خط “ترانسميد”: تونس تجني مكاسب العبور وسط تحديات الطاقة

فرح صدوقة 
في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطرابات إمدادات الطاقة، يشكل خط “ترانسميد” الجزائري، أهمية إستراتيجية واقتصادية لتونس، باعتبار ما يوفره من إمدادات مجانية للغاز، على شكل إتاوة، والتي تساهم في الحد من فاتورة واردات الطاقة.
وفي حديث خاص لبوابة تونس، سلّط الخبير الدولي في الطاقة عزّ الدين خلف الله، الضوء على المكاسب التي تحققها تونس من هذا الخط، باعتبارها دولة عبور، بفضل المرونة التي تتيحها الاتفاقية مع الجزائر.

إتاوة وعائدات مالية

تستفيد تونس من مرور أنبوب الغاز الجزائري “ترانسميد” عبر أراضيها، اعتمادا على نظام “الأتاوة”، أي الحصول على نسبة من كميات الغاز المنقولة، وفق ما يوضح الخبير الطاقي عزّ الدين خلف الله.
ووفق خلف الله، فإن هذه النسبة تتباين حسب حجم التدفقات، إذ تبلغ 5.25% للكميات التي تصل إلى 12 مليار متر مكعب، وترتفع إلى 5.75% عندما تتراوح الكميات بين 12 و16 مليار متر مكعب، لتصل إلى 6.25% عندما تتجاوز 16 مليار متر مكعب.
وتصل القدرة الجملية للأنبوب إلى نحو 33 مليار متر مكعب سنويا، ما يعني أن ارتفاع الكميات المنقولة يزيد تلقائيا حصة تونس من الغاز، وهو ما يمثل موردا مجانيا يمكن استغلاله محليا أو بيعه.
كما يمكن لتونس، في حال عدم حاجتها إلى كامل حصتها، تحويل جزء منها إلى عائدات نقدية، وهو ما يوفّر موردا إضافيا لميزانية الدولة.

التخفيف من فاتورة الطاقة

 

تلعب هذه الأتاوة دورا مهما في التخفيف من أزمة الطاقة، إذ تساهم في تقليص كلفة واردات الغاز. ويؤكد خلف الله أن هذه الكميات تساعد على خفض حجم الشراءات التعاقدية مع الجزائر.
ورغم ذلك، تظل تونس مرتبطة بأسعار السوق العالمية، حيث يتم تحديد أسعار الغاز المستورد وفق أسعار النفط الدولية مع تأخير زمني يقارب ستة أشهر. وبالتالي، فإن ارتفاع الأسعار العالمية يحدّ جزئيا من تأثير هذه المكاسب.
على عكس عدد من الدول الأوروبية التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال المنقول بحرا، لا تواجه تونس مخاطر مباشرة مرتبطة بالتوترات في مناطق مثل مضيق هرمز، باعتبار أنها تستورد الغاز أساسا عبر أنبوب مباشر من الجزائر.
ويؤكد الخبير أن إمدادات الغاز إلى تونس تبقى مستقرة في حدود الكميات التعاقدية والإتاوة، رغم تسجيل نقص طفيف في بعض الفترات، ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء أحيانا لشراء الكهرباء مباشرة من الجزائر، إذ بلغت هذه الواردات حوالي 11% من الحاجيات سنة 2025.
يشكل الغاز الطبيعي الركيزة الأساسية لإنتاج الكهرباء في تونس، إذ يُستخدم في نحو 95% من الإنتاج الكهربائي. كما يُخصص 75% من استهلاك الغاز لإنتاج الكهرباء، مقابل 25% للاستهلاك المنزلي والصناعي والسياحي.
هذا الاعتماد الكبير يفسّر حساسية البلاد لأي تغير في الإمدادات أو الأسعار، ويجعل من الإتاوة عاملا مهما في تحقيق التوازن الطاقي.

الطاقات المتجددة خيار لتقليص الواردات

 

 

في مواجهة تراجع الإنتاج الوطني للغاز الطبيعي وارتفاع كلفة التوريد، تتّجه تونس إلى تطوير مشاريع الطاقات المتجددة كحل إستراتيجي.
وتشير المعطيات إلى دخول عدة محطات طاقات متجددة حيز الاستغلال، من بينها محطة القيروان بقدرة 100 ميغاواط والتي دخلت الخدمة في ديسمبر 2025. إلى جانب مشروع في سيدي بوزيد بقدرة 50 ميغاواط، وآخر في توزر بقدرة 50 ميغاواط ما يزال في طور الاستغلال، وهو ما يعكس توجّها متزايدا نحو دعم إنتاج الكهرباء من مصادر بديلة.
وتعتمد هذه المشاريع على استثمارات القطاع الخاص ضمن أنظمة مختلفة، أبرزها نظام “اللزمات” الذي يتيح إنتاج كميات مهمة من الكهرباء بتكلفة أقل من إنتاجها بالغاز المستورد.
ومن شأن التوسع في هذه المشاريع أن يقلّص الضغط على واردات الغاز ويوجّه الكميات المتاحة نحو الاستخدامات الحيوية.

اتفاقيات وعائدات إضافية

 

 

نظرا إلى أهمية خط “ترانسميد”، قامت تونس بتمديد اتفاقية استغلاله لمدة 10 سنوات سنة 2019، مع الحفاظ على نظام الإتاوة.
كما تم الاتفاق على معلوم إضافي لكراء سعة النقل بقيمة 143 مليون دولار لـ10 سنوات، إلى جانب تحمل الجانب الإيطالي تكاليف الاستثمار والصيانة.
وتعود اتفاقية خط “ترانسميد” إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث تم تشغيل أول الأنبوب لنقل الغاز سنة 1983، وبعد أكثر من 10 سنوات، تم تشغيل الأنبوب الثاني في 1994.
كما وقع تثبيت نظام الإتاوة كنسبة من الكميات العابرة.
ويذكر أن الجزائر تمتلك شبكة إستراتيجية من خطوط أنابيب الغاز لتصدير الغاز الطبيعي نحو أوروبا، أبرزها خط “ترانسميد” إلى إيطاليا عبر تونس، وخط “ميدغاز” المباشر إلى إسبانيا، بالإضافة إلى خط “المغرب العربي-أوروبا” المتوقف منذ 2021.
 وتسعى الجزائر حاليا إلى إحياء مشروع “أنبوب الغاز العابر للصحراء” لنقل الغاز من نيجيريا.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *