حين تُعلَّق أنشطته… من يحمي صوت المجتمع المدني في تونس؟

لم تعد قرارات تعليق نشاط الجمعيات والمنظمات في تونس مجرّد إجراءات إدارية عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشر مقلق على مسار يضع الفضاء المدني أمام اختبار غير مسبوق.

فمع كل قرار جديد، يتعزّز شعور متنامٍ بأن العمل الجمعياتي وحرية التنظم والتعبير التي شكّلت أحد أبرز مكاسب الثورة التونسية 2011 أصبحت اليوم تحت ضغط متزايد.

وتبرر السلطات هذه القرارات بضرورة فرض احترام القانون، خاصة في ما يتعلق بالتمويلات الأجنبية والتصريح بالموارد.

في المقابل يعتبر فاعلون في المجتمع المدني وشق واسع من الحقوقيين أنه لا مبرر لهذه الخطوات التي من شأنها أن تعيد البلاد إلى مربع “الظلم والاستبداد”، وهو ما يطرح عديد الأسئلة وأهمها أسباب استهداف مكونات المجتمع المدني التي طالما لعبت دور “العين المراقبة” للسلطة وإلى متى سيتواصل هذا “النزيف”؟

وعلى الرغم من سردية السلطة إلا أنّ تقارير حقوقية تفيد أن بعض الجمعيات لم تُمنح الوقت الكافي لتسوية وضعياتها، في حين تم اللجوء سريعا إلى قرارات التعليق.

ولا يمكن فصل هذه الخُطوات عن السياق السياسي العام في تونس، إذ يرى مراقبون أن تقليص هامش تحرك المجتمع المدني قد يكون جزءا من إعادة ترتيب المشهد العام، بما يحدّ من الأصوات النقادة للسلطة.

وأواخر أفريل الماضي قرّرت السلطات منع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من النشاط لمدة شهر واحد، في سابقة اعتبرتها الرابطة “انتهاكا صارخا لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي”.

ولم يمض أسبوعان، حتى علّقت السلطات نشاط منظمة “محامون بلا حدود” التي تأسست سنة 1992 في بروكسل، بهدف تعزيز الولوج إلى العدالة وسيادة القانون والدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي أكتوبر الماضي، اتخذت سلطات تونس قرارات مماثلة بتعليق نشاط العديد من الجمعيات المدنية، ومن أبرزها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، ومكتب المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تونس، وسط قلق عارم من تصاعد التضييق على الجمعيات الأهلية وهيئات المجتمع المدني، وصرف النقاش العام عن القضايا المعيشية.

“انتكاسة خطيرة لحرية التنظم”

في خضم هذا الجدل، عبّر عدد من الفاعلين عن مواقف حادة تجاه قرارات تعليق نشاط الجمعيات في تونس.

وأكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في بيان لها أن “تعليق نشاط الجمعيات دون مسارات قضائية واضحة يمثّل انتكاسة خطيرة لحرية التنظيم”، محذّرة من “توظيف الإجراءات الإدارية للحدّ من الأصوات المستقلة”.

من جهته، اعتبر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن هذه القرارات “تأتي في سياق عام يتسم بتراجع مناخ الحريات”، مشيرا إلى أن غياب الشفافية في تحديد المخالفات يطرح تساؤلات جدية حول دوافعها.

وتعتبر جمعية “هن” أنّ قرار تعليق نشاط “محامون بلا حدود” يفتقر إلى الإطار القانوني الشفاف والمسار التشاركي.

وشددت في منشور على أنّ الغاية منه التضييق على المبادرات المدنية وتقليص دورها الحيوي في تعزيز قيم العدالة ودولة القانون.

وأكّدت أنّ استهداف المنظمة يمثل محاولة صريحة لتفكيك الأجسام الوسيطة التي تضطلع بأدوار رقابية وتوعوية، وتقويضا لأسس الرقابة الشعبية على أداء السلطة.

واعتبرت أنّ السلطة انتهجت منذ 25 جويلية 2025، السلطات التونسية سياسية التضييق الممنهج لمختلف الأجسام الوسيطة بدءا باستهداف القيادات السياسية والزج بهم في غياهب السجون وصولا للنشطاء والناشطات الحقوقيات إضافة إلى الفضاءات المدنية مثل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وآخرها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظّمة محامون بلا حدود.

“تراجع للحرية”

من جانبه، أكّد الناشط المدني وعضو منظمة العفو الدولية سفيان بوكادي أنّ استهداف المنظمات الحقوقية لا يمكن أن يكون حلّا، بل هو تراجع خطير عن قيم الحرية والعدالة وسيادة القانون.

وقال في منشور على صفحته بفيسبوك إنّ “الدور الذي تقوم به هذه المنظمات أساسي في حماية الحقوق والحريات وتعزيز دولة القانون”.

دعوات للحوار بدل التضييق

من جهتها، أعربت “مبادرة وصل” عن إدانتها قرار تعليق نشاط “محامون بلا حدود”، معتبرة ذلك خطوة خطيرة تمسّ بحرية العمل المدني واستقلالية الفضاء الجمعياتي.

وشددت على أنّ مثل هذه القرارات تمثل تضييقا غير مبرر على المجتمع المدني، وتبعث برسالة سلبية إلى كل المبادرات والمنظمات المستقلة التي تعمل من أجل حماية الحقوق والحريات وتعزيز قيم العدالة والمساءلة.

كما حذرت مبادرة وصل من الآثار المباشرة لهذا القرار على ضحايا الانتهاكات، وخاصة النساء والفئات الهشة.

وقالت إنّ “إيقاف عمل جمعية ناشطة في مجال العدالة والدفاع عن الحقوق لا يمسّ المؤسسة وحدها، بل ينعكس على الأفراد الذين يحتاجون إلى الحماية والإنصاف والوصول إلى العدالة”.

ودعت المبادرة إلى احترام الضمانات القانونية والدستورية المتعلقة بحرية تكوين الجمعيات وحرية النشاط المدني، وفتح حوار شفاف مع مكونات المجتمع المدني بدل انتهاج سياسات التعطيل والتضييق.

وفي سياق متصل أكّدت المحامية حميدة الشايب في تدوينة أنّ الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ومحامون بلا حدود اللتين تنتمي إليهما منذ أكثر من عشر سنوات كانتا دائما الأقرب إلى الفئات الهشّة، وإلى المستضعفين، وإلى تكريس قيم العدالة وحقوق الإنسان في تونس.

وقالت: “قد يتوقّف النشاط اليوم، لكن تاريخ المنظمتين ومسارهما ونضالهما لن يجمَّد”.

تطبيق للقانون

في المقابل، دافعت مصادر رسمية عن هذه الإجراءات، مؤكدة أن “الدولة ملتزمة بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء”، وأن “أي جمعية تحترم القوانين المنظمة لنشاطها لا يمكن أن تكون محل تضييق”.

كما شددت على أن الرقابة على التمويلات “مسألة سيادية لا يمكن التساهل فيها”.

ويعتبر الناشط رمزي عطوي أنّ عددا من المنظمات التي تم تجميد نشاطها تسعى إلى تخريب البلاد، وفق قوله.

وأكّد في تدوينة أنّ منظمة “محامون بلا حدود” (ASF) واحدة من أبرز المنظمات الأجنبية في تونس منذ عام 2012، حيث تركز نشاطاتها على الدفاع عن المهاجرين و ما يسمى اللاجئين و طالبي اللجوء بتونس، و المثليين والأقليات الجنسية”.

وتابع أنّ ” المنظمة تتلقى تمويلات ضخمة من جهات دولية كبرى، على رأسها:الاتحاد الأوروبي وسفارات دول أوروبية (مثل بلجيكا، هولندا، وسويسرا).الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) والتعاون الإسباني”، وفق تدوينته.

 

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *