“حيّ هلال أوربان فاست”.. عندما تتحوّل الأحياء الشعبية إلى مدينة ثقافية متكاملة (صور)

"حيّ هلال أوربان فاست".. عندما تتحوّل الأحياء الشعبية إلى مدينة ثقافية متكاملة

يستقرّ في قلب العاصمة التونسية، ويبعد حوالي ربع ساعة عن مقر رئاسة الحكومة ومسافة كيلومترين عن مجلس نواب الشعب، هو حيّ هلال، أحد أشهر الأحياء الشعبية بالعاصمة تونس.

والحيّ الذي تكوّن منذ حوالي 70 عاما نتيجة لنزوح واسع من المحافظات الداخلية للبلاد، يضمّ الآن أكثر من 12 ألف ساكن، يعيشون في مساكن فوضوية البناء، بين أزقة وثنايا ضيقة، حيث تغيب بشكل كلي ملامح الدولة.

في حيّ هلال، لا مقر أمني ولا نقل عمومي ولا مركز صحي متطوّر، ارتبط الحديث عنه في وسائل الإعلام وبين عامة الناس، بالجريمة والعنف والانحراف والفقر، لكن كل صور البؤس، المتجسّدة ظاهريا في الحجر والبشر، لم تسلب سكان الحيّ، وشبابه خاصة، حقهم في الحلم، في الثقافة والحياة.

من هناك، احتضن حيّ هلال بالملاسين، مساء أمس الجمعة 19 جوان، فعاليات النسخة الأولى من مهرجان حيّ هلال الحضري، أو “حيّ هلال أوربان فاست” الذي يمتدّ حتى الـ28 من الشهر.

ففي خطوة تحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة، وعلى امتداد أكثر من أسبوع سيعيش سكان الحيّ تجربة جمالية غامرة تؤكّد أنّ الإبداع والثقافة حقّ لكل المواطنين، مهما كانت أحياؤهم ومواقعهم.

أكثر من فضاء للسكن

من 19 إلى 28 جوان، ستتحوّل شوارع الحيّ ومقاهيه ومدارسه وملاعبه إلى فضاءات مفتوحة للفن والحياة، بل وتحوّلت فعليا، حيث تلتقي السينما بالمسرح، والموسيقى بالرقص، والتصوير بالرياضة، في مشهد يعكس تونس التي تؤمن بأنّ الثقافة لا تعرف الحدود ولا التمييز بين الأحياء، أو هكذا نريدها.

ويأتي هذا المهرجان ليبعث رسالة واضحة مفادها أنّ الأحياء الشعبية ليست فقط فضاءات للسكن، بل خزّان للمواهب والأحلام والطاقة الخلاقة، وأنّ أبناء هذه المناطق يستحقون بدورهم أن يعيشوا الأجواء الثقافية والفنية الكبرى، وأن يكونوا جزءً من المشهد الإبداعي الوطني.

وينظم المهرجان “سينما تدور” في إطار مشروع “في الحومة” وبدعم من سفارة هولندا، بعد أشهر من العمل الميداني والإقامات الفنية والورشات التي جمعت أطفال الحيّ الشعبي وشبابه، ليكونوا هذه المرة في قلب الحدث وصنّاعه الحقيقيين.

ولا يقتصر الرهان على تقديم عروض فنية مجانية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ ثقافة القرب، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للفضاء العام، في تجربة تؤكّد أنّ الفن يمكن أن يكون أداة للتغيير والتنمية وبناء الأمل.

هي رسالة راقية تقول إنّ الثقافة حين تنزل إلى الشارع وتقترب من الناس، فإنها تمنح الأحياء حقها في الفرح والإبداع والاحتفال بالحياة، وتفتح أمام الأجيال الجديدة أبوابا أوسع للحلم والمشاركة وصناعة المستقبل.

و”سينما تدور”، مشروع مبتكر أطلقته “لاقورا جربة” وجمعية “فوكس قابس”، في شكل قاعة سينما متنقلة تتّسع لـ100 مقعد، تجرّها شاحنة لتجوب جميع مناطق البلاد التونسية، مستعرضة لعموم التونسيين فرصة الوصول إلى السينما في ظل تقلّص دور العرض السينمائية في البلد.

وتُعدّ “سينما تدور” أول سينما متجوّلة في تونس وفي القارة الإفريقية بأكملها، وشعارها “السينما تجيك وين إنت” (تأتيك السينما أينما كنت).

وتتضمّن أنشطة المشروع مجموعة متنوّعة من الفعاليات الموجّهة إلى جميع فئات المجتمع، بدءً من عروض الأفلام التونسية والعالمية، وصولا إلى البرمجة النقاشية وورش العمل الموجهة إلى الشباب والأطفال.

كما يهدف المشروع إلى تنظيم فعاليات فنية متنوّعة، على غرار الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية، إضافة إلى حملات الاتصال والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الأخرى.

الحيّ راويا لنفسه وعنها

واختيار حيّ هلال ليس تفصيلا جغرافيا اعتباطيا، فالأحياء الشعبية في المخيال العام تُقدَّم غالبا من خلال خطابين متناقضين يلتقيان في خانة التنميط، فهي إما مناطق نقص وتهميش، أو فضاءات فولكلورية للاستهلاك الرمزي.

وفي كلتا الحالتين، تُروى الحكاية من خارج هذه الأحياء، أما ما  يقترحه مهرجان حيّ هلال الحضري، فهو أن يصبح الحيّ راويا لنفسه وعنها.

والمشروع، كما أعلن منظموه، وعلى رأسهم غفران هراغي: “لن يبدأ يوم الافتتاح، إذ سبقته أشهر من الإقامات الفنية، وورشات العمل، واللقاءات مع الأطفال والشباب”.

وهذا المعطى يكشف عن طبيعة الفلسفة التي تحكم المشروع، حيث يشكّل السكان جزءً من الإنتاج ويتحوّلون من المتلقي إلى الفاعل.

الفكرة تبدو جلية في محور السينما، فشاحنة “سينما تدور” التي جالت، الجمعة، كامل الحي على مسافة تجاوزت الكيلومترين، لا تختزل في عرض أفلام، إذ تحمل رمزيات في تحرك السينما التي  تترك مكانها التقليدي ويتحوّل الشارع إلى قاعة، وما صعود بعض شباب الحيّ على سطح  الشاحنة في مشهد أقرب إلى استقبال أبطال كرة القدم، إلّا دليلا على قوة الاحتفاء.

أما الأطفال في “سينما تدور” فلا يكتفون بالمشاهدة، إذ تمنحهم تجربة الدبلجة الحية للفيلم الفرنسي “ما في دو كورفيت”  حق إعادة كتابة الصوت، فلا يكتفون باستهلاك العمل الفني، بل يعيدون إنتاجه بلغتهم وحساسيتهم، ثم يأتي عرض الاختتام  “حيّ هلال حالة موش عادية”، ليؤكّد الفكرة ذاتها.

في قسم التصوير الفوتوغرافي يبلغ المشروع واحدة من أكثر لحظاته كثافة، فأن تُعرض الصور في بيوت السكان لا في قاعة عرض، يتجاوز الخيار الجمالي ليصبح موقفا ثقافيا على إيقاع تحوّل البيوت إلى مؤسّسة ثقافية مؤقتة والحيّ إلى معرض متنقّل.

والمعرض يحمل عنوان “حي هلال بعيون أطفاله”، ما يعني أنّ أطفال الحيّ هم من يصنعون صورهم من الداخل لا بعين خارجية دخيلة.

أما الغرافيتي فبدا تعبيرا عن اختلاجات سكان الحيّ، شبابه خاصة، حيث تحضر فلسطين دائما رمزا للنضال والثورية، والجداريات انعكاس ليوميات سكان حيّ هلال، حيث البطل الحقيقيّ للأعمال هي “الخبزة”، رمز العيش بكرامة.

وفي المسرح والرقص، أيضا، تتجاور أعمال خرجت من الورشات والإقامات مع أعمال لفنانين مثل المسرحي غازي الزغباني والصلامور حاتم القروي، فيتقاسم الهاوون والمحترفون المساحة نفسها.

هذا التصوّر يغيّر معنى الركح نفسه، فالركح لم يعد منصة متعالية ينظر إليها الناس من الأسفل، بل صار فضاءً لكسر المركزية والنمطية.

وعلى المستوى الموسيقى تتّخذ فكرة التهجين شكلا واضحا، إذ يلتقي الراب بالمزود ويتحاور الـ”دي جي” مع الطبلة والزكرة، ويمارس الأطفال الفن فوق أسطح المنازل، ويشعلون “الفلامات” (الشماريخ).

كل هذه الاختيارات لا تبدو اعتباطية، إنها تعكس تصوّرا للهوية الثقافية باعتبارها حركة لا جوهرا ثابتا، فالموسيقى هنا لا تبحث عن نقاء الأنماط، بقدر ما تلاحق قدرتها على اللقاء والتلاقي.

حتى الرياضة داخل المهرجان تدخل ضمن تصوّر أوسع يرى أنّ الجسد نفسه جزء من التجربة الثقافية، وذلك عبر مسابقات كرة القدم والسلة، والجري ويوم الصحة، والواقع الافتراضي

ومن خلال كل ما سبق من الأقسام، يحاول الفضاء العام استعادة نفسه ونسقه بوصفه مكانا تبنى فيه فكرة الجماعة، وتصبح المدرسة مكانا للعرض، والمقهى فضاءً للنقاش، والشارع مسرحا، والسطح منصة والشارع-الحيّ جامع لكلّ هذا الفرح.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *