رأي

خطة “جيورا إيلاند”.. مؤامرة قديمة – جديدة لتهجير فلسطينيي غزة

محمد بشير ساسي

معتقلو 25 جويلية

قبل أكثر من ثلاثة أسابيع وخلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة “الشرق الأوسط الجديد”.

وشملت الخريطة التي أظهرها نتنياهو مناطق مكسوّة باللون الأخضر الداكن للدول التي تربطها اتفاقات سلام مع إسرائيل أو تخوض مفاوضات لإبرام اتفاقات سلام مع إسرائيل. وضمّت المناطق المشار إليها باللون الأخضر دول مصر، السودان، الإمارات، السعودية، البحرين، والأردن. ولم تشمل الخريطة أيّ ذكر لوجود دولة فلسطينية، حيث طغى اللون الأزرق، الذي يحمل كلمة “إسرائيل”، على خريطة الضفة الغربية المحتلة كاملة، بما فيها قطاع غزة.

استثمار الهجوم 

على نحو مفاجئ ومُذهل، أتت عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس لينزل وقعها كالصاعقة على نتنياهو وحكومته المتطرّفة التي أعلنت حربا مدمّرة على قطاع غزة، فمنذ اللّحظة الأولى استثمرت الحكومة الإسرائيلية الهجوم المباغت على مستوطنات “غلاف غزة” وبلداتها بالجنوب، لتطلق وعيدها بتغيير الشرق الأوسط وتترجم على الأرض الجرائم والمجازر الفظيعة ضد سكان غزة.

ورغم أنّه لا جديد في العدوان الإسرائيلي الحالي على غزة سوى حجم الانتقام، فإنّ إسرائيل مصرّة على أن تمنح العالم سردية جديدة تنقلها من مقام الدفاع عن النفس إلى مقام إبادة “حيوانات على شكل بشر”، على حدّ وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت. 
وفي الواقع، قوبلت هذه السردية برفض عربي ودولي واسع، دفع بالولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية إلى إطلاق فكرة تدشين “ممر إنساني” بين قطاع غزة ومصر، يسمح بانتقال المدنيين الفلسطينيين من القطاع إلى شمال سيناء في مشهد مشابه لنكبة 1948 ومآسيها.

ترويج فكرة التهجير 

ارتبط إطلاق هذه الفكرة تحديدا بطلب جيش الاحتلال الإسرائيلي إخلاء مدينة غزة والبلدات ومخيّمات اللاجئين التي تقع في محيطها وشمالها، بما يهدف إلى تهجير أكثر من مليون شخص يقطنون هذه المنطقة.وقد عمل جيش الاحتلال على محاولة إجبار الأهالي في هذه المناطق على إخلاء منازلهم والتوجّه إلى وسط وجنوب قطاع غزة عبر القصف العشوائي، الذي أفضى إلى تسوية مربّعات سكنية بالأرض، فضلا عن إنزال مناشير لتحذير الأهالي، سيما في المناطق التي تقع في التخوم الشرقية والغربية من شمال قطاع غزة، مثل بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا. 

وقد مهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي لتنفيذ خطة التهجير بمطالبته أهالي قطاع غزة بإخلاء منازلهم، هو ما كرّره عدد من قادة الجيش. وفي هذا الصدد يمكن قراءة المشهد على النحو التالي:

– نظرا لإعلان رئيس حكومة الاحتلال أنّ هدف الحرب الرئيس يتمثّل في “محو” حركة حماس في قطاع غزة، بمعنى إسقاط حكم الحركة والقضاء على بنيتها التنظيمية والعسكرية، فإنّ تحقيق هذا الهدف -لو كان بالفعل ما ستسعى إسرائيل إلى تحقيقه- يتطلّب حتما شنّ عملية برية كبيرة في عمق قطاع غزة. 

– في ظل التخوّفات التي أكّدها الكثير من القيادات العسكرية الإسرائيلية من أنّ شن عملية برية سيقترن بسقوط عدد كبير من القتلى في صفوف جيش الاحتلال، فإنّ الأخير قد يرى في إخلاء غزة والشمال وتدمير أكبر قدر من الوجود العمراني في هذه المناطق وسيلة لتقليص فاعلية الخطوط الدفاعية لحركة حماس، سيما شبكات الأنفاق الدفاعية، التي تزعم تل أبيب أنّ “كتائب القسام” قد دشّنتها في جميع مناطق القطاع. وتخشى إسرائيل توظيف الأنفاق الدفاعية في تقليص تأثير سلاحي الجو والمدرّعات في المعركة التي ستندلع في عمق القطاع.

– على الرغم من أنّ إسرائيل أثبتت في هذه الحرب وفي كل حروبها، أنّ آخر ما يعنيها دماء المدنيين الفلسطينيين، فإنّها تعي أنّ شنّ حرب برية سيقترن بسقوط عدد هائل من المدنيين الفلسطينيين مما قد يفضي إلى ردة فعل دولية تخصم من رصيد الدعم الكبير الذي تلقّته تل أبيب، وهذا قد يقود إلى ضغوط عليها لتوقف المجازر والعدوان.

لذا فإنّ هناك مصلحة لإسرائيل في تهجير الفلسطينيين في مناطق القتال ومحاولة إنجاز المهمة قبل بدء العملية البرية.- هناك هدف إستراتيجي خلف خطة التهجير يتمثّل في إحداث فجوة بين حماس والجمهور الفلسطيني في قطاع غزة، بحيث يحمّل الناس الحركة المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع.

مخطّط قديم

لقد أمضى نتنياهو ما يقرب من عقد ونصف من قيادته لإسرائيل، في حصار غزة وتقويض قدرة فصائل المقاومة الفلسطينية فيها على تشكيل تهديد كبير لإسرائيل. وكان يطمح عموما إلى إضعاف تأثير غزة في معادلة الصراع ككل ضمن مخطط إعادة رسم الشرق الأوسط الجديد، والذي يتمثّل في جزء منه في الأهداف التالية:

– تهجير جزء كبير من سكان قطاع غزة إلى سيناء عبر اشتداد القصف وتكثيفه، وتشديد الحصار ومنع وصول المواد الغذائية والمياه والمواد الطبية إلى القطاع لدفع السكان للهجرة.

– تحقيق مفهوم البعد الجغرافي للفلسطينيين عن مستوطنات غلاف غزة وبالتالي تأمينها مستقبلا.- إضعاف أو تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية التي عملت على تعزيزها خلال السنوات الماضية.وعند النظر بأكثر عمق إلى

مخطط تهجير

الفلسطينيين من قطاع غزة، يتّضح بالأدلة والوثائق العبرية، أنّ أفكار الترحيل لازمت المشروع الصهيوني منذ انبعاثه، وكانت في الصلب من العقيدة الصهيونية ذاتها. صحيح أنّ هذه الأفكار لم تتّخذ، عبر هذا المسار، شكل برنامج معلن بل كان خططا ومشاريع تطفو وتختفي وفق ما يسمح المناخ السياسي به، إلّا أنّه جرى تبنّيها عملا وبثبات من قبل التيار السائد في الحركة الصهيونية والمؤسسة الحاكمة في إسرائيل.

تُظهِر البحوث الأرشيفية التي يجريها “المؤرخون الجدد” الإسرائيليون أنّ كبار زعماء الحركة الصهيونية، ما فتئوا يدعون منذ أمد طويل إلى ترحيل الفلسطينيين أو “الترانسفير” لضمان قيام أغلبية يهودية على أرضٍ كان اليهود فيها أقلية. 

وقد ترجم مؤسّسو “دولة إسرائيل” ومَن خَلَفَهم هذه الدعوات إلى سياسةٍ وممارسةٍ واقعة، مستخدمين أساليب متنوعة ما تزال ساريةً حتى يومنا هذا. 

لقد سخَّرت إسرائيل نظامَها القانوني ومؤسساتها القانونية منذ نشأتها وحتى اليوم من أجل تطبيق سياسة التهجير القسري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل.

وتندرج أساليبها المتّبعة ضمن ستّ فئات عامة، على الأقل، تتسبّب في التهجير الدائم للفلسطينيين:

– استخدام العنف في زمن الحرب كما حدث إبان حروب 1948 و1956 و1967، وهو ما تسبّب في واحدةٍ من أعقد مشاكل اللاجئين في العالم، فضلا عن العدد الكبير من المشرّدين داخليّا.

– هندسة الوضعية القانونية الشخصية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلّة، على نحو يحرم المقيمين بصفة اعتيادية أو الأشخاص المستحقّين للإقامة من الحق في العيش في ديارهم.

– التخطيط الحضري والقُطري التمييزي الذي يشجّع التوسّع اليهودي ويكبح العمران الفلسطيني في مناطق معيّنة، مثل القدس وغور الأردن وصحراء النقب، وبسببه تُهدَم منازلُ وقرى بأكملها بذريعة “البناء غير المشروع”.

– تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم بموجب قوانين ولوائح تمييزية تُسفر عن إخلاء الأُسر من مساكنها قسرًا.

– الترحيل بموجب مبرّرات أمنية وقانون الطوارئ. وقد استخدمت هذ الطريقة على نطاق واسع في الأراضي الفلسطينية المحتلّة في بداية الاحتلال، وما تزال تُستَخدم إلى غاية الآن.

– خلق ظروفٍ لا تطاق في مناطق معيّنة تحمل السكان المدنيين في نهاية المطاف على ترك منازلهم والانتقال إلى مناطق أخرى.

مشروع جيورا آيلاند 

يعود اليوم مشروع توطين فلسطينيي قطاع غزة في سيناء المصرية من جديد إلى الواجهة، ليذكّر عديد الأذهان بما حبك في بنود صفقة القرن خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية.

وقد لا يعلم كثيرون أنّ مصطلح “صفقة القرن” آنذاك ليس جديدا، وأنه تردّد سنة 2006 عندما تمّ الحديث عن عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أولمرت، أو ما عُرف بـ”تفاهمات أولمرت/عباس”؛ وما تسرّب حينها من أنّها اتفاقات رفّ تنتظر الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، وهي الانتخابات التي لم تأت بما يشتهي أولمرت.ويندرج في سياق معالم صفقة القرن -التي طفت على السطح من جديد- ما سبق أن كتب عنه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا أيلاند سنة 2010؛ حيث اقترح أحد حلَّين لتسوية القضية الفلسطينية:

الأول: فدرالية أردنية/فلسطينية: من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاث ولايات: الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

الثاني: تبادل المناطق: وهو مبني على أساس أنّ تتنازل مصر عن 720 كم2 من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، بإضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24 كم وعرضه 30 كم. وهو ما يوازي 12% من مساحة الضفة الغربية التي يطالب الطرف الإسرائيلي بضمّها إليه في الترتيبات النهائية.

وفي مقابل ذلك؛ ستحصل مصر على أراضٍ من جنوب النقب من “إسرائيل” (فلسطين المحتلة 1948) بالمساحة نفسها في منطقة وادي فيران، وسيُسمح لمصر بشقّ نفق طوله عشرة كيلومترات يربط بين مصر والأردن، بحيث يكون تحت السيادة المصرية، وبمدّ خطّ سكك حديدية وطريق سريع وأنبوب نفط تعود عائداتها الضريبية إلى مصر، وستحصل مصر على دعم اقتصادي دولي.

ووفق هذا المشروع؛ سيتوسّع الفلسطينيون سكانيّا في مناطق سيناء التي ستُضم إلى غزة (توطين)، وسيُسمح لهم ببناء مطار دولي وميناء. وسيستفيد الأردن من المشروع عبر ميناء غزة على البحر المتوسّط لإيصال البضائع الأوروبية إلى بلدان الخليج والعراق، وستتاح له إعادة سبعين ألفا من أبناء غزة المقيمين عنده إلى “القطاع الموسّع”. وستضم “إسرائيل” كل مستوطنات الضفة وما وراء الجدار العنصري العازل.

ربما لن يجد قادة المشروع الصهيوني والأمريكان وقتا أفضل من هذا لمحاولة فرض مخطّطهم “الشرق الأوسط الجديد” على الأرض، برئاسة الحكومة الحالية الأكثر تطرّفا في تاريخ إسرائيل. لكن في المقابل إذا ما توسّعت دائرة الحرب لتُقحم أطرافا أخرى، فهذه النتيجة هي وحدها من ستخلطُ الأوراق وتجعل الشرق الأوسط مختلفا جذريّا عمّا عاصرنا لعقود طويلة.