أهم الأخبار الآن:
ويؤكد التقرير أن هذه الروابط انتقلت رسميا من مرحلة “الدبلوماسية العرضية” إلى نموذج “الإقليمية القائمة على المشاريع”, حيث لم تعد العلاقات تعكس مساعي للاندماج الرسمي أو الاصطفاف خلف تكتلات أيديولوجية، بل باتت ترتكز على استثمارات قطاعية مرنة تمنح الدول حرية المناورة، رغم افتقارها إلى العمق المؤسسي طويل الأمد.
دوافع هيكلية وتنسيق عابر للحدود
تؤكد دراسة المجلس أن التباينات بين دول المغرب الكبير في تعاملها مع الخليج هي انعكاس لاختلافات هيكلية في تقدير المخاطر؛ ويكشف التقرير أن الاستثمارات الخليجية في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر شهدت قفزة نوعية، حيث استحوذت المنطقة على نحو 22% من إجمالي تدفقات رؤوس الأموال الخليجية الموجهة لمشاريع الطاقة النظيفة خارج شبه الجزيرة العربية.
ويوضح التحليل أن هذا التوجه يهدف لتحويل شمال أفريقيا إلى “خزان طاقة” ومنصة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بتمويل خليجي، سعيا للسيطرة على سلاسل الإمداد المستقبلية المتجهة نحو أوروبا.
المغرب والجزائر.. نماذج متباينة للإدارة السيادية
يوضح التقرير أن المغرب يمثل النموذج الأكثر تقدماً في “التوافق الاستراتيجي”، حيث تسعى دول الخليج لتأمين موطئ قدم في ميناء الداخلة الأطلسي كجزء من استراتيجية “المبادرة الأطلسية” للوصول إلى أسواق غرب أفريقيا.
في المقابل، تتبع الجزائر نهج “الواقعية السيادية”؛ ويبرز هنا مشروع “بلدنا” القطري كأضخم استثمار زراعي متكامل بقيمة تتجاوز 3.5 مليار دولار، بهدف تغطية 50% من الاحتياجات الذاتية، مما يعكس تحولا نحو التوطين الصناعي، رغم استمرار التحفظ الجزائري تجاه أدوار خليجية أخرى في الساحل وليبيا تتعارض مع أمنها القومي.
تونس وليبيا.. الرقمنة وإعادة الإعمار
وفي ما يخص تونس، يرى المجلس أن المساعدات والودائع الخليجية ساهمت في سد فجوة تمويلية تقدر بـ 15% من احتياجات الميزانية، بالتوازي مع نمو مطّرد في التعاون التقني بقطاعات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية بنسبة نمو بلغت 18%، مما يمثل “قوة ناعمة” جديدة تتجاوز المساعدات التقليدية.
أما في ليبيا، فيوصف الوضع بـ”إعادة معايرة محكومة”، حيث تتنافس الشركات الخليجية على حصة سوقية في قطاع إعادة الإعمار تُقدر بنحو 120 مليار دولار، مع تحول المنافسة إلى عقود استراتيجية في الموانئ والاتصالات.
مستقبل “الهندسة المتغيرة”
يختتم المجلس تحليله بتأكيد أن مستقبل هذه العلاقات سيبقى ضمن إطار “الهندسة المتغيرة”؛ وهي صيغة تسمح بالتعاون في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والتباعد في ملفات أخرى.
ويشدد التقرير على أن الاستقرار في شمال أفريقيا سيعتمد مستقبلا على مدى قدرة هذه الدول على إدارة “عدم التماثل” في القوة الاقتصادية، وتحويل المشاريع العارضة إلى شراكات مؤسسية مستدامة تتجاوز منطق الصفقات اللحظية لتصبح تحالفات عابرة للقارات.


أضف تعليقا