ثقافة

رأس السنة الأمازيغية…بين انتصار الأمازيغ على الفراعنة والتقويم الزراعي

فاطمة الأحمر

معتقلو 25 جويلية

يحتفل الأمازيغ وأغلبهم من سكان شمال إفريقيا، برأس السنة الأمازيغية التي تصادف الأربعاء 12 جانفي/ يناير، احتفالات  متوارثة تختلف من دولة إلى أخرى لكنها ترمز إلى التمسك بالأرض والاعتزاز بها وبخيراتها، وتزخر بمعانيالتعايش مع بقية الثقافات لا سيما العربية.


ويقدم الأمازيغ أطيب أمانيهم في العام الجديد بعبارات مثل: “أسغاس أمغاز” أو “يناير أمرفو” وتعني “سنة جديدة سعيدة”.  

عام 2022 يوافقه في التقويم الأمازيغي عام 2972. ويعتبر الأمازيغ أن تقويمهم يسبق التقويم الغريغوري المعترف به عالميا بـ 950 عاما.


ولم يتفق الأمازيغ إلى اليوم على يوم محدد للاحتفال برأس السنة الأمازيغية، ويحتفل بعضهم به في الـ 6 والـ7 من شهر جانفي/ يناير، بينما يحتفل أغلبهم بـ”يناير” إما في الـ 12 أو الـ 13 من شهر جانفي/ يناير من كل عام.

وبداية من الأربعاء 12 جانفي/ يناير، يحتفل الأمازيغ بكل من تونس والجزائر وليبيا والمغرب وأجزاء من مصر برأس السنة الأمازيغية الجديدة يُطلقون عليه اسم “ينّاير”.


قصة ينّاير وأصل حكايته

تختلف الروايات والأساطير عن أصول “ينّاير” أو “ناير”، لكن الرواية الأقرب إلى الواقع بحسب بحوث المؤرخين واكتشافاتهم هي قصة وصول الأمازيغ إلى عرش مصر. إذ أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية هو في الأصل احتفال بانتصار الملك الأمازيغي من أصول ليبية “شيشونك” أو “شيشنق” على الفراعنة الذين كان يحكمهم رمسيس الثاني وأصبح بذلك حاكم الأسرة الثانية والعشرين للفراعنة، إثر معركة دار غمارها على ضفاف نهر النيل قبل 950 عاما قبل الميلاد. فهذا التاريخ يرمز إلى القوة والسلطة.

ويبدأ التقويم الزراعي للأمازيغ في 13 جانفي/ يناير، وهو تقويم مستوحى من التقويم اليولياني الذي فرضه يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد، ودخل حيز التنفيذ عام 45 قبل الميلاد، في محاولة لمحاكاة السنة الشمسية ويتكون من 365.25 يوماً مقسمة على 12 شهراً، وكان سائدا في شمال أفريقيا خلال فترة الهيمنة الرومانية.

زراعيا، يوافق “يناير” بداية ما يعرف باسم “الليالي السود” التي تدوم 20 يوما، وهي من الفترات التي تسجل انخفاضا قياسيا في درجات الحرارة.

وبدأ التقويم الأمازيغي يتخذ شكلا رسميا في ستينيات القرن الماضي عندما قررت “الأكاديمية البربرية” وهي جمعية ثقافية أمازيغية مقرها بباريس، البدء في عد الأعوام الأمازيغية اعتبارا من 950 قبل الميلاد. ووقع اختيار التاريخ ليتزامن مع اعتلاء الفرعون “شيشنق” عرش مصر.

رمزية “يناير”


ويرمز “يناير” إلى العيش في تناغم مع الطبيعة رغم قدرتها على صنع ظروف تهدد الحياة، مثل الأمطار الغزيرة والبرد والتهديد الدائم بالمجاعة. ولمواجهة هذه المصاعب، كانت الشعوب الأمازيغية القديمة تُؤلّه الطبيعة. لكن تغيرت هذه المعتقدات الدينية مع وصول الديانات اليهودية والمسيحية، والإسلام لاحقا إلى شمال إفريقيا، وظلت عادة الاحتفال متواصلة إلى اليوم.


فالأساطير تقول إن من يأكل حتى الشبع يوم “يناير” سيكون عامه خاليا من المجاعة أو الفقر. كما تعبر العائلات عن رغد عيشها من خلال طهي الكسكسي مع 7 أنواع من  الخضار و7 بهارات مختلفة.

قصة عجوز تحدت يناير

وتتحدث روايات قديمة عن أصول الاحتفال بـ”ينّاير” وترجعها إلىأسطورة العجوز التي تحدّت الطبيعة وتحديدا شهر يناير والبرد القارس لترعى أغنامها، فطلب شهر يناير من شهر فبراير أن يعيره ليلة ونهارا للانتقام من العجوز.

واعتبارا من هذه الأسطورة، يعتقد بعض الأمازيغ أن هذا اليوم يجب أن يكون يوم حيطة وحذر، ففي مثل هذا اليوم جمد “يناير” أوصال العجوز وأغنامها.

لكن أمازيغ آخرين يتفاءلون خيرا بالاحتفال بـ”ينّاير” ويعتبرونه جالب الحظ والخير والسعادة والنجاح لأن يناير هو أول شهر في الرزنامة الأمازيغية الفلاحية. 

تختلف عادات الاحتفال والطقوس بحلول يناير أو رأس السنة الأمازيغية من بلد إلى آخر، لكنها تتوحد جميعها لتجسد مظاهر الاعتزاز بالهوية الأمازيغية.

ويقيم الأمازيغ خاصة منهم سكان شمال إفريقيا طقوسا خاصة للاحتفال بحلول سنة أمازيغية جديدة، وهذه الطقوس تتنوع من بلد إلى آخر. وتعد الأطباق والحلويات الأمازيغية إحدى الأشكال الأساسية للاحتفال. 


وتتشابه مظاهر الاحتفال بين سكان المدينة والريف وبين العائلات الثرية والفقيرة، فالجميع يجلس إلى طاولة الطعام التي تتكون أساسا من طبق الكسكسي الذي يعتبر موروثا ثقافيا ماديا عند الأمازيغ. كما أن الجميع يرتدي الأزياء والمجوهرات الأمازيغية القديمة.

عادات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في تونس

أما في تونس فتكون مظاهر الاحتفال محدودة بما أن رأس السنة الأمازيغية ليس عطلة رسمية، لكن الأمازيغ التونسيين الذين ما يزالون متشبثين بعاداتهم وتقاليدهم والذين يسكن معظمهم في الجنوب التونسي يحتفلون بهذا اليوم. 


فتعد النسوة أشهى الولائم من الأطباق الأمازيغية التقليدية مثل العصيدة وهي مزيج من الطحين المطبوخ في الماء والكسكسي و”تيكربابين” أو “عصبان السميد” أو “ثعصبانت”، وهي أشهر الأكلات لدى الأمازيغ.


فلا يمكن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية دون إعداد الطبق المحبب والمفضل لدى الأمازيغ وهو “تيكربانين” الشهي الذي يعتبر من أعرق عادات الأمازيغ وتقاليدهم الغذائية. ويتمثل هذا الطبق التقليدي في عجين معد من الدقيق والتوابل ومشكل على شكل دوائر بعد مزجه بمرق من الخضر واللحم. وتجتمع العائلة أو القبيلة للاحتفال ثم الدعاء لتكون السنة الجديدة وافرة بالأمطار والمحاصيل الزراعية.

ينّاير في الجزائر

وفي الجزائر تعد الكثير من الأطباق التقليدية الخاصة بالسكان الأمازيغ والتي تطبخ خصيصا في يوم الاحتفال بـ “ينّاير” مثل طبق “شخشوخة” و”الرشتة” و “بركوكس” وهي اطباق موجودة في بعض مناطق تونس بالإضافة إلى “التراز” وهو عبارة عن حلويات مصنوعة من التمر والفواكه الجافة.


ثم تجتمع العائلة ويتم وضع الطفل الأصغر وسط “جفنة” أو وعاء دائري كبير الحجم ويطوفون حوله ويرمون عليه “التراز”، اعتقادا منهم أن هذا سيزيد من رزق الطفل. 


لـ “ينّاير” عيد وطني وعطلة رسمية في الجزائر ومدفوعة الأجر لكل الجزائريين منذ عهد الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، فقد تم إعلان يوم رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية في 12 جانفي/ يناير عام 2018.

وفي بعض مناطق الجزائر، تدوم احتفالات يناير 3 أيام، إذ تجتمع العائلات يوميا لتناول وجبة احتفالية، وعادة ما تكون عصيدة السميد في اليوم الأول، والكسكسي مع 7 أنواع من الخضار في اليوم الثاني، والدجاج في اليوم الثالث.

إحياء  السنة الأمازيغية بعد اضطهاد معمر القذافي في ليبيا


وفي ليبيا وتحديدا في جبل نفوسة الواقع شمال غرب البلاد، تخرج النسوة صباح يوم السنة الجديدة  لجمع الأعشاب والنباتات لتعليقها في أسقف منازلهن استبشارا منهن ببداية سنة زراعية خضراء مليئة بالوفرة والخصوبة.   


وتعد النسوة أطباقا شهية من الكسكسي لكنهن يضفن إليهالحليب عوضا عن المرق حتى تكون السنة الجديدة صافية كصفاء الحليب، كما أنهن لا ينظفن الأواني ولا يشعلن النار ليلة رأس السنة. 


فقد أصبح لأمازيغ ليبيا عيد بعد ثورة 2011، وسقوط نظام القائد معمر القذافي، الذي طالما اضطهد الأمازيغ طوال فترة حكمه. 


“أغرمي” ورقص وغناء في المغرب

ويحتفل المغاربة بـ”ينّاير” من خلالاجتماع العائلة والأصدقاء حول طبق “تاكلا” أو العصيدة، وهو طبق أمازيغي أصيل.


أما في منطقة سوس جنوب البلاد، فتفضل العائلات إعداد الكسكسي وطبق الطاجين الشهير في المغرب، بالإضافة إلى البيض المسلوق والفواكه الجافة.  


ولا يخلو الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في المغرب من لعب “لعبة أغرمي”، فتقوم إحدى النساء بإخفاء نواة التمر داخل العصيدة قبل تقديمها، ومن يجدها يكون “أسعدي ناسكاس” أي الشخص المحظوظ هذا العام.


ويقوم السكان الأمازيغ بإشعال النيران وارتداء اللباس التقليدي، ويرقص الرجال والنساء حتى وقت متأخر من الليل تفاؤلا بالسنة الفلاحية الجديدة