"دريم هاوس" تجمع بين التراث المادي واللامادي في دار الجلولي برادس
tunigate post cover
ثقافة

"دريم هاوس" تجمع بين التراث المادي واللامادي في دار الجلولي برادس

هشام الدرويش وصلاح مصدق يختتمان تظاهرة "دريم هاوس" برادس المراح عبر حكايات شعبية تحفّز على العمل وتنتقد الكسل
2022-05-01 15:38

صابر بن عامر

اختتم الفداوي/ الحكواتي هشام الدرويش والممثل المسرحي صلاح مصدق، مساء أمس السبت 30 أفريل/ نيسان فعاليات الدورة التأسيسية لتظاهرة “دريم هاوس” برادس (الأحواز الجنوبية للعاصمة تونس)، عبر ثلاث حكايات مُستلهمة من التراث اللامادي الشفوي الذي كانت تسرده الجدّات للأحفاد، أو الحكائين من الذكور في ليالي السمر الرمضاني بالمقاهي والساحات العامة قبل اقتحام المذياع والتلفاز منازلهم.

“شجرة التفاح” و”بودينار” و”سيدي علي الريح” ثلاث “خرافات” رواها هشام الدرويش في تدخّلات رشيقة للوجه التلفزيوني المعروف صلاح مصدق، الذي يمثّل الواقع في الحكاية، في حين يمثّل الدرويش الخيال…

بشخصياتهما الحقيقية، الأول أستاذ تنشيط ثقافي وحكواتي، والثاني ممثل مسرحي، كان الأخير يُشاكس الأول وهو يسرد حكاياته على جمهور دار الجلولي برادس، فيصحّح له معلومة حينا، ويسخر من خياله الجامح حينا آخر، لينتهي هو نفسه ساردا حكاية “بودينار” التي تحفّز على الاجتهاد في العمل وتجنّب الكسل الذي لا يُقدّم ولا يُؤخّر، بل يُؤخّر بصاحبه إلى مراتب دونية اقتصاديا واجتماعيا.

“يوفى (ينتهي) مال الجدين وتبقى صنعة اليدين” هي ملخّص أو حكمة حكايتي “بودينار” و”سيدي علي الريح” أما “شجرة التفاح” فمثّلت رمزيا حنان الأم ورعايتها لأبنائها الذين ترضعهم من ثدييها وهم صغار، وتمنحهم الراحة والسكينة وهم كبار، فتظلّلهم بظلها شيبا كانوا أو شبابا، من خلال حبها الذي لا ينضب، وتؤمّن لهم قوتهم وزادهم وزوّادهم وهم في ريعان شبابهم، فتمنحهم ثمارها، وهو عرقها في سبيل إسعادهم، وتؤّمنهم من خوف وتقيهم عاتيات الدهر وهم في خريف العمر، فتحتضنهم بحكمتها وجلدها وإن ماتت دونهم.

ثلاث حكايات تفاعل معها الجمهور بالضحك والتأثّر، ليُرسل الثنائي موعضته في ألبابهم بعيدا عن المُباشرة الفضة. وقد زاد الفضاء الحاضن للعرض من جمالية السرد واتساقه بالأجواء التي كانت تُحكى فيها مثل هذه الخُرافات، فالمجلس أشبه بقاعة جلوس عتيقة سقفها منحوت بعلامات ورموز مستلهمة من فني الأرابيسك والمنمنمات والجدران عالية ممتّدة إلى السقف، تُسمعك رجع صدى الحكواتي دون الحاجة إلى مضخّم صوت، وهو ما يُحيل القابع في الصالة إلى صخب، وليس صمت هذه المرة القصور العامرة بأهلها والحشم والخدم في زمن ولّى ومضى.

ودار الجلولي التي انتصبت شامخة وسط مدينة رادس العتيقة، شيّدت في العام 1898، وهي عبارة عن قصر فسيح ذات طراز أسباني من ثلاثة طوابق تشقّه في المدخل حديقة شاسعة ومدرج يقود إلى البناية التي تتوزّع فيها قاعات النوم والجلوس والمطابخ والحمامات على اليمين والشمال، علّقت على جدرانها صور لبعض آل الجلولي انطلاقا من مالكها الأصلي الصادق الجلولي الحاكم القائد، مرورا بالوزراء محمد والطيب الجلولي وصولا إلى مالكها الحالي المنصف الجلولي.

واستطاع أستاذ التنشيط الثقافي والحكواتي هشام الدرويش أن يفتّك مكانته على الساحة الثقافية كفداوي له أسلوبه الخاص في سرد الحكايات بطريقة تربوية بيداغوجية متفرّدة، وعلى امتداد خمس سنوات قدّم فيها مئات الحكايات والمواقف والعبر الإنسانية، ممّا جعل العديد من الأولياء يبحثون عنها في كل المكتبات وعبر مواقع التواصل الاجتماعي ليقدّموها إلى أطفالهم ومنها جاءت فكرة نشرها وتوثيقها في كُتب جيب تحت عنوان “سلسلة حكايات درويش”، لتكون الاستفادة أكثر.

وعن هذه التجربة قال درويش لبوابة تونس: “السلسلة هي تتويج لجهد امتدّ زهاء أربع سنوات من اشتغالي على التراث الشفوي من أمثال شعبية وحكايات تونسية وأقوال مأثورة، وقد كانت لي تجربة ثرية جدا في برنامج “نوّار عشية” مع معز الغربي في الإذاعة الوطنية من خلال فقرة “خدمة نظيفة” ومنها كانت الفكرة في اقتباس الحكايات وإعادة صياغتها وتقديمها بأسلوب مغاير”.

والحكايات التي أتت في عشرين كتاب جيب صادرة عن دار نقوش عربية لصاحبها المنصف الشابي، مكتوبة بالدارجة التونسية، ومن المنتظر أيضا أن توثّق بشكل مسموع ضمن ما يُصطلح على تسميته بالكتاب المسموع من خلال تسجيلها مؤدّاة بصوته بتقنيات فن السرد والحكاية.

وهشام الدرويش فنان شامل جمع بين التنشيط الإذاعي والفن المسرحي والكتابة، كسب رهان تطويع الحكاية والمثل الشعبي من خلال “حكاية وعبرة”، وهو عمل مسرحي حكائي موجّه إلى الأطفال حقّق نجاحا جماهيريا عريضا في مختلف عروضه.

أما رفيقه في السرد صلاح مصدق، فهو ممثل تونسي مسرحي بدأ حياته الفنية عام 1974 على خشبة المسرح وتتلمذ على مدارس متعددة، أما في التلفزة فتجاربه كثيرة وعديدة أبرزها “صليح” في “الخطاب على الباب”، كما شارك في مسلسلات: “ليام كيف الريح” و”غادة” و”منامة عروسية” و”إخوة وزمان” و”الليالي البيض” و”قمرة سيدي المحروس” و”لوتيل” و”مكتوب” و”دار نانا” و”شورّب” و”أولاد الغول” وغيرها الكثير، ويعدّ من أكثر الفنانين شعبية على مستوى الشاشة التلفزيونية، وأيضا السينمائية وهو الذي شارك في “عصفور السطح” و”جنون” و”النخيل الجريح” و”عزيز روحو” وبيك نعيش” وغيرهم، كما له في المسرح تجارب عديدة ومديدة لعلّ أبرزها: “عيشو شكسبير” و”مراد الثالث” و”المتشعبطون” و”راجل ومرا” وكلها من إخراج محمد إدريس، إلى جانب “برج لوصيف” للشاذلي العرفاوي  و”الراهب ابن الأغلب” لمحمد منير العرقي و”الحياة حلم” لحسن المؤذن وغيرها.

وانطلقت الدورة الأولى من تظاهرة “دريم هاوس” في السابع والعشرين من أفريل/ نيسان الماضي وحتى الثلاثين منه، بدار الجمعيات برادس عبر أمسية شعرية للشاعرين المنصف المزغني وسوف عبيد والمسرحي كمال العلاوي.

فيما تفاعل أحباء الإنشاد الديني، مساء الخميس 28 أفريل/ نيسان مع العرض الصوفي للفنان هيثم الحضيري بساحة سيدي بويحي برادس القديمة “المراح”.

وللمسرح مكان في “دريم هاوس” من خلال العرض المونودرامي “هارب من الدولة الإسلامية” للمخرج وليد الدغنسي والممثل منير لعماري عن نص أصلي مستوحى من رواية “كنت في الرقّة” للصحافي التونسي هادي يحمد، والذي احتضنته دار الأحمر برادس المراح مساء الجمعة 29 أفريل/ نيسان الماضي.

والتظاهرة التي أتت بتنظيم من مركز الفنون الدرامية والركحية ببن عروس بالشراكة مع بلدية رادس وبعض الجمعيات الأهلية بالمنطقة، قال عنها مؤسّسها المخرج المسرحي معز عاشوري في تصريح خاص لبوابة تونس: “هي تظاهرة فنية متنوّعة  بالفضاءات والمنازل العتيقة بالتعاون مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ببن عروس وبلدية رادس، وذلك في سعي منا إلى تثمين التراث المادي، قصور وبيوت، ومن ثمة اللامادي، ممثلا في فن الحكواتي والإنشاد الصوفي وغيرها من الفنون، ليكون الفضاء ملهما للفنان والمثقّف على السواء، فمنه تنطلق الحكاية/ العرض وإلى الجمهور يعود في أجواء رمضانية ساحرة، يكون فيها التفاعل حميميا بين الباث والمتقبّل”.

وهو يأمل أن تكون الدورة القادمة أكثر انفتاحا على الدور التاريخية المنتشرة بكثافة في ضاحية رادس، المستقر “الربيعي” للبايات الحسينيين.

ثقافة#
رادس#
فنون#
مهرجان#

عناوين أخرى