عملية التفجير؟

أثبتت التحريات أنّ ريد كان سطا على أحد البنوك صبيحة يوم الحادثة، فقرّر رجال الشرطة مراقبته وتفتيش بيته.

وبمجرد اقتحام البيت ليلا تبادل بيتر إطلاق النار مع رجال الشرطة إلى أن أصيب الطرفان، ومن ثمة تمّ نقل ريد إلى المستشفى ومنها إلى قسم الشرطة لاحقا.

كان بيت ريد مليئا بالأسلحة النارية التي أُتلفت أرقام تسجيلها تماما مثل السيارة المفخّخة، علاوة على وجود عدد من قطع الديناميت والأسلاك المتفجرة تتشابه إلى حد كبير مع التي عثر عليها في مكان التفجير. كما تمّ استخراج بصمتين لشخصين مختلفين، وهما الشقيقان مينوغ اللّذان يعتقد أنّ لهما دورا ثانويا في الحادثة.

خلال مراقبة ريد، اكتشف المحقّقون أنّه يتردّد باستمرار على بيت شخص يدعى كارل زالنكا، الذي أنكر معرفته لريد عند استجوابه.

أيقن فريق التحقيق أنّ زالنكا، الذي بدا قلقا ومتوتّرا جدا، يخفي شيء ما، وهو ما دفع إلى التفكير بأنّ كلّا من ريد وزالنكا والأخوين مينوغ قد أسّسوا وفاقا إجراميا للتخطيط للانتقام من شرطة راسل ستريت.

لكن على الشرطة إثبات هذا الوفاق بشكل علمي ودقيق. بداية، أكّد الخبراء استخدام جزء لغطاء صندوق نفايات منزلي في تركيب القنبلة. وبتفتيش بيت زالنكا ثبت أنّ صندوق نفاياته دون غطاء، وأنّ جزءا من مقبض الصندوق غير مثبت وكأنّ شخصا ما حاول اقتلاعه.

واندهش المحقّقون أيضا لوجود تطابق لجزء مقتطع من قطعة خشب صلب من الحديقة استخدمت في صنع القنبلة. وبعد عرض كل الأدلة ومواجهته بما تعرف الشرطة، استسلم زالنكا في النهاية وقرّر الاعتراف مقابل حمايته هو وأسرته.

قال زالنكا إنّه اكتشف صدفة وجود سيارة داخل المرآب وباستجلاء الأمر من الأخوين مينوغ أمره أحدهما بنسيان الأمر تماما، وأهداه رحلة إلى سيدني هو ورفيقته طوال فترة التخطيط والتنفيذ للتفجير.

كما أكّد تورّط شخص آخر يدعى ستانلي تايلر كان يزور الأخوين مينوغ في ذلك الوقت. وبمجرّد القبض عليه اعترف بتورّط الجميع في التفجير الذي تسبّب في مقتل الشرطية أنجيلا تايلر، وذلك للانتقام من رجال الشرطة عبر التخطيط لتدمير المبنى المركزي بالكامل.

أستراليا#
جريمة#

عناوين أخرى