رأي

حماس توصلُ “إسرائيل” إلى طريق مسدود

محمد بشير ساسي

بعد انقضاء سبعة أشهر من الحرب الإسرائيلية المدمّرة على قطاع غزّة، يجدُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه محشورا في الزاوية، محاصرا بعاصفة قوية من الضغوط في الداخل والخارج بعد أن بات الجميع يريدُ صفقة لتبادل الأسرى مع حركة حماس باستثنائه هو، إذ ما يزال الأخيرُ يناورُ إلى غاية اليوم لمواصلتها – رغم استحالة تحقيق “النصر المطلق” الذي وعد به – حتى يحافظَ على تحالفه الحاكم.

إفشال الصفقة

فخلال الأسبوعين الماضيين تظاهر آلاف الإسرائيليين للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين في قطاع غزة وإجراء انتخابات مبكرة، واتهمت المعارضة نتنياهو بمحاولة إفشال صفقة تبادل الأسرى، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يرضخ ولم يرم المنديل، بل أدار ظهره لاجتماع قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية الذي أكّد وصول الحرب إلى طريق مسدود مع أولوية استعادة الأسرى.

قبل أيام وخلال لقائه ممثلين عن عائلات المحتجزين في غزّة، أكد نتنياهو أنه لا تغيير في أهداف الحرب على قطاع غزة، وأن إسرائيل لن تقبل بتسوية بخصوص رفح مضيفا أن القوات الإسرائيلية ستدخلها سواء تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار وصفقة تبادل أم لا.

بعدها وخلال خطاب ناري بمناسبة ذكرى يوم المحرقة السنوي، جدّد رئيسُ الوزراء الإسرائيلي رفضه الضّغوط الدّولية لوقف الحرب في غزة قائلا في رسالة موجّهة إلى زعماء العالم: “مهما كان حجم الضغوط وأيّ قرار من أيّ منتدى دولي، لن يمنع إسرائيل من الدفاع عن نفسها، وإذا اضطرت إلى الوقوف بمفردها، فسوف تقف وحدها.”

مع إعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) موافقتها على المقترح “المصري – القطري” الخاص باتفاق وقف إطلاق النار في غزة، يصرّ نتنياهو على الجنوح بمسار التفاوض بين إسرائيل وحماس إلى المجهول بتعمّد إعادة الكرة إلى  ملعب الحركة الذي اعتبر مقترحها بعيدا عن المطالب الإسرائيلية، هدفه إحباط دخول قوات الاحتلال إلى رفح وتدمير القدرات العسكرية لحماس.

الاتجاه الخطأ

لم تتأخر تل أبيب كثيرا في الإفصاح على نواياها من خلال التعامل مع  رد حماس الجدّي على الصفقة كما وصفه مسؤولون أمريكيون نقلا عن صحيفة نيويورك تايمز، إذ اختارت حكومة نتنياهو – وفق أحد أعضاء لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي – تحريك محادثات الرهائن في الاتجاه الخطإ، مشيرا إلى أن نتنياهو تخلى عن الأسرى، ويفضّل على ما يبدو إطالة أمد الحرب.

في مشهد غير مسبوق – منذ الانسحاب من قطاع غزة منتصف أغسطس 2005 – أعلن جيش الاحتلال سيطرته على معبر رفح البري الواقع في جنوب شرقي مدينة رفح المتاخمة للحدود مع مصر، وذلك بعد ساعات قليلة من إنذارات إسرائيلية لسكان الأحياء ومناطق شرق المدينة بالتهجير من منازلهم، إيذانا بعملية عسكرية برية.

وبث جيش الاحتلال مقاطع مصورة لدبابات وآليات عسكرية ترفع العلم الإسرائيلي وتجوب ساحات معبر رفح، وبمحاذاة محور فيلادلفيا، وهو شريط حدودي يبلغ طوله 14 كيلومترا، يفصل بين الأراضي الفلسطينية بقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، وتنص اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل على أن يكون “منطقة عازلة” على طول الحدود بين الطرفين.

خطوة تصعيدية

يفهم مما سبق أنّ خطوة إسرائيل التصعيدية الأخيرة في منطقة رفح جنوبي قطاع غزة تعكس عدة حقائق ومعطيات مهمة يمكن سردها كالآتي:

– تتويج حركة حماس استراتيجيتها التفاوضية بنجاحها في احتواء أهداف الحرب الإسرائيلية الشرسة ضد قطاع غزة وتحويل اتجاه الضغط الدولي والإقليمي إلى حكومة الاحتلال، والمحافظة على أوراق قوتها العسكرية والسياسية والتفاوضية.

– جعل حماس من موافقتها على المقترح “المصري – القطري” الخاص باتفاق وقف إطلاق النار نقطة انطلاق إيجابية تقوّي موقفها وتفضحُ أكثر فشل العدو ميدانيا وأن فاتورة الدم الفلسطيني قد دُفعت ولا يمكن التهديد بالمزيد من القتل، إضافة إلى أن البيئة الإقليمية المتشكلة أصبحت في صالح المقاومة.

– تفاجؤ نتنياهو وحكومته المتطرفة من موافقة حركة حماس على الصفقة ودخولها في دائرة الارتباك نتيجة ضغط هائل، في مشهد كان يصعب تصوره، وهو رد عمق الشرخ والاستقطاب السياسي في الخارطة الحزبية لدى إسرائيل، والتباين في المواقف من سير الحرب على غزة وأولويات إعادة الأسرى.

– عدم تعامل نتنياهو ومجلس الحرب مع مرحلة المفاوضات العسيرة بحسن نية، حيث تجمع تقديرات عديدة على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يقف في منطقة رمادية غامضة وليس واضحا ما إذا كان يريد اتفاقا يعيد الأسرى الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه لا يغضب شركاءه في اليمين الذين يرفضونه شكلا ومضمونا.

ويخشى نتنياهو، وفق قراءات المحللين، اتخاذ قرارات صعبة قد تقود إلى تفكك ائتلاف حكومته، فهو لا يقوم بمهامه كما يجب في إدارة شؤون البلاد خلال الحرب، حسب ما يرى قادة الأجهزة الأمنية وشركاؤه في حكومة الطوارئ من تحالف “المعسكر الوطني”، الوزير بيني غانتس وعضو مجلس الحرب غادي آيزنكوت.

–  وسط الترحيب الإقليمي والدولي برد حماس وموقفها الإيجابي من مقترح الوسطاء للتهدئة، بات ينظر إلى الجانب الإسرائيلي المنقسم داخليا على أنه الطرف المعطل للاتفاق،

والمقصود نتنياهو الذي يقف على مفترق طرق، حيث يسعى إلى التنصل من استحقاقات التهدئة التي قد تفرضها الضغوط الدولية والإدارة الأمريكية.

المقترح الفخّ

في محاولة من نتنياهو للتقليل من الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته حماس بقبول مقترح التهدئة، ولكي لا يترسخ الانطباع بالمجتمع الدولي أن إسرائيل هي التي تعرقل مفاوضات التهدئة، وترفض وقف إطلاق النار وصفقة التبادل، وافق مجلس الحرب على إرسال الوفد الإسرائيلي إلى العاصمة المصرية للتفاوض مع الوسطاء لاستنفاد إمكانية التوصل إلى اتفاق بشروط حازمة للإفراج عن الرهائن ومتوافقة مع المتطلبات الأساسية لضمان أمن إسرائيل.

إن الثابت من وجهة النظر الإسرائيلية أن تل أبيب باتت تشعر بخيبة أمل من الولايات المتحدة، التي وافقت على وقف إطلاق النار، حيث وُصف مقترح التهدئة بـ”الفخ” الذي يهدف إلى الترويج وتصوير إسرائيل على أنها رافضة للتهدئة وصفقة التبادل.

وقد كشف الإعلام العبري عن وجود حالة من الغضب في إسرائيل من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أعطى الضوء الأخضر لمدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) وليام بيرنز لصياغة اتفاق وقف إطلاق النار. ويضيف تقرير المراسل السياسي لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إيتمار آيخنر  “الانطباع في إسرائيل أن واشنطن طبخت هذه الخطوة ووعدت الوسطاء فعليا بضمانات بشأن نهاية الحرب، وهو الأمر الذي لم يكن مقبولا لدى إسرائيل التي ستواصل العمل من أجل التوصل إلى صفقة تبادل، بالتزامن مع الحرب في رفح.

ويخشى المسؤولون الأمريكيون من أن يؤدي الاقتحام البري الضخم لرفح إلى وقوع خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وأن تزيد هذه الخطوة حجم الغضب الأمريكي الداخلي على موقف بايدن المؤيد لإسرائيل.

ومثّل ضغط إدارة بايدن، من خلال بذلها جهدا دبلوماسيا مكثفا للتوسط في وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل لمنع اجتياح رفح، مع ضرورة الإفراج عن الرهائن والأسرى بمن فيهم 5 مواطنين يتمتعون بالجنسية الأمريكية، أولوية خاصة مع قرب الموسم الانتخابي.

وأشارت تقارير إلى قرار اتخذته إدارة بايدن قبل أيام بتأخير تسليم الذخائر إلى إسرائيل في محاولة لإظهار العواقب التي تواجهها واشنطن إذا اختارت إسرائيل المضي قدما في هجوم عسكري ضخم على رفح. ورفض جون كيربي تأكيد أو نفي هذه التقارير.

ويخشى بايدن أن يوجه اقتحام رفح ضربة أخرى إلى ما تعرف باستراتيجية “عناق الدب” (دعم بلا حدود لإسرائيل) التي تنتهجها إدارة بايدن والتي ترى أن الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل في العلن يسمح لها سرا بتوجيه الإسرائيليين نحو عمل عسكري أقل حدة.

كما أن تصعيد العنف في غزة من شأنه أن يعقّد السياسة الداخلية لبايدن، الذي يتعامل بالفعل مع تيارات معارضة بحزبه الديمقراطي، وهو ما ظهر بوضوح في نسق التصويت في الانتخابات التمهيدية، إضافة إلى حركة الاحتجاجات الضخمة التي تعصف بمئات الجامعات الأمريكية بسبب سياسته الداعمة لإسرائيل.

بعيدا عن المسار السياسي والفجوات الإسرائيلية المزعومة في المفاوضات، يرى مراقبون أن العملية العسكرية في رفح بمثابة محاولة لتليين مواقف حماس، وحسب الخطة العملياتية للجيش سيكون التوغل متدرجا مع استمرار المفاوضات في القاهرة بحضور الوفد الإسرائيلي، إذ يمكن وقفها في أي لحظة مطلوبة إذا حدث تطور إيجابي حقيقي من وجهة نظر إسرائيل في المفاوضات، وفي سياق صفقة إطلاق سراح الأسرى.

لكن تبقى هناك عقبة كبيرة في طريق حكومة نتنياهو هي أن التحرك العسكري في رفح إن لم يكن مدعوما بخطوة سياسية واضحة، فلن يكون من الممكن التوصل إلى النتيجة المرجوة: إطلاق المحتجزين وإلحاق الضرر بحماس.