رأي

حلّ الدولتين.. إسرائيل فوق القانون والشرعية والإنسانية

محمد بشير ساسي
ما تزال إسرائيل تقف -مدفوعة بدعم غربي أمريكي غير محدود- في مواجهة العالم والشرعية الدولية برفضها أيّ اعتراف بدولة فلسطينية، وذلك في تحدّ صارخ للقانون الدولي وعدم اكتراث للمساءلة السياسيّة والأخلاقيّة بما يتناغم مع عقيدة الإبادة “الصهيونية” ونظام الفصل العنصري اللّذين يمارَسا منذ عقود على الفلسطينيين شعبا وأرضا وحقوقا.

مشروع صهيوني
فمنذ قيامه جسما غريبا في المنطقة العربية على أساس قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1947، حشد الكيان الصهيوني المحتل كلّ القدرات الدبلوماسية، العسكرية، الاقتصادية، الإعلامية والأهم من ذلك كلّه توظيف الأساطير الكتابية أو التوراتية لاستمرار وجوده على الأرض، كما ينصّ مشروع قادته الأوائل “ثيودور هِرتزل” و”إسرائيل زانجويل” وغيرهما: “أرض فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

وفي هذا السياق يقول الدكتور “عصام سخنيني”، أستاذ التاريخ السابق في جامعة “البترا” الأردنية في كتابه “الجريمة المقدّسة”: “إننا لو أردنا تكثيف المشروع الصهيوني في جملة واحدة لكانت دعواه بأنّه يُعيد اليهود المُشتَّتين في شتى بقاع الأرض إلى أرض ملكوها وتوارثوها عن الأجداد، فتلك السردية تحمل المكونات التاريخية الثلاثة للخطاب الصهيوني منذ نشأته، والمتمثّلة في الشتات ومعاناة الشعب اليهودي التاريخية وفُرقَته في مختلف البلاد، والأرض التي وعدهم بها الكتاب وأورثهم إياها، والعودة التي هي إرادة سماوية واجبة الحدوث.

وتكتمل أسس هذا المشروع الصهيوني بالاستحضار الدائم لدور الضحية، وقد وظّف الصهاينة رواية الاضطهاد الذي تعرّض له اليهود -خصوصا في روسيا القيصرية (شرقي أوروبا) أواخر القرن التاسع عشر- لتحشيد الدعم لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين. غير أنّ هذه الفكرة لقيت زخما كبيرا إثر الاضطهاد النازي لليهود في الحرب العالمية الثانية.

ومع استلهام الصهاينة للتاريخ والتراث اليهودي تكرّست فكرة “الضحية الدائمة”، وتمّت تعبئة الجماعات اليهودية على هذا الأساس، وإنّ “الإبادة” النازية هي دليل عملي على رفض العالم لهم وإنّ “الأغيار” يتربَّصون بهم، وإنّ الضحايا اليهود يُقدَّمون قربانا للمحرقة. وتم تقديم الإبادة على أنّها أهمّ مَعلم في التاريخ اليهودي. وأصبح التاريخ يُسجّل لديهم على أساس ما قبل الإبادة وما بعد الإبادة. وصار الخوف من الإبادة أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية.

ولذلك يحتفل اليهود الصهاينة في الرابع من ماي من كل عام بإحياء “ذكرى الإبادة”، ليتجذّر هذا الشعور في الطبيعة اليهودية الإسرائيلية. بل إنّ الأساس في الصهيونية هو الاعتقاد بحق إسرائيل في الاستعمار “الاستيطاني/الإحلالي” من أجل توفير “الملاذ الآمن” في فلسطين المحتلة، حيث يحكم اليهود أنفسهم بأنفسهم دون أن يكونوا تحت سطوة أحد ويشرّعون لأنفسهم نزع الصفة الإنسانية عن السكان الأصليين وارتكاب جرائم الإبادة في حقهم باعتبارهم حيوانات بشرية وسط “غابة من الاستبداد والتخلّف كما يصوّرون ذلك.

الاستعمار الجديد
بالمفهوم السياسي، يعرِّف المؤرخ والمفكّر الفلسطيني “عبد الرحمن الكيالي” الاستعمار بأنّه نزوع الدول الكبرى إلى نهب وسلب مُنظّميْن لثروات البلدان الأخرى، وتدمير تراثها الحضاري والثقافي. وعادة ما يكون هذا الاستعمار استعمارا استغلاليّا، تحتل فيه الدولة المُستعمِرة الدولة المُستعمَرة عسكريّا وإداريّا؛ لأهداف اقتصادية (نهب ثرواتها وتسخير عمالتها)، أو أهداف إستراتيجية (الاستفادة من موقعها الجغرافي لأغراض مختلفة). ومثال ذلك الاستعمار الغربي في صوره المتعدّدة للدول الإفريقية والآسيوية طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

في مقابل هذا النمط الاستعماري يأتي النمط الآخر الاستيطاني الذي لا تكتفي فيه القوى العسكرية باحتلال البلاد وإدارتها ونهبها، بل تمتدّ سطوتها إلى الحصول على الأرض نفسها وإنهاء الوجود المادي والقومي والثقافي لأهلها، قبل أن تدعو القوى الاستعمارية مواطنيها إلى الاستيطان في الأرض المُفرَّغة واعتبارهم شعبها الجديد، ومثال ذلك ما حدث في الأمريكتين وأستراليا اللتين حلَّ السكان الأوروبيون محلّ الكثير من سكانها الأصليين، وباتوا هم أصحاب الأرض.

وبين النمطين، يأتي نمط ثالث دمج كلًّا منهما وأنتج ما يصفه الباحث “إسلام شحدة العالول” بالكيان الاستعماري الجديد ممثَّلا في إسرائيل. ونتج هذا النمط بالاعتماد أساسا “على التراث العنصري الغربي الذي حوَّل العالم إلى مادة استعمارية لصالح الإنسان الغربي صاحب القوة”، ما يعني رغبة القوى الاستعمارية الصهيونية في نهب ثروات فلسطين وتسخير أهلها لخدمة الاحتلال.
وفي الوقت نفسه، جرى اختلاق شرعية “أرض الميعاد” ونزع الشرعية عن الوجود العربي في فلسطين، واعتبار الفلسطينيين غزاة محتلّين يجب إجلاؤهم عن أرض إسرائيل المقدّسة، ما يستلزم استيطان الأرض وسلب أكبر قدر ممكن منها، أي إنّ الاستعمار الصهيوني كان استعمارا واستيطانا في الوقت نفسه، وهو استيطان مستمر وليس حدثا منفصلا، فكل ما يبتلعه من أراضٍ حِل له، دون النظر إلى أيّ حدود جغرافية أو قوانين دولية.

فإسرائيل لم تُخفِ يوما -منذ نشأتها- هدفها الأساسي لتفريغ الأرض الفلسطينية، ومحاولة إظهارها أرضا فارغة مخصّصة للصهاينة، وفق توصيف المفكر الفرنسي “جيل دولوز”. فهذا الاستعمار الاستيطاني المُدمج يقوم على عقيدة إفراغية (تفرغ الأرض) مختلفة عن نظيرتها الأوروبية المتمثلة في استغلال السكان مع تحويل ما تبقى لديها من هؤلاء السكان إلى مادة استعمالية تسخّرها وتستغلها بوصفها يدا عاملة رخيصة، ولا تمحوها بالضرورة. يعني ذلك أنّ النظام الصهيوني بات حالة استثنائية تجمع بين النمطين الاستعماري والاستيطاني، فهو استيطان يستخدم أدوات الاستعمار، لكنه لم يفلح في محو السكان الأصليين كما حدث في الولايات المتحدة، نظرا إلى ما يمتلكونه من مقومات ثقافية استعصت على عملية الاستعمار.

المشاريع الاستيطانية
منذ 1948 أفضت النكبة إلى تهجير ثلثي الفلسطينيين من بيوتهم وبلداتهم في عملية تطهير عرقي حملت اسم “خطة دالت”. وهذا الأمر كشف عنه بالوثائق التاريخية عدد من المؤرّخين الجدد الإسرائيليين أنفسهم وخاصة إيلان بابيه وبني موريس وغيرهما. ومنذ تلك اللحظة والفلسطينيون يعيشون في الشتات وجزء منهم لجأ إلى غزة، إذ يشكّل اللاجئون أكثر من نصف سكان القطاع بعضهم موزّع في ثمانية مخيّمات معترف بها.
وعقب حرب يونيو 1967، دارت مناقشات كثيرة داخل إسرائيل، اشتركت فيها كل القوى، والجماعات السياسية والفكرية الإسرائيلية، حول آلية التصرّف بالأراضي العربية المحتلة. وتمخّض ذلك عن استيطان إسرائيل أكبر قدر ممكن من الأرض التي احتلتها، ثم باشر الساسة الإسرائيليون بإصدار المشاريع الاستيطانية، التي بدأت متكاملة، وكأنّه قد تم إعدادها من قبل الحرب. ما يعني أنّ إسرائيل تسير بتخطيط مسبق نحو تحقيق هدفها الأكبر؛ وهو تأسيس إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل حتى الفرات.
بعدها شهد النشاط الإسرائيلي الاستيطاني في الأراضي المحتلة تراجعا طفيفا، وتحديدا عقب حرب أكتوبر 1973 التي كان من نتائجها انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة القنيطرة، بعد أن دمّرها ومن نتائجها أيضا احتفاظ إسرائيل بـ87.5% من الأراضي المصرية التي احتلتها سنة 1967  وحتى تلك النسبة تخلّت عنها إسرائيل، حينما أصدر الكنيست في 28 سبتمبر 1978 الأوامر بإخلاء سيناء من المستوطنين اليهود أما في ما يخصّ الأراضي المتبقية من الجولان، فقد تشبّثت بها «إسرائيل»؛ ففي14 ديسمبر 1981 أصدر الكنيست وبعد أشهر من المناقشات قرار ضم الجولان لإسرائيل.
كما أنّ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر 1987 جعل تشييد المستوطنات يشهد تراجعا وجمودا جديدا، بل إنّ هناك دراسات أشارت إلى أنّ بعض المستوطنات الإسرائيلية تم إخلاؤها، نتيجة تعرّض سكانها لأعمال المقاومة الفلسطينية لكن بعد سنة 1990 غدت وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في تزايد وانتشار مستمر نظرا إلى استفراد الليكود بالحكم مجدّدا، وخاصة مع إعادة تشكيله الحكومة الإسرائيلية في 6 نوفمبر من السنة المذكورة التي ترأّسها إسحق شامير أيضا. وكانت من ضمن تشكيلاتها شخصيات متشدّدة جدا في مسألة الاستيطان والضم، أمثال بنيامين نتنياهو، الذي اُختير نائبا لوزير الخارجية.

ولكن بعدما ألّف إسحق رابين في 13 جويلية 1992 حكومته العمالية أسّست اتفاق أوسلو في 17 أغسطس 1993 مع منظمة التحرير التي مُنحت بموجبه إدارة مؤقتة للحكم الذاتي، لكن في الواقع لم تعالج الاتفاقية موضوع حلِّ المستوطنات بل على العكس، فقد تابعت إسرائيل بصمت تشييدها للمستوطنات، أثناء تلك المفاوضات وبعدها وقع تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية (أ، ب، ج)، حيث يخضع ما مجمله 39% من مساحة الضفة (مناطق أ، ب) للسيطرة الإدارية والأمنية الفلسطينية، سواء كان ذلك بصورة كلية في مناطق “أ”، أو مشتركة مع إسرائيل في مناطق “ب”. وأبقى الاتفاق على معظم أراضي الضفة الغربية، والتي تقدّر بـ61% تحت السيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة في منطقة “ج”.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات ظلت الكثير من الدول الغربية، مثل: الولايات المتحدة، وكندا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي ممتنعةً عن الاعتراف بدولة فلسطينيّة، على الرغم من إعلانها دعم حلّ الدولتَين بشكل عام باعتباره حلّا للصراع الفلسطيني، وبقيت تؤكّد أنّ إقامة الدولة لا يتحقّق إلّا من خلال المفاوضات بين حكومة الاحتلال والسلطة الفلسطينية، حيث تركت هذه الدولُ دولةَ الاحتلال تنهش بشكل يومي أيّ أفق لإقامة هذه الدولة. كما أنّ الدول الـ138 الأخرى التي اعترفت بفلسطين في الأمم المتحدة، لم يقدّم اعترافها الكثير، ولم تقدّم ما يمكن أن يساهم في وجود دولة فلسطينية مستقلة، حتى في إطار حلّ الدولتين المدعوم دوليّا، وكان هذا الحلّ تلاشى تدريجيّا بفعل سياسات الاحتلال وداعميه.

وخلال الأعوام الماضية يزداد أكثر، حول الملف الاستيطاني في الأراضي العربية المحتلة، الذي وصل إلى مراحل خطرة على يد الحكومات الليكودية المتعاقبة التي تولّاها نتنياهو، حتى باتت “إسرائيل” تنادي بضم الأراضي التي شيّدت عليها مستوطناتها. ولقد ساند تلك الفكرة الرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب)، الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وبالجولان أرضا إسرائيلية أيضا. ولم يكتفِ بذلك؛ بل قدّم خريطة مشوّهة للضفة الغربية تقتصّ منها غور الأردن الخصب، ونحو نصف ما تبقى من أراضي الضفة لمصلحة إسرائيل، فاصلا بذلك التجمّعات الفلسطينية السكنية عن محيطها العربي.

حلّ الدولتين من جديد
لكن يبدو أنّ عملية “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي، أعادت وضع ملف القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية مرة أخرى وبطريقة متسارعة تصاعدت الدعوات الدولية والإقليمية لقيام دولة فلسطينية في إطار حلّ الدولتين المطروح بواسطة هيئات ومنظمات دولية وعربية، بهدف إنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
وكشف في الآونة الأخيرة تقرير لموقع أكسيوس الأمريكي في نهاية جانفي 2024، أنّ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أصدر تعليمات للمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية بأن تعرض عليه خيارات للاعتراف الأمريكي أو الدولي بالدولة الفلسطينية، فضلا عن تقديم توصيات بشأن الشكل الذي ستبدو عليه “الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح”، وقد جاء الخبر في سياق احتمال وجود تحوّل في التفكير لدى إدارة بايدن حول الاعتراف المحتمل بدولة فلسطينية.
مما زاد من جدية النظر لهذا التطور، وجود تصريح آخر من وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، الذي قال إنّ لندن تدرس الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مؤكّدا ضرورةَ إظهار تقدّم لا رجعة فيه نحو حلّ الدولتين. وإنّ بريطانيا تنظر مع حلفائها في مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك في الأمم المتحدة.

كما دخل الاتحاد الأوروبي على خط المقترح، إذ أكّد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، وجود توجّه جادّ داخل التكتّل الأوروبي نحو العمل على إقامة دولة فلسطينية. وخلال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة العشرين بالبرازيل، صرّح المسؤول الأوروبي بأنّ هناك اتّفاقا في الرأي على الحاجة إلى حلّ الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
بالإضافة إلى ذلك طالب الساسة في منابر دولية أخرى كمنتدى دافوس الاقتصادي، ومؤتمر ميونخ للأمن، وقمة الاتحاد الإفريقي والجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإسراع في حلّ الدولتين..

معوقات الواقع
وهنا يطرح السؤال المهم نفسه؛ ما مدى قابلية تحقيق هذا الطرح على أرض الواقع في ظل عدة معوقات، يمكن تحديدها كالآتي:
– رفض الحكومة الإسرائيلية المتطرفة مثل هذا الطرح شكلا ومضمونا، والدليل على ذلك موافقتها على مشروع قرار لعدم الاعتراف بدولة فلسطينية أحادية الجانب، إذ قال رئيسها بنيامين نتنياهو إنّ “إسرائيل ترفض الإملاءات الدولية” المتعلّقة بهذا الملف.
وأضاف نتنياهو أنّ “مثل هذا الاعتراف بعد “مذبحة” 7 أكتوبر سيعطي مكافأة كبيرة للإرهاب، وسيمنع أيّ تسوية سلمية في المستقبل -على حدّ وصفه- في حين اعتبر وزيرا الأمن القومي والمالية الإسرائليين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، أنّ الدولة الفلسطينية تشكّل تهديدا وجوديّا لدولة إسرائيل وعليه يجب تهجير الفلسطينيين من كل الأراضي المحتلة.
– عرض نتنياهو خطته لليوم التالي للحرب على غزة التي تضمن احتفاظ إسرائيل بحرية العمل في كامل قطاع غزة دون حدّ زمني، كما تتضمّن أيضا إقامة منطقة أمنية في القطاع متاخمة للبلدات الإسرائيلية.
وتنص الخطة كذلك على إبقاء إسرائيل على الإغلاق الجنوبي على الحدود بين غزة ومصر، كما تشتمل أيضا على بند إغلاق وكالة الأونروا وأن تحلّ محلّها وكالات إغاثة دولية أخرى.
– عدم قدرة الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين لا تستطيعان إجبار حكومة الاحتلال اليمينية على إدخال كميات محدّدة من المساعدات الإنسانية إلى غزة، فما بالك إذا يتعلّق الأمر بدولة فلسطينية ذات سيادة.
– اتفاقيات التطبيع العربية الثنائية مع إسرائيل وفق ما يُعرف بـ”اتفاقيات السلام الإبراهيمية” تجاوزت المبادرة العربية التي تتبنّى حل الدولتين، وتطرح شعار الأرض مقابل السلام، والنتيجة أنّ كل دولة انتهجت مسارا منفردا مع إسرائيل منذ طرح صفقة القرن.

من الواضح أنّه مع تواصل حرب الإبادة ضد الفلسطينيين -التي أدخلت إسرائيل أروقة محكمة العدل الدولية في لاهاي- يبدو الحديث عن حلّ الدولتين أبعد من أن يكون حقيقة على الأرض، لذلك فإنّ الجهود التي قد تبذل بعد نهاية الحرب لإحياء هذا الطرح على الأرجح لن تكون سوى تحرّكات دبلوماسية مثل سابقاتها لن تجلب السلام للفلسطينيين ولا الأمن للإسرائيليين.

وعليه، لن تفلح الجهود في إقناع الإسرائيليين بحلّ الدولتين، وسيزداد الأمر صعوبة في حال تم البحث عن جوهر الدولة الفلسطينية، فهناك قضايا مثل اللاجئين والمستوطنات والقدس ستشكّل عقبة كبيرة لتجسير الفجوة بين ما يمكن أن يقبل به أيّ طرف فلسطيني وما يمكن أن يوافق عليه أيّ طرف إسرائيلي.
بمعنى آخر، على الأرجح ألّا تكون حرب غزة الحرب التي تنهي الحروب وتجلب السلام بل ستكون معركة ضمن سلسلة لا يمكن التنبؤ بموعد اندلاعها مرة أخرى. لذلك لن تشهد المنطقة استقرارا، وستبقى القضية الفلسطينية المحرّك الرئيسي لمشاعر الرأي العام العربي والفلسطيني.