رأي

د. عزمي بشارة.. في التنوير وعقلنة السياسة

فوزي الصدقاوي
تنطلق طروحات عزمي بشارة حول النهضة العربية من معضلات الواقع العربي ومن الحرص على تحسّس معوّقات النهضة، مع الجهد في توسيع مجال رؤيتها، ومعتمدة على ما تلتقطه من حقل الملاحظة بالعين المجرّدة، من داخل المجتمع العربي، الذي حمّل المثقفين همّه، وزوّدَهم بأسئلة ضرورية تثير فيهم شغف البحث وتحفّزهم للتشخيص والتعليل وطرح مقارباتهم، وتَحمِلُهم على توظيف مناهج ملائمة وشجذ وسائل تحليل مثمرة.
وعلى الرغم من أهميّة المقدّمات النظريّة لمثل هذه الطروحات، ولما في موضوعها من خصوصيّة، فإنّ هذا الواقع العربي بما هو حقل مـلاحظة، لم يكن استثنائيا، ولا فريدا، فالتحوّلات التاريخية التي تتأهّب لها المجتمعات، في مساراتها الثقافية، من أجل التحديث والتنوير. كانت دوما محكومة بشروط تاريخية عامة، تستهدي بها.
ويؤكّد عزمي بشارة السياق الثقافي لعمليّة التحديث بوصفه نتاج التلازم التاريخي لحركتي النهضة والتنوير من جهة، وحركتي الديمقراطية والليبرالية من جهة ثانية.
ورغم الفارق التاريخي الكبير بين الحركتين والمرحلتين التاريخيتين في أوروبا، فإنّ تلازم هذه الظواهر التاريخية وتعاقـُـبها، يُـفسّره تطوّر ديناميكيات التحديث في التاريخ الأوروبي، إذ يتعلّق استخدام مصطلحات مثل النهضة والتنوير، من المنظور السوسيولوجي لـ”ماكس فيبر”، بالسياق الثقافي لعمليّة التحديث، كما تهدف هذه الاستخدامات الاصطلاحية إلى شرح حالة الفصل بين عالمين مغايرين وتصويرها، من حيث المعاني والوسائل والرموز، فيبتدع “ماكس فيبر”، لهذا الغرض، مقولة “نزع السحر”، وهي وصف لحالة تقترن بالتحديث وتطوّره وانتشاره، فالنهضة لا تكون إلّا إذا تحقّق فصل عالم الدنيا، في مستوى الثقافة، عن عالم ما وراء الدنيا (الآخرة).
تنشأ الأسطورة بين الناس ويظهر الدين في حياتهم ويُـنْظَم الشعرُ في محافلهم.. متى استغرقت الظواهرُ الفكرَ، وأدركتْها حواسُهم ، وحملتْ اللغةُ دوالَها. لكن منذ اللحظة التي يبدأ فيها الفكرُ في الاشتغال، مدركًا ما بينه وبين الظواهر من مسافة واختلاف، تتلاشى الأسطورة في وعي الناس، مع تراجع صلتها بالواقع، ويفقد التديّن سيطرته على العقل حين تُخفِــق الأسباب الممنوحة، كل مرة في تفسير الظواهر، ويتحوّل الشعر إلى هِواية، يَـنظم به الناس الأشياء بدلا من أن تنظمُهم الأشياءُ، وتُسيطر عليهم.
يحدث هذا الانفصال بين الإنسان والطبيعة وبين الفكر والمادة وبين السحر والأشياء بثمن فقدان الشاعرية، ليصبح التديّن على إثر هذا الانفصال، علاقة مباشرة بين الإنسان وعالم الماورائيات. ويُحافظ من خلالها على وجوده منفصلا عن الأشياء، وعن عالم الطبيعة.
يحقّق -وفق عزمي بشارة- هذا الفصل في السياق الحداثي تحريرا للدين من سيطرة القوى الدنيوية، ويتحقّق بالفصل أيضا نقاء الجوهر الروحاني. لكن حين يستهدف التحرير علاقة الدين بالسياسة، (بوصفها إحدى الظواهر الاجتماعية) يكون “نزع السحر” بتعبير ماكس فيبر، عن الأنشطة الاجتماعية، على قدر من العسر، ورهين القدرة على التخلّص من الأيديولوجيات والعقائد والأماني البعيدة، ومشروط بإرادة عقلنة الممارسة البشريّة، لما لكل ذلك من تأثير على المجتمع، وعلى صنع قرارات الناس وصوغ نمط حياتهم ومصائرهم في الحيّز العام.
أمّا السياسة (politics) فتعمل على إدارة لعبة القوى السياسية، وصنع القرار والسيطرة على نظام الحكم والتأثير فيه. وهو ما يجعل من تحقّق النهضة والتنوير، في هذا السياق، محكوم بشرط الفصل بين أيديولوجيات ودوافع العاملين في المجال السياسي من جهة، وبين الغايات والأهداف التي يتعيّن إنجازها ويتوجّب بلوغها. فكلّما صارت السياسة تتعاط مع الحقائق التي تحتكم إليها المصلحة، وجرى الفصل بين الوقائع والأمنيّات، نضج العمل السياسي، وأدرك عقلانيته.
ويعتبر عزمي بشارة أنّه من الأدوار الإستراتيجية، أن تصنع السياسة صورةً لآخرَ، وهي خطوة على قدر من الأهميّة، لكن حين تكون صورة الآخر، بناءً على وقائع دقيقة، يتم اتّخاذ المواقف منه، ووضع السياسات تجاهه، بصورة واقعيّة وعلى أساس ما ثبت من حقائق، أمّا إذا كانت صورة الآخر، تـُصطنع بغرض تشويهها، لأهداف معلنة، أو غير معلنة، فإنّ ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى نشر الغيب والماورائيات وتنمية الأماني في السياسة، لينتهي الأمر، في نهاية المطاف، إلى اتّخاذ مواقف لاعقلانية. لذلك يُـعتبر غياب هذه الطريقة في صنع الآخر سببا معيقا للنهضة في المجتمعات الغربية المتطوّرة كما أنّه هو معيق لنهضة المجتمع العربي.
فإذا داخلت الغيبية السياسة، مَنعت من رؤية الممارسة السياسية والسلوك الإنساني، من زاوية المعايير، واختلقت قوى فاعلة في الواقع يتعذّر على العقل معاينتها وتشخيصها واحتسابها وتقييمها. وأحالت، بذلك الفكر السياسي إلى ثنائيات من المعاني (قداسة ونجاسة/ حلال وحرام/…) تـُـلبّس على العقل رؤية الحقائق على نحو ما هي قائمة على الأرض. وتزيد في كبح إرادة تحرير الممارسة وتعطيل حركة التغيير، وإعاقة تطوّر الفكر والمجتمع.