تونس رأي

دكتوراه حول الدين والدولة في “إسرائيل”.. تطبيع في الجامعة التونسية أم مقاومة؟

عبدالسلام الزبيدي 
احتضنت كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة (تونس)، الأربعاء 05 جوان 2024 مناقشة أطروحة دكتوراه عنوانها: إشكالية الدين والدولة في “إسرائيل”، أعدّتها الطالبة شادية الطرودي تحت إشراف الدكتور  فوزي البدوي. وتكوّنت اللجنة من الدكاترة رجاء بن سلامة رئيسةً، وزهيرة جويرو مقرّرةً أولى، ونادر الحمامي مقرّرًا ثانيا، وعبداللطيف الحناشي عضوا.
وسبق النقاش الأكاديمي للأطروحة المصنّفة ضمن علم الأديان في قسم الحضارة بالكليّة، جدال انقسم فيه التونسيون، كعادتهم، إلى فسطاطين. الفسطاط الأوّل، ندّد بالتطبيع المغلّف بالبحث الأكاديمي، واستنكر  إطلاق عبارة دولة على كيانٍ صهيوني لقيط وعنصري واستيطاني، وطالب  بفضح هذا التيّار السائر عكس إرادة الشعوب وخارج مقولات المقاومة. أمّا الشقّ الثاني فدعا إلى عدم تسبقة أيّ شيء على الحساب قبل قراءة الكتاب والاطلاع على ما فيه، وذكّر بأنّ معرفة العدوّ مدخلٌ للانتصار عليه، وفرّق بين الوضع القانوني والدولي وبين الاعتراف بالوضع وبشرعيته، ونبّه إلى خطورة تسلّل الشعارات الإيديولوجية إلى مدارج البحث الأكاديمي.
قادني الجدل إلى قاعة الأستاذ أحمد إبراهيم بكلية الآداب، لأكون شهيدًا على قوْل الباحثة شادية الطرودي ولفيف الدكاترة الذين شكّلوا اللجنة. ولذلك لن أخرج في هذا المقال عن النقل والإخبار، بعيدا عن إطلاق الأحكام والتقييمات. إنّه المستوى الصفر من العمل الاعلامي، أي نقل المادة في شكلها الخام أو أقرب ما يكون إلى ذلك.
دوافع النظر في المسألة الدينية في إسرائيل 
يبدو أنّ الطالبة الطرودي قد حملت معها الجدل الفيسبوكي إلى قاعة المناقشة، فكان أوّل ما تلفّظت به بعد الشكر هو
“الكيان الصهيوني” باعتباره محور اهتمام الرسالة، مع التشديد على  وضع  عبارة “إسرائيل” بين ظفرين عند نطقها، تماشيا مع طريقة كتابة عنوان الرسالة ومع ما هو مرسوم في العرض المرئي.
واعتبرت موضوع (إشكالية الدين والدولة في “إسرائيل”) استكمالا لمشروع سجّل حضوره في بحثيْها السابقين بالأستاذية والماجستير. ذاك هو الدافع الذاتي المتمثّل في مشروع بحثي يدور حول الدراسات اليهودية.  أمّا الدوافع الموضوعية فتوزّعت بين حداثة المسألة وراهنيتها، والتعرّف على تعامل الكيان الصهيوني مع الأصولية الدينية، والتعمّق  في دراسة الوضع الداخلي للكيان والوقوف على حجم الأزمة الاجتماعية داخله بين المتديّنين والعلمانيين، ورصد أوجه الصراع واستشراف انعكاساته ومآلاته.
وفي معرض تقديمها للإشكالية الرئيسية، حامت الباحثة شادية الطرودي حول مسألة علاقة الدين والدولة واختلاف الدول في تنظيم موضع الدين فيها ودوره وحدوده، في حين أنّ إسرائيل تنفرد بغياب هذا الدستور حتى يقوم بدور المُنظِّم. وفي ظلّ هذا “الغياب”، ينبغي تحديد النصوص والمرجعيات البديلة انطلاقا من “الآباء المؤسسين” ونصوصهم  على غرار تيودور هيرتزل وإبراهيم حاييم كوك أب الصهيونية الدينية.
وقسّمت الباحثة الرسالة إلى ثلاثة أبواب، الأوّل بعنوان “جدلية العلاقة بين الدين والدولة منذ ظهور الصهيونية إلى تأسيس الدولة”. ودار الباب الثاني حول التوتّر بين الدين والدولة ما بعد قيام إسرائيل: أطرافه، مجالاته، وأهم مراحلة في ضوء التصدّع الديني العلماني في المجتمع الإسرائيلي ممّا جعل اليهودية جمعا لا مفردا وكذلك الشعب. وكان خاتم الأبواب حول راهنية المسألة، حيث خلصت الطالبة إلى أنّ مراجعة “اتفاقية الوضع الراهن” لم تؤدِّ إلاّ إلى تعميق الخلافات، ممّا حدا بهم إلى الحفاظ عليها حفظا للتوازنات القائمة والسائدة منذ التأسيس. وأشارت إلى أنُ الحكومة الحالية، وعددها 37، تُجسّد الانزياح المتواصل نحو اليمينية المتطرّفة، فالحكومة المنبثقة عن الكنيست الخامس والعشرين هي الأكثر تطرفا منذ سنة التأسيس أمميّا.
وخلصت الباحثة شادية الطرودي إلى ثمانية استنتاجات من بينها أنّ إشكالية الدين والدولة في إسرائيل معقّدة وتتشابك مع الديمغرافيا والدولة والمجتمع، وأنّه لا حلّ لها في الأفق المنظور. وتمثّلت ثاني الخلاصات في أنّ إسرائيل قامت بمأسسة الدين اليهودي في صيغته الأرثوذكسية الربانية الأشكانازية الأكثر تشدّدا، وذلك تكريسا للدور الوظيفي للدين توحيدا للشعب وحفظا له من الذوبان وتشتّت هويته.
وشدّدت الباحثة على أن الطابع العنصري للدين وتوظيفاته، تكريسا للاحتلال الاستيطاني وحرمانا للفلسطينيين من حقوقهم، ولذلك كان التأكيد على فرض الطابع اليهودي للدولة. وأشارت إلى تحقّق القراءات الاستشرافية بصعود اليمين وتحوّله من الهامش إلى المركز وتراجع اليسار، كما لاحظت تأييدا جماهيريا لتغييرات جذرية في مسائل الدين والدولة مقابل إجراءات مؤقتة. فالمخاوف متعاظمة من تفكّك ما يسمّى بـ”الديمقراطية الإسرائيلية” من الانزلاق نحو دولة دينية. وغنيّ عن التذكير أنني بصدد النقل والتقريب ولست في مقام القراءة أو النقد.
الجامعة التونسية.. مقاومة والتزام 
من جهته، أكّد الأستاذ المشرف فوزي البدوي أنّ ما قدّمته الطرودي هو من الأعمال القليلة التي يشعر نحوها برضى كبير. فقد حقّقت الباحثة ما أسماه بالرعاية لحقوق المعرفة حيث استوفت الشروط الضرورية لإنجاز البحث ومن بينها حذق اللغات وعلى رأسها العبرية، كما حقّقت ما وصفه بالرعاية لحقوق الله، في إشارة إلى الالتزام بالقضية الفلسطينية.
وشدّد البدوي على أنّ الجامعة التونسية تقوم، صلب وظائفها الأساسية، بالفهم العلمي والأكاديمي للمجتمع الإسرائيلي. وهذا البحث لبنة ضمن ما يدعو إليه من تأسيس “الاستهواد” قياسا على الاستشراق. مؤكدا أهمية تحويل إسرائيل إلى موضوع دراسة علمية، مع الحرص على التمييز بين المستوى القانوني للموضوع وبين المشروعية والاعتراف، فالمسألتان مختلفتان.
ولفت إلى أنّ راهنيتة مسألة علاقة الدين والدولة في “إسرائيل” (حرص على أن يستعمل عبارة بين ظفرين أو مُعقّفيْن في أكثر من مناسبة) والصراعات الناجمة عنها ذات صلة مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية. فهي تمسّ طبيعة هذه الدولة، ومحدّدات الحل المستقبلي (دولة ثنائية القومية أم دولتان لشعبين منفصلين).
وانتقد الدكتور فوزي البدوي الشعار الذي ترفعه إسرائيل عند تعريف نفسها بأنّها دولة يهودية وديمقراطية. فهي تحرص على الجمع الذي لا يستقيم بين الأمرين، إنّها كما يقول عضو الكنيست الطيبي ديمقراطية مع اليهود ويهودية مع العرب. وهذه الإشكالية في حاجة إلى أن تُفْهَم وأن تُفَسَّر حتى نعرف إلى أين يصير الموضوع. فإسرائيل تحت سطوة 15% من المتديّنين القوميّين الذين يعتبرون أنّ حلّ الصراع لا يكون إلاّ من وجهة نظر دينية وفي إطار دولة يهودية.
واستشرافا للوضع، أكد البدوي أنّ إسرائيل ستعرف مزيدا من الأصولية الدينية، وهو ما سيكون له انعكاس على قضايا الأرض والاستيطان والقدس. وخلص إلى القول، إنّه بهذا الالتزام بالقضية الفلسطينية ومحاولة فهم الداخل الإسرائيلي تقدّم الجامعة التونسية أولى باكوراتها لدعم القضيّة.
وانطلقت الدكتورة زهيرة جويرو من حيث انتهى الدكتور البدوي، مشدّدة على أنّ الموضوع يعبّر عن انخراط الجامعة التونسية في القضايا الراهنة وذات المستوى العالي من الخطورة. وفي السياق ذاته اعتبره الدكتور نادر الحمامي شكلا من أشكال المقاومة بمقتضاها يقوم كلّ طرف بما ينبغي عليه القيام به من موقعه. فمثل هذه البحوث أصبحت حاجة ملحّة، فنحن في حاجة إلى مقاربة هذه المسائل مقاربة معرفية، مع العودة إلى مفهوم  الالتزام، ذلك أنّنا نحتاج شحنة عاطفية وصفها بالضرورية في مثل هذه المواضع. وسار الدكتور عبداللطيف الحناشي على الدرب  نفسه في ما يتعلّق فقط بطبيعة الموضوع، أمّا طريقة التناول والمنهج والموضوع، فذلك شأن آخر.
ومن الطبيعي أن تُحصي اللجنة مواطن الخلل، بدءا بالصياغة اللغوية والثغرات على مستوى تقنيات البحث والتوثيق والمرجعيات، مرورا بإغفال تمفصلات مهمة ورئيسية على غرار وضع الصهيونية ذاتها على مشرحة النقد في علاقة بالمسألة الدينية وبالتأسيس، وغياب وجهة نظر مقابلة من خلالها تكون المقارنة، وتقسيم العمل زمنيا وليس وفق طبيعة الإشكالية، وصولا إلى غياب إضافة واضحة في الأطروحة مقارنة بما كُتِب ونُشر، وهو كثير وفق تأكيدات أستاذ التاريخ الدكتور عبداللطيف الحناشي.