دماء تونسية في القدس أسقطها التأريخ
tunigate post cover
تونس

دماء تونسية في القدس أسقطها التأريخ

2021-06-08 11:50

تسنيم قشوع
لطالما كان حب التونسيين لفلسطين قولا وفعلا، ولم يشف هؤلاء من حبهم تجاه القضية الفلسطينية يوما ولن يهنأ لهم بال إلا بتحريرها واستعادة الأرض العربية، رغم القضايا الكثيرة  التي تشغل الشارع التونسي داخليا، إلا أنهم لم يتوانوا يوما عن وضع قضية فلسطين ضمن أولوياتهم.

 أبطال كبروا على النضال والكفاح المسلح وتعلموا أن فلسطين هي أرض عربية وجزء من عقيدتهم، التي لطالما نادوا بتحريرها ورغبوا في مشاركة أبنائها النضال ضد الصهيونية كواجب قومي لا يفوقه أيّ واجب.

فما كان منهم إلا أن هبّوا لنصرتها خلال عشرينيات القرن الماضي، بعد تأسيس الحزب الحر التونسي عام 1920، حيث توّسع الاهتمام بالقضية الفلسطينية من قبل الصحافة في تلك الفترة، حتى أحداث ثورة البراق عام 1929 في القدس.

 الهبة التونسية منظمة أم عفوية؟

يجيب الدكتور عبد اللطيف الحناشي أستاذ التاريخ المعاصر والراهن في جامعة منوبة لبوابة تونس، على هذا السؤال بالقول:”في أوائل الثلاثينيات هب التونسيون للتبرع بمالهم وقطعهم الذهبية من أجل الوصول إلى فلسطين وأطلقت الحملات وتشكلت ثلاث جمعيات في تونس لمساندة الشعب الفلسطيني وهي لجنة منكوبي فلسطين ولجنة إسعاف فلسطين ولجنة الدفاع عن فلسطين، وبعد ثورة فلسطين الكبرى عام 1936 أطلق محيي الدين القليبي أبرز وأهم قيادات الحزب الحر الدستوري حملة سُميت بـ “يوم الصوم” جمّع فيها مبالغ طائلة من أجل الفلسطينيين واستمرت سنة كاملة”.

 دوافع المتطوعين التونسيين كانت متنوعة ومختلفة، فمن هؤلاء من دفعته العاطفة وحبه لفلسطين فاختار رهن مدخراته من الذهب وتبرع بماله، أما الغالبية العظمى من المتطوعين  فكانوا طلابا قادمين من فرنسا والجزائر وليبيا وتونس، منتظمين ضمن حركات قوية وسياسية فلسطينية مثل فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية.

استمرت عمليات التطوع إلى جانب الفلسطينيين حتى عام 1982، حيث التحق عدد من التونسيين بصفوف الجيش السوري ومن ثم انتقلوا إلى بيروت، فكان الدكتور عبد اللطيف الحناشي ضمن صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلال السبعينيات، شارك في مهمات سياسية داخل الإطار الطلابي، قبل أن يلتحق بصفوف المجاهدين ويقول الحناشي:”ما يزال منهم حتى الآن من يناضلون في لبنان إلى جانب المنظمات الفلسطينية”.

 وقد تطوع أغلبهم بدافع فكرهم الأيديولوجي والسياسي المنظم، حيث كانوا على أهبة الاستعداد لامتلاكهم الدراية العسكرية والفكرية بطبيعة الكيان الصهيوني وخطورته، إضافة إلى الجانب الإنساني والتضامن مع معاناة الشعب الفلسطيني.

يشير الحناشي إلى الدور الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل حينذاك بتأطير المواطنين ودفعهم إلى التطوع لصالح القضية الفلسطينية.

أول شهيد تونسي في سبيل القضية الفلسطينية

كان المبروك العباسي أول متطوع تونسي من أجل فلسطين، أصيل تطاوين جنوب شرق تونس، غادر البلاد عام 1935 للدراسة في القاهرة بجامعة الأزهر وحين اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936 التحق بصفوف مقاتليها وأُلقي القبض عليه من قبل القوات البريطانية عام 1939 وحكم عليه بالإعدام.

حاولت المحكمة العسكرية آنذاك تخفيف حكمه إلى مؤبد، إلى أن استطاع الهرب أخيرا وظل مختبأً لفترة طويلة حتى التحق بجيش الإنقاذ عام 1947.

خاض المبروك ثلاث معارك، أصيب خلالها بثلاثة عيارات نارية على مستوى ساقه وأُلقي القبض عليه واستشهد أسيراً.

متطوعو المقاومة التونسية ساروا سراً ومشياً على الأقدام

يقول الدكتور وأستاذ التاريخ المعاصر عبد اللطيف الحناشي لبوابة تونس، إن المتطوعين التونسيين حاولوا قطع الحدود التونسية وصولا إلى ليبيا سرا ومشيا على الأقدام خوفا من الاحتلال الفرنسية في تلك الفترة.

ووفقا للأرقام الأرشيفية فإن عدد التونسيين الذين تطوعوا للقتال في صفوف الفلسطينيين بلغ عددهم قرابة 2676 متطوعا، من غالبية المناطق التونسية بتفاوت طفيف بينهم، من منطقة  قابس في الجنوب الشرقي خرج 222 متطوعا ومن مدينة صفاقس تطوّع 276، أما تونس العاصمة فبلغ عدد المتطوعين منها 657 تونسيا.

استطاع هؤلاء المتطوعون الالتحاق بصفوف الجيشين السوري والمصري والقتال على الجبهات الشمالية والجنوبية، كما تمكنوا من أسر 12 جنديا إسرائيليا على الحدود الشمالية السورية الفلسطينية والسيطرة على قلعة القسطل.

يقول المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه “فلسطين والفردوس المفقود”، خمسة شهداء تونسيين منهم، علي بن صالح التونسي الذي استشهد في إحدى قرى يافا وعبد الحميد الحاج سعيد  وبلقاسم بن عبد القادر اللذان استشهدا جنوب القدس ومحمد التونسي وأحمد إدريس اللذان استشهدا قرب قبة راحيل في بيت لحم.

في آواخر السبعينيات، التحق عدد كبير من التونسيين بمختلف المنظمات الفلسطينية وناضلوا في صفوفها في مواقع مختلفة شهدت عمليات نوعية وحساسة، استشهد خلالها ميلود ناجح نومة وعمران كيلاني المقدم وخالد الوسلاتي ومقداد الخليفي ومحمد صالح منصور ومصباح الأبيض وسامي الحاج علي ورياض بن جماعة وبليغ اللجمي وفيصل الحشائشي من مدينة قابس الذي استشهد إثرعملية بطولية في منطقة العيشية على مشارف فلسطين مع الحدود اللبنانية عام 1993.

محمد الزواري آخر شهداء تونس 

قائمة شهداء تونس لأجل فلسطين لم تنته هنا، فمنهم من ذكرته كتب التاريخ ومنهم من لم يُذكر بسبب عدم التدوين، لكن وفي وقت ليس ببعيد، عام 2016  تحديدا، استشهد مهندس الطيران محمد الزواري أصيل مدينة صفاقس جنوبي تونس، إثر اغتياله بتاريخ 15 ديسمبر على يد مجهولين أطلقا عليه ثمان رصاصات من مسدسين كاتمين للصوت استقرت في جسده.

واتهمت كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس إسرائيل باغتياله، لأنه كان أحد القادة في صفوفها وممن أشرفوا على مشروع طائرات “الأبابيل القسامية” والتي كان لها دور في حرب “العصف المأكول” مع إسرائيل عام 2014.

“ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة

يقول الدكتور عبد اللطيف الحناشي لبوابة تونس مستشهدا بمقولة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، هذا ما آلت إليه الأحداث الأخيرة في فلسطين وكان ذلك واضحا في قدرة المقاومة على مواجهة إسرائيل عبر قوتها العسكرية، حتى وإن لم تكن متكافئة، إلا أن المقاومة استطاعت تغيير المعادلة السياسية في المنطقة، على حد قوله.

الدكتور الحناشي لديه قناعة مطلقة بأن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض والقضية ومن يمتلكون قوة الدفاع عنها، متمنيا من الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه أن يستثمر هذا النصر الذي تحقق حتى  على المستوى النفسي ليجعلوه واقعا عسكريا وسياسيا في القريب العاجل.

وبشأن تغييب القضية الفلسطينية لسنوات ماضية عن الساحة الدولية، قال أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة منوبة، إن ثورات الربيع العربي قد أسهمت في تغييب القضية عن المسرح الدولي، لكن ما حدث في حي الشيخ جرّاح وهبة شبان القدس والداخل المحتل وما أظهرته المقاومة من قوة عسكرية أعادت لها بريقها، مؤكدا دور الفلسطينيين في إدارة المعركة.

وأشار الحناشي إلى قدرة المقاومة على ضرب إسرائيل، واصفا إياها بالجريئة، فهذه الجرأة لم تتكرر منذ عام 1991 عندما أقدم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على ضرب إسرائيل  وعام 2006 من قبل حزب الله اللبناني، مشيرا إلى أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يشهد ذلك ولم يجرؤ أحد على إدخال الرعب في قلوب الصهاينة، على حد تعبيره.

أكد الدكتور عبد اللطيف الحناشي حكمة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، حين طرح خطته “خذ وطالب” وسياسة المراحل، معتبرا إياها بالجريئة ورغم هذا وبحكم علاقاته بالمؤتمر الصهيوني إلا أنه لم يلجأ إلى التطبيع مع إسرائيل على عكس دول عربية أخرى.

تونس حاضنة المقاومة

منذ بداية احتلال فلسطين اعتبرها التونسيون قضيتهم الأولى، فلم تقدم تونس أبناءها شهداء لأجل فلسطين فقط، لكنها كانت أيضا حاضنة للمقاومة الفلسطينية في الثمانينات، عندما استقبلت منظمة التحرير الفلسطينية وآلاف المقاتلين عقب اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وأصبحت الجمهورية التونسية بذلك مقرا للرئيس الراحل ياسر عرفات حتى عام 1994.

 ليس هذا فحسب، بل قصف سلاح الجو الإسرائيلي مقر المنظمة في منطقة حمام الشط جنوب العاصمة في أكتوبر عام 1985 واستشهد خلال العملية 68 تونسيا وفلسطينيا، إضافة إلى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير عام 1988.

كل هذا الصراع على أرضها ولم تتوان تونس عن أن تكون الحاضنة الحقيقية للفلسطينيين والبلد الحامي للقضية الفلسطينية، بشعبها وأرضها وترابها الذي ارتوى بحب فلسطين وفاح عطره بدماء الشهداء لأجلها.

القضية الفلسطينية#
المقاومة الفلسطينية#
تونس#

عناوين أخرى