كشفت دراسة عن وجود فجوة بين التكوين الأكاديمي في قطاع التكنولوجيا ومتطلبات المؤسسات الاقتصادية، ولا يتعلق الإشكال بالمستوى النظري -إذ تتميز الجامعات ومؤسسات التكوين التونسية بجودة التأهيل العلمي- وإنما يكمن في محدودية الجانب التطبيقي والتدريب الميداني داخل المؤسسات.
جاء ذلك في تصريح للمدير العام للمرصد الوطني للتشغيل والمهارات بوزارة التشغيل والتكوين المهني، فاخر الزعيبي، اليوم الاثنين 13 جويلية لإذاعة إسكبراس.
وقال الزعيبي إن الدراسة المتعلقة بسوق الشغل والمهن والكفاءات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والتي تم الإعلان عنها في الآونة الأخيرة تندرج ضمن منظومة وطنية لليقظة واستشراف المهن والمهارات.
وتابع: “وتهدف إلى توفير معطيات دقيقة تساعد مختلف المتدخلين في مجالات التكوين والتعليم والتشغيل على اتخاذ القرار ورسم السياسات العمومية”.
وأوضح الزعيبي أن هذه الدراسة تعدّ واحدة من خمس دراسات قطاعية، شملت قطاعات النقل واللوجستيك، والصناعات الغذائية، والإلكترونيك، والبناء والأشغال العامة، إلى جانب قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وقد أنجزت على المستوى الوطني، إضافة إلى دراسة مقارنة مع خمس دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا ولوكسمبورغ.
وأشار المسؤول إلى أن المنظومة تم إرساؤها بصفة مؤسساتية من خلال لجنة وطنية تضم مختلف الأطراف المعنية بإعداد الموارد البشرية، تتولى تحديد القطاعات ذات الأولوية ومتابعة الدراسات، إلى جانب لجان فنية مختصة تشرف على تنفيذها.
وأكّد أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال يمثل اليوم أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في تونس، إذ يساهم بأكثر من 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وترتفع مساهمته إلى أكثر من 11٪ عند احتساب أنشطة الاتصالات، فضلا عن دوره في خلق القيمة المضافة وفرص العمل.
وأضاف فاخر الزعيبي أن قطاع تكنولوجيا المعلومات يشغّل 120 ألف شخص، من بينهم 104 آلاف في القطاع الخاص، ما يعكس أهميته المتزايدة في الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن الطلب على الكفاءات الرقمية يشهد ارتفاعا كبيرا على الصعيدين الوطني والدولي، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبرني، وتحليل البيانات، والحوسبة السحابية، وتطوير البرمجيات المتقدمة.
وأوضح الزعيبي أن الدراسة استندت إلى توقعات المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني، والتي تشير إلى أن أوروبا ستحتاج إلى قرابة 20 مليون مختص في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال بحلول 2030، في حين لن تتمكّن منظومتها التعليمية إلا من توفير ما يزيد قليلا عن 10 ملايين مختص، وهو ما يعني وجود فجوة تقارب 10 ملايين كفاءة سيتم تعويضها باستقطاب مختصين من خارج الاتحاد الأوروبي، من بينهم الكفاءات التونسية.
وأضاف أن الدراسة كشفت عن وجود فجوة بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات المؤسسات الاقتصادية.
وبيّن أن الإشكال لا يتعلق بالمستوى النظري، إذ تتميز الجامعات ومؤسسات التكوين التونسية بجودة التأهيل العلمي، وإنما يكمن في محدودية الجانب التطبيقي والتدريب الميداني داخل المؤسسات.
وشدّد على ضرورة تعزيز الشراكة بين الجامعات ومراكز التكوين والمؤسسات الاقتصادية، حتى يكتسب الطلبة خبرات عملية تستجيب للحاجيات الحقيقية لسوق الشغل.
وأوضح فاخر الزعيبي أن الدراسة حددت ثمانية اختصاصات تتصدر احتياجات سوق الشغل، أبرزها الأمن السيبراني، بما يشمل محللي مراكز العمليات الأمنية ومهندسي أمن المعلومات، الذكاء الاصطناعي، علم البيانات وتحليل البيانات، هندسة تعلم الآلة، الحوسبة السحابية، تطوير البرمجيات المتقدمة، هندسة البنية السحابية، واختصاصات إدارة البنى الرقمية الحديثة.
وأشار إلى أن ترتيب هذه المهن اعتمد على مؤشر مركب يأخذ بعين الاعتبار حجم التشغيل الحالي، وآفاق النمو المستقبلية، ومدى صعوبة توفير الكفاءات المطلوبة.
كما تطرق المسؤول إلى برامج التكوين التكميلي التي تعتمدها الوزارة لسد الفجوة بين التكوين الأساسي ومتطلبات المؤسسات.
وأبرز دور الآلية 48 التي تشرف عليها الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل، والتي تمكن المؤسسات من إعداد برامج تكوين قصيرة وموجهة وفق احتياجاتها الفعلية.
وأكّد أن هذه الآلية مكنت من الاستجابة لطلب يقارب 12 ألف متكون في قطاع صناعة مكونات السيارات، في إطار برامج تكوين تكميلي موجهة للتشغيل.
واعتبر الزعيبي أن الحل في موضوع هجرة الكفاءات التونسية للخارج، لا يكمن في الحد من تنقل المختصين نحو الخارج، وإنما في مضاعفة عدد الكفاءات التي تخرجها منظومة التكوين، مع تحسين ظروف العمل والأجور داخل تونس، حتى تتمكن المؤسسات الوطنية من المحافظة على كفاءاتها واستقطاب المزيد منها.
ولفت إلى أن هجرة الكفاءات يمكن أن تمثل رافعة للاقتصاد الوطني من خلال نقل الخبرات والاستثمار لاحقا في تونس. ودعا إلى المحافظة على روابطها بالبلاد.
ودعا الزعيبي الشباب إلى التوجه نحو الاختصاصات العلمية والتكنولوجية التي تشهد طلبا متزايدا، مع الحرص على اكتساب شهادات مهنية دولية إلى جانب الشهادات الجامعية، نظرا إلى أهميتها المتزايدة في سوق الشغل.



أضف تعليقا