اقتصاد تونس

خبير: قانون مالية 2023 أقرب إلى مرسوم جبائي

بعد تكّهنات متباينة بشأن محاوره المتوقّعة، واللغط الذي أثاره الكشف عن بعض بنوده، أصدرت الحكومة التونسية رسميا قانون المالية لسنة 2023 بعد المصادقة عليه وختمه.

القانون يقدر الميزانية العامة للدولة بـ69.640 مليون دينار، مع عجز يبلغ 8.890 م د، أي ما يوازي 5.5% من الناتج الداخلي الخام.

قانون المالية للسنة المقبلة ورغم بعض مؤشّراته الإيجابية التي تحدّثت عنها الحكومة، إلّا أنّه جاء محفوفا بمزيد من السياسات الجبائية التي تثقل كاهل المواطنين، ومتضمنا إجراءات لرفع منظومة الدعم، فيما اقتصرت قيمة الاستثمارات العمومية على 2% من حجم الميزانية، ما يجعل مشروع القانون أقرب إلى “مرسوم للجباية والضريبة” حسب توصيف بعض المحللين الاقتصاديين.

بوابة تونس اطّلعت على قراءة الخبير والباحث في الاقتصاد عزالدين سعيدان، بشأن الملامح العامة لقانون مالية 2023.

قانون للضريبة وتعبئة الموارد

يرى الخبير عز الدين سعيدان أنّ الأرقام والمعطيات التي تضمنها قانون المالية الجديد، تجعله أقرب إلى “قانون لتجميع موارد للدولة”، في ظل تغييب أدواره الأساسية المتعلقة بتنشيط الاقتصاد والتشجيع على الاستثمار، وتدور أغلب بنوده في فلك البحث عن تغطية النفقات العامة والتقليل من حجم العجز في الموازنة.

وقال سعيدان: “هذه ميزانية أداءات وضرائب وتحيل على المقولة الشهيرة لابن خلدون؛ إذا كثرت الجباية فهذه علامة على قرب النهاية”.

 ونبّه سعيدان من غياب أيّ إشارة إلى دعم الانتعاش الاقتصادي والاستثمار في القانون، قائلا: “يفترض أنّ الدولة هي أكبر مشغّل وأهم مستثمر ومشتر، وبالتالي فتأثير الميزانية في الاقتصاد الوطني مهم للغاية، لكن قانون المالية الذي وقعت المصادقة عليه فقد هذا الدور بشكل كامل”.

المعالم الرئيسية للقانون الذي يشبهه محدّثنا بـ”مرسوم جبائي”، ستكون لها نتائج وتداعيات خطيرة حسب رأيه، لأنّها تمثّل استمرارا لسياسة “الهروب إلى الأمام” من جانب الحكومة، التي تغاضت عن أيّ توجّهات لإنقاذ الاستثمار والاقتصاد في المشروع.

أرقام صادمة  

أما الأرقام الخاصة بالميزانية الجديدة، فيصفها عز الدين سعيدان بـ”الصادمة، فمن بين حوالي 70 مليار دينار، لم تتجاوز المبالغ المخصصة للاستثمار العمومي 2% من الحجم الإجمالي للموازنة.

وأضاف سعيدان: “لو قارنّا الأرقام الحالية بميزانية 2010 التي بلغ حجمها الإجمالي 18 مليار دينار، لوجدنا أنّ ربعها تقريبا خُصّص للاستثمار، واليوم رغم تضاعف الأرقام أربع مرات، فإنّ الاستثمار العمومي يتضاءل بسبب غياب الاهتمام بإنقاذ الاقتصاد”.

تقديرات غير دقيقة

في صعيد آخر، يقدّر قانون المالية الجديد احتياجات الاقتراض الإضافية لتغطية موارد الميزانية، بقرابة 25 مليار دينار، من بينها 15 م د، من الاقتراض الخارجي، وهو ما يطرح تساؤلا من قبل محدّثنا عن دوافع الحكومة وإصرارها على تكرار الأخطاء ذاتها المتعلّقة ببناء تقديرات مالية على أساس الاتّفاق المفترض مع صندوق النقد الدولي، وهو الذي اعتمدت عليه في صياغة ميزانية 2022.

وتابع الخبير الاقتصادي التونسي: “كلنا نعرف ماذا حدث بشأن ميزانية 2022، التي ضبطت على أساس التوصّل إلى اتّفاق نهائي مع صندوق النقد خلال الفترة ما بين شهري مارس/آذار وأفريل/نيسان، لكننا لم نتوصّل إلى نتيجة إلى حد الآن”.

نسبة النمو المتوقعة والمقدّرة بـ1.8%، توقّف عندها محدّثنا بالقول: “كيف نسمح بضبط نسبة نمو بهذا المستوى في حين أنّ نفقات الدولة ترتفع من سنة إلى أخرى بحوالي 30%، وفق قانون المالية الأصلي للسنة الحالية؟”

كما وصف محدّثنا في السياق ذاته حديث الحكومة عن تسجيل زيادة في حجم الميزانية الجديدة بـ14.5%، بالـ”مضلّل وغير الصحيح”، مبيّنا أنّ المقارنة وقعت بين ميزانية 2023 والميزانية التكميلية لسنة 2022.

غموض رفع الدعم  

المؤشّرات الخاصّة برفع منظومة الدعم جلبت كذلك اهتمام الخبير عز الدين سعيدان، الذي لفت إلى أنّ بنود قانون المالية تكشف عن زيادة في نسق تقليل دعم المحروقات بشكل أسرع مما أعلن عنه في السابق، بهدف رفعه نهائيا قبل سنة 2026، وبالتالي فمن المنتظر الترفيع في الأسعار بشكل متواتر في الأشهر القادمة، فضلا عن الشروع في رفع الدعم عن المواد الأساسية واعتماد منظومة التعويض المالي لما يعرف بـ”مستحقي الدعم”.

وعبّر سعيدان في هذا الشأن عن التخوفات المتعلقة بالغموض الذي يغلف برنامج توجيه الدعم إلى مستحقيه، متسائلا: “كيف ستتم العملية وماهي الفئات المعنية بالحصول على التعويض المالي وما هو المبلغ المحدّد للتعويض، وغيرها من المسائل التي لم يقع توضيحها في نص قانون المالية”.

وتشي الملامح العامة لميزانية 2023 بأن حكومة نجلاء بودن ستجد نفسها أمام حتمية اللجوء إلى إعداد مشروع ميزانية تكميلي على غرار السنوات الماضية، لتعبئة موارد إضافية وسد العجز، وهي قراءة يتّفق معها عز الدين سعيدان الذي يرجّح هذه الفرضية بشدة. 

وأضاف سعيدان: “سنكون في حاجة إلى ميزانية تكميلية، منطقيا خلال الأشهر الأولى للسنة القادمة، لأن قانون المالية المصادق عليه لا يشبه في شيء التحديات التي يواجهها الاقتصاد التونسي وإمكانياته الراهنة، كما لا يعتمد في أيّ من جوانبه خطة إصلاح اقتصادي التي تمثل الطريق الوحيد لإنقاذ المالية العمومية والمؤسّسات العمومية برمتها”.