تونس

“دويتشه فيله”: سياسات سعيّد تضع الاتحاد الأوروبي في مأزق

هل يستمر الاتحاد الأوروبي في النظر إلى الرئيس سعيّد “شريكا”.. تقرير ألماني يتساءل

قال تقرير لموقع قناة دويتشه فيله الألمانية، إن سياسات رئيس الجمهورية قيس سعيد “تضع الاتحاد الأوروبي في مأزق سياسي”، بالنظر إلى الوضع المتناقض المرتبط بالتعاون الوثيق معه في عدد من الملفات، وأبرزها الهجرة غير النظامية، في مقابل انتقادات متزايدة من قبل عديد المنظمات الحقوقية الدولية ومن داخل الاتحاد الأوربي نفسه، جراء تصاعد قبضته الأمنية قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

معتقلو 25 جويلية

وتساءل التقرير عن مدى “استمرار الاتحاد الأوروبي في النظر إلى الرئيس سعيد شريكا” له، في “ظل تشديد القبضة الأمنية والاعتقالات المستمرة في تونس”، وسط إشارات إلى “حالة لامبالاة سياسية في انتظار الانتخابات الرئاسية”.

مأزق سياسي

واعتبرت “دويتشه فيله” أن الاتحاد الأوروبي “يواجه مأزقًا في ضوء تصرفات الحكومة التونسية”، نتيجة تفاقم الاعتقالات والإيقافات بحق الصحفيين والمحامين والسياسيين ونشطاء المجتمع المدني، على معنى المرسوم 54 الذي تسبب في التضييق على الحقوق والحريات.

وذكّر التقرير بدور الاتحاد الأوروبي في دعم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس منذ “الربيع العربي” عام 2011، “خصوصا مع الآمال الكبيرة التي ألقيت على تونس منارة لحقوق الإنسان في المنطقة”، لكن سياسات رئيس الجمهورية قيس سعيد باتت تقابل بانتقادات حقوقية كبيرة، ومن داخل التكتل الأوروبي الذي ركز في السنوات الماضية على تطوير الديمقراطية التونسية.

وتطرقت القناة الألمانية إلى التحركات الاحتجاجية الأخيرة في تونس التي شارك فيها مئات من الناشطين والشباب احتجاجا على سياسات السلطة، كما رصدت الهتافات والشعارات التي رددها المتظاهرون ومن بينها “تسقط الدكتاتورية”، “ضد الرئيس الذي يزداد تشددا تجاه منتقديه ومعارضيه”، وفق ما جاء في التقرير.

احتجاجات في الشارع

ولفتت “دويتشه فيله”، إلى أن الاحتجاجات الأخيرة في تونس، اندلعت تنديدا بالأحكام القضائية الصادرة مؤخرا، بحق الإعلاميين برهان بسيس ومراد الزغيدي، والتي قضت بسجنهما ستة أشهر بتهمة نشر “أخبار كاذبة”، وستة أشهر إضافية بتهمة نشر “أنباء تحتوي على معلومات كاذبة بهدف التشهير بالآخرين”.

كما ذكّر التقرير باقتحام قوات الأمن مقر هيئة المحامين في تونس لإيقاف المحامية سنية الدهماني، مضيفا: “ليست الدهماني أو الصحفيون المذكورون  الوحيدين الذين تم اعتقالهم، فمنذ دخول المرسوم 54 المشهور سيئ السمعة حيز التنفيذ في 2022، وهو الذي يجرّم نشر معلومات كاذبة، تمت مقاضاة أكثر من 60 صحفيا ومحاميا ومعارضا، وفق أرقام نقابة الصحفيين التونسيين”.

وتحدثت أميرة محمد عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين، إلى القناة الألمانية، مشيرة إلى أن “الاعتقالات والسجن هي انتهاكات مستهدفة”، كما شددت على أنه “تحت ذريعة مكافحة الفساد، تهاجم الحكومة جميع المنظمات المدنية والأحزاب، وتحاول القضاء على أي منتقد لسياساتها”، وفق تعبيرها.

وتستطرد أميرة محمد: “الشيء الوحيد الذي يمكننا القيام به هو الاستمرار في المقاومة والتنسيق بشكل أفضل، فقط بهذه الطريقة يمكننا حماية المواطنين ومراقبة التصرفات السياسية للسلطات”.

إجراءات مرتبطة بالانتخابات

من جهتها، وصفت إيزابيل ويرينفلز، خبيرة شؤون المغرب العربي في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ببرلين، “اعتقالات الصحفيين”، والتعديلات الوزارية الأخيرة التي أقرها الرئيس سعيد، بكونها “ترتبط بالانتخابات الرئاسية”.

وأضافت في تصريح لـ”دويتشه فيله”: “يبدو ذلك شبيها بنظرية المؤامرة بالنسبة إلي، لكن من الأرجح أن سعيد استبعد اثنين من السياسيين المخلصين له، حتى يحصل على دعمهما في حملة الانتخابات الرئاسية القادمة في أكتوبر”.

وتابعت: “في كلتا الحالتين، يبدو أنه يحاول إسكات أي أصوات قد تعرضه للخطر، وهذا، بدوره، يهدف إلى إضعاف المجتمع المدني ككل”.

كما ينقل التقرير عن رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، قوله إن “استهداف قيس سعيد لمعارضيه يزداد بشدة”، مضيفا أن “الدولة تستغل الأحكام القانونية بشكل تعسفي، وأن الهدف هو القضاء على أي منافسة لقيس سعيد وتحييد أي مرشح معارض قبل موعد الانتخابات.”

وحسب التقرير فإن “قاعدة الدعم المزعومة لسعيد غير مبالية بشكل متزايد، مما يشير إلى انفصال عميق بين الشعب والمؤسسة السياسية”، وذلك وفق تحليل صادر عن مركز بروكسل الدولي.

 ويشير التحليل، إلى تراجع معدلات المشاركة السياسية خلال المحطات الانتخابية الأخيرة، ففي الانتخابات المحلية، شارك حوالي 12.44 في المئة من الناخبين المسجلين، وهي النسبة ذاتها تقريبا، التي سجلت في الانتخابات التشريعية ما يجعل تونس تتجه وفق التحليل إلى نوع من “اللامبالاة السياسية”.

وفي مقابل الانتقادات المتزايدة  لسياسات الرئيس قيس سعيد، وفق التقرير، فإن الاتحاد الأوروبي “يعتمد بشكل عاجل على تونس للتحكم في الهجرة غير النظامية، خاصة من دول إفريقيا جنوب الصحراء”.

ويضيف: “لهذا الغرض، أبرم الاتحاد اتفاقية شراكة مع تونس، يمنحها بموجبها أكثر من مليار يورو، بما في ذلك حوالي 105 مليون يورو للحد من الهجرة غير النظامية، وهي الاتفاقية التي تعرّضت لانتقادات شديدة من منظمات حقوق الإنسان بسبب التعامل القاسي للسلطات التونسية مع المهاجرين وطالبي اللجوء.

في مواجهة هذا التحدي، ترى الباحثة الألمانية في شؤون المغرب العربي إيزابيل ويرينفلز، أنه يجب على الاتحاد الأوروبي” إيجاد طريقة للتوازن بين هاتين المصلحتين”.

وقالت ويرينفلز : “من المهم لبروكسل أن تستمر على الأقل العملية الديمقراطية مثل الانتخابات في تونس”، لكنها تستدرك مرجحة، أن يقع “التغاضي عن عمق هذه العمليات الديمقراطية وحقيقة نجاعتها”.