ديناميكيات الحداثة والتحولات المجتمعية في نظر د. عزمي بشارة

عزمي بشارة الحداثة

فوزي الصدقاوي 

يعود اهتمام عزمي بشارة بنظريات التحديث، إلى الارتباط القوي والجدلي بين التحديث والتحوّل الديمقراطي، حيث اعتبر هذه النظريات، مدخلاَ ضرورياَ، لا غنىَ عنه، في المساعدة على فك شفرات أزمات الانتقال الديمقراطي والالتباسات التي تحيط بمساراته، لكون النظم الديمقراطية لا تظهر إلا نتاجاً لمجتمع تشاركي ومؤسساتي في بيئة مدنية.

فقد أظهرت دراسة شملت 45 دولة أن المدينة تتسع تدريجياً نحو ضواحيها، لتتحول بدورها إلى تجمّعات مدينية تحتضن مؤسسات قادرة على استيعاب عمليات التحديث بسلاسة ودون قسر أو عنف؛ فبعد تشكّل وعي “المواطن المتعلّم” الذي يقرأ الصحف، وينخرط في الدورة الاقتصادية، ويتوجه بوعي إلى صناديق الاقتراع. تكون المشاركة السياسية هي الحلقة الأخيرة في سلسلة هذا التحديث

يمثل التحديث صيرورة تمايز تفصل البنى السياسية عن البنى التقليدية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يرى المفكر “آدم برزيفورسكي”  (Adam Przeworski)أن التحديث يتحقق عبر توالي آليات حيويّة تشمل: التصنيع، والتمدد الحضري، والتعليم، والاتصالات، والحراك الاجتماعي، ونشوء الكيانات السياسية. وفي النهاية، يتوّج هذا الانتقال بصياغة “الشخصية الحديثة” أو “المرنة” القادرة على التكيّف والتعاطف مع “الآخر.”

ويلفت عزمي بشارة الانتباه إلى أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن على أطروحة “ليرنر“، بات لدى الأفراد استعدادٌ واضح لاتخاذ مواقف حاسمة في شتى القضايا دون امتلاك المعلومات اللازمة، وفي غياب القدرة على التحقق من صحتها أو التمييز بين الحقيقة والتضليل، وهو مسار تصاعد بالتزامن مع تغلغل الشعبوية في السياسة المعاصرة.

وفي السياق نفسه، يرى “تالكوت بارسونز” أن التمايز بين المجتمعات الحديثة والتقليدية يكمُن في استناد الأولى إلى علاقات محايدة عاطفياً عند إسناد الوظائف وتعيين المسؤوليات، حيث تحرص الإدارة على كفاءة أدائها باعتماد معيار الجدارة، وهو توجه يستبطنه الموظفون ويلتزمون به. كما أن توجهات المواطنين في المجتمع الحديث تصبح فردية ومستقلة عن الروابط الجماعية التقليدية، إذ تؤسس العلاقات البينية على المصالح والتعاقدات، في حين تعتمد المؤسسات في تقييمها للأفراد على كفاءاتهم وتخصصاتهم المطلوبة.

ويرى كولمان أن الحداثة تتسم بتمايز الوظائف والأدوار والمؤسسات، وأنّها تتطلع نحو المساواة. وتتجلى سياسة التحديث عنده في السعي نحو المواطنة التي تضمن العدالة الاجتماعية، والمساواة القانونية وتكافؤ الفرص القائم على معيار الكفاءة في التوظيف، فضلًا عن تعزيز المشاركة الشعبية في النظام السياسي. أمّا مقاربة ماريون جاي لافي جونيور فتقدّم رؤية ديناميكية؛ مضمونها أن التحديث يخترق المجتمع ليفكك أنماطه القديمة في صيرورة تغيير مستمر لا تتوقف. ويؤكد لافي جونيور أن مآل دول العالم الثالث هو السير حتمًا نحو النموذج الغربي، باعتبار التحديث نمطًا نشأ وتشكّل في الغرب. وهو ما يتقاطع مع ما ذهب إليه معظم منظري التحديث من أن وتيرة تحديث المجتمعات كلما تسارعت ، زادت المجتمعات تشابهًا وتجانسًا.

ومن صفات التحديث، كما يقدّر بشارة، أنّه عمليّة نَسَقيّة تبدأ من نقطة لتتمدد وتتفرع بصورة متشابكة ومنتظمة، شاملة بذلك تغييرات تلقي بأثرها على السلوك الاجتماعي. من ذلك التصنيع، والتمدين، والتنقلية،(Mobilization)، والتمايز والعلمنة والمشاركة والمركزة (Centralization)، وهو، أي التحديث، عمليّة تحويليّة إن هو دَاخَلَ مجتمع ما تُـحدث قوة فاعليّته تحوّلات في السلوك والقيم والرؤية إلى العالم، وهو أيضا، عمليّة كليّة لأن التحديث متى ما بدأ في مجال فإنّه يتسع ليعمّل ويشمل مجالات أخرى كثيرة.  أما روستو فاعتبر أن التحديث هو جهد منتظم يتجه للسيطرة على الطبيعة عبر التعاون بين البشر. ويخلّف أثرا عميقا في العقل البشري، لذلك ظلّ يطوّر المعرفة التجريبية، فالحداثة هي تثوير لثلاث علاقات رئيسة علاقة الإنسان بالزمن والطبيعة، وببقية البشر. والإنسان الحديث تقوده وتوجهه في التاريخ، فكرة التقدّم.

وتتجلّى، في نظر عزمي بشارة، الجوانب الإيجابية للحداثة لدى روّاد نظرية التحديث، في منظومة متكاملة ومترابطة، تشمل التطور الاقتصادي، والتحول في العلاقات الاجتماعية، وانتشار التعليم، وتبني قيم الإنجاز والعقلانية والعلمانية، فضلًا عن تطوّر المؤسسات الديمقراطية. من ذلك فإنّ مفهوم الحداثة حمل لدى فرانسيس فوكوياما دلالة إيجابية، في حين نظر إلى المجتمع التقليدي بوصفه «مفهومًا متبقيًا (Residual Concept).، ليخلص إلى أنّه لا ينبغي المبالغة في الفصل التعسفي بين ما هو حديث وما هو تقليدي، إذ شهدت المجتمعات التقليدية بدورها محاولات جادة للسيطرة على الطبيعة تمثلت في ثورات معرفية وصناعية كـتربية الحيوانات، وزراعة الحبوب، واكتشاف النار، واختراع العَجَلة، وصولًا إلى إرهاصات العلم التجريبي. ومع ذلك، يكمن الفارق الجوهري، برأي بشارة، في أن التحديث المعاصر قد امتد أثره ليشمل مناحي الحياة كافة، مستندًا إلى الثورتين العلمية والصناعية، كما نجح في نقل الاقتصاد من فلك علاقات التبعية الشخصية إلى فضاء علاقات التعاقد والمؤسسات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*)-عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي واشكالياته، دراسة نظريّة وتطبيقيّة مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، 2020.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *