video cover
لايف ستايل

رحلة النبيذ في طهران...من الكروم إلى شقق طهران الدافئة

في إيران يمكن للشرطة على حين غفلة أن توقف سيارتك وتسألك: ماذا ستفعل بكل هذه الكمية من العنب؟ رحلة صناعة النبيذ خلسة عن النظام في إيران تعبر مسالك وعرة...
2020-09-30 20:46

ديانا محمود – مختصة في الشأن الإيراني

جهزنا حقائب سريعة لا تشبه حقائب الرحلات العادية، ربط الشبان مجموعة من الصناديق الفارغة خلف السيارة، معداتنا ليست لنزهة بحرية ولا لصعود الجبال بل هي عتادنا في رحلة نحو النبيذ.
كان يمكن اختصار هذه الرحلة وانتقاء العنب من سوق الخضار في طهران، لكن الأصدقاء أصروا على جني عنبهم بأنفسهم من مزرعة أحد منهم في الشمال الإيراني، هناك قرب مدينة ساري حیث زرعت كروم عنب بوردو، يقول آرش إن جده طعّم بعض الكروم بهذا النوع الفرنسي من العنب منذ عقود، وهو ذو مذاق مميز يمنح النبيذ نكهة خاصة بنكهات سحرية.
الطقس السنوي لقطف العنب ابتدعه الأصدقاء شمال طهران منذ سنوات عندما اكتشف آرش أن بإمكانه أن يحصل على كمية مجانية من العنب من مزرعة الأهل لكن عليه أن يجنيها بنفسه، التوفير فكرة أساسية في هذا الطقس لكن الأهم هو متعة أن تكون للإنسان مزراع في الداخل.
 يرتدي الجميع ملابس صيفية كاشفة عن أجسادهم على عكس الفلاحين الحقيقيين الذين يحذرون الشمس فهذه فرصة أيضاً لسكان شقق طهران الضيقة للتمتع بشمس أيلول اللطيفة. المتعودون على الجني يخبرون الوافدين الجدد عن العناقد التي حان قطافها وأيها أفضل وكيف يمكن قطعها عن الدوالي الممتدة في الأرض حولنا.
على العشاء تجمع الأصدقاء قرب منقل الشواء، موسيقى وضحكات وقليل من نبيذ العام الماضي حاضر على طاولة السهرة مع الكثير من الجبن والجانبون الإيراني واللبن المطعم بالثوم. أمين (33 عاماً) يشرح بدقة كيف تسبب الإهمال بفساد بعض جرار النبيذ. يعظ الآخرين ويحمل مسيح (40 سنة) المسؤولية هي من وضعت بعض العناقيد في الثلاجة عدة أيام ثم رأت أنه من الأفضل خلطها مع بقية الصناديق بعد أن تبللت. تنفي مسيح عنها هذه التهمة ويضحك الجميع.


خلطة سحرية شمالية وكردية لنبيذ طهراني
قبل عودتنا إلى طهران تواصل أمين مع بائع العنب الكردي ليرسل لنا كمية من عنب منطقة ديم الجافة قرب مدينة مريوان والمعروفة بعنب شاني، لونه أحمر قاني أكثر حلاوةً من عنب بوردو، المعادلة السحرية لمشروبنا في الشتاء مكون من مزيج من العنب خمسه “بوردو” من الشمال وأربعة أخماسه “شاني” من كردستان غرب إيران.
بحذر، يوزع الشبان كمية العنب في سياراتهم فيمكن للشرطة على غفلة أن توقف سيارتك وتطرح عليك سؤالها المهم: ماذا ستفعل بكل هذه الكمية من العنب؟ يجيب الأصدقاء أن سيارة أحدهم تمت مصادرتها العام الماضي عدة أيام بتهمة حيازة العنب، بالطبع لا توجد مادة في القانون الإيراني تجرم حيازة العنب لكن بعض عناصر الشرطة يمكنها خلق بعض المتاعب لهم وللآخرين لمعرفتهم بغرض استخدام هذا العنب. 
تقول سحر (26 عام) إن والدة صديق لها اضطرت إلى الذهاب إلى مخفر الشرطة وكتبت تعهداً بأن العنب المصادر من سيارة ابنها مخصص لصناعة الخل، يضحك الجميع فزساليب الالتفاف على القوانين المرفوضة من قبل المجتمع هي مادة دسمة للسخرية في سهرات الشباب.


صعب ولكن ممتع…حفلة العنب
أيام وصناديق العنب محفوظة بعناية على شرفة المنزل بعيداً عن الشمس والرطوبة، إلا أن الصناديق دخلت في اليوم الخامس إلى المنزل وبدأت حفلة العنب في شقتنا الصغيرة، ورشة لفرط حبات العنب وورشة لهرسها بإحكام وأخرى للبحث عن أوعية مناسبة وورشة للهو وبث أغاني الستينيات في إيران في بيت غارق باللون الأحمر. يقول رضا إن هناك شخصاً يحضر لك العنب مهروساً من أطراف طهران، يطالب المتعبون من هرس العنب بالتواصل معه لهرس ما تبقى، لكن الشخص المطلوب يرفض أن يهرس عنب الآخرين، ويدعونا لشراء عنبه المهروس مع عرض بإيصاله في صناديق خاصة إلى المنزل، يقرر الأصدقاء الاحتفاظ برقمه للموسم القادم.

بعد وضع السكر ومخمر الخبز على المزيج السحري، أغلقنا الغالونات بإحكام وانتهت سهرة العنب وعم الهدوء المنزل لكن لساعات، فالغالونات كانت تنتفخ بشدة بسبب تفاعل العنب وإصداره غازات. كان لابد من إعادة توزيع المواد الأولية وهذا أمر يحدث دائماً، فالمقادير قد لا تكون دقيقة، لكن كل شيء قابل للتعديل، بين أسرة المنزل وزوايا غرفة الاستقبال وزعنا الغالونات، فالأفضل أن تبقى في جو معتدل غير متقلب.
“يجب عليكم أن تحركوا المزيج كل يوم بأياديكم وتتأكدوا من هرس كل حبات العنب” يواصل أمين تعليماته، “لا تتنفسوا في الغالونات”، “احذروا من الرائحة الحامضة”، “أزيلوا سريعاً أي عفن”. مضى 25 يوماً على استضافتنا في ورشة النبيذ، يبدو كل شي يسير بشكل جيد، أحضر كل شخص زجاجته استعداداً لتصفية المزيج السحري وبعد 15 يوماً سيكون لدينا نبيذ صنعناه بأنفسنا قوتاً للشتاء.
 بالطبع لا يمكن الاستغناء عن تجار المشروبات الروحية في طهران فهم يوفرون أنواعه المختلفة بأسعار مقبولة ترضي الزبون وتوفر فرص عمل جيدة للبعض، لكن قليلاً من الخمر المنزلي يفرح قلب المحرومين قانونياً من الشراب في طهران ویجود عليهم بخير أرضهم التي لطالما اشتهرت بأفضل أنواع النبيذ.

النبيذ#
طهران#

عناوين أخرى