ثقافة رأي

حفل بلطي في قرطاج… “غريب عليّ”

صابر بن عامر

معتقلو 25 جويلية

“غريب عليّ” هو عنوان الثنائي الغنائي الذي جمع بين الفنانة الفلسطينية المقيمة بلوس أنجلس إليانا ونجم الراب التونسي- العالمي بلطي.

عنوان يستقيم تماما مع حفل “الرابور” بلطي مساء أمس الأحد 31 جويلية/ يوليو  بمسرح قرطاج الروماني ضمن النسخة الـ56 من المهرجان الدولي.

عشوائية وارتجال غير مُمنهجين

“غريب عليّ” وعلى الجماهير والصحافيين والنقاد ما قدّمه نجم في حجم بلطي، لامس العالمية في سهرة أقلّ ما يُمكن أن يُقال عنها إنها أتت أشبه بـ”عرس في سطح” (حفل زفاف فوق السطوح)؛ دخول وخروج غير مُمنهجين، ولا مبرّر لحضور بعض الفنانين والكورال المرافق لبلطي في حفله الذي هو بالأساس عنوانه الأبرز، فراغات مطوّلة بين الفواصل الغنائية والانتقالات بين اللوحات، إن اتفقنا على تسميتها لوحات أصلا.

والأكثر غرابة، رغم تميّزه، ذاك الحضور الطاغي لضيف الحفل كافون الذي افتتح السهرة عوضا عن نجمها بلطي، ليغني على امتداد 35 دقيقة، بالتمام والكمال، أشهر أغانيه “نحب نقلّع” و”حوماني” و”مزاطيل” و”شق شق” و”جيت نعوم الموج قلبني” و”انت مهبولة” وغيرها، وسط تفاعل جماهيري كبير من الحضور الذي غصّت به مدرجات قرطاج في ليلة انتظرها بلطي طويلا.

آخر صعود لبلطي على مسرح قرطاج كان في العام 2015، لكنه أهدر فرصة البروز وتأكيد نجمه ليلة أمس بصعوده المتأخّر على الخشبة، في تمام الساعة 22.53؛ أي بعد نحو ساعة من انطلاق الحفل الذي ملأ فراغاته “دي جي بلاك” كيفما اتفق، قبل أن يُسمع صوت بلطي من وراء الكواليس، أو هكذا خُيّل إلينا، وهو يغنّي أغنيته الشهيرة “ديڨة ديڨة” ليطلع علينا وجه آخر عوض عنه وهو يُغني الأغنية بحركات عشوائية ما أنزل الله بها من سلطان.

فراغ ثان مطوّل هذه المرة ليخرج بلطي، أخيرا، إلى جمهوره مصحوبا بـ”الرابور” زياد نيڨرو منشدين معا على امتداد ساعة من الزمن من سجل بلطي أشهر أغنياته منها “يا حسرة” و”أنا” و”يا قلبي شبيك” و”آلو آلو” و”حلمة” و”خليها على ربي” و”سكرتي روحي” التي أُقفل بها الحفل!

وبين كل هذا وذاك دخول وخروج غير مُمنهجين كالعادة، بل وعشوائيين أحيانا لضيوف بلطي كحمودة الذي غنّى معه أغنيتهما الحدث للعام 2017 “يا ليلي”، التي حقّقت حتى اللحظة أكثر من 800 مليون مشاهدة على اليوتيوب، الأمر الذي حلّق ببلطي إلى العالمية بل بات علامة فنية مسجلة دوليا، إن صحّت المقاربة الاقتصادية في حفل فني خالص، وهو الذي تبنّته وزارة السياحة ليكون شريكها الدائم للترويج للسياحة التونسية عبر كليباته المصوّرة، التي تُبرز جمالية البلد وتاريخه الحضاري الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف سنة.  

بصيص من التميّز… ولكن

ربما ما يُحسب لبلطي في حفله القرطاجي الأخير، أمران لا ثالث لهما، أولهما ذاك الصعود الأنيق للفنانة الفلسطينية إليانا التي غنّت معه “غريب عليّ” وسط تفاعل جماهيري صاخب. وثانيهما أنه غنى على عكس المعتاد بشكل مباشر مع فرقة موسيقية مكتملة العدد بقيادة مهدي المولهي، لكن المشاكل التقنية في الصوت أربكت بعض الأغنيات.

في المحصلة، حفل بلطي في قرطاج 2022 لم يكن في مستوى الحدث ولا يليق بفنان عانق العالمية على مستوى اليوتيوب، ويرنو الصعود إلى أكبر المسارح العالمية. وقرطاج أكبر اختبار لبلطي الذي مرّ مرور الكرام، وإن أنكر ذلك. فشتّان بين اليوتيوب والحفلات المباشرة.

ملاحظة لا بد منها، بلطي الذي أحببناه ودعّمناه حين كان فتيا، مُغامرا ومُقامرا بنهج موسيقي جديد، بدا غريبا على التونسيين أيامها، تحديدا منذ ظهوره الجماهيري الأول في العام 2002، ثابر وكابد الصعاب مُتجاوزا “المطبات” بإصرار منه ودعم مُتواصل من بعض الصحافيين الذين آمنوا بخطّه، ليُصبح بلطي على ما هو عليه الآن.

لكنه في المؤتمر الصحفي الذي أعقب حفله القرطاجي الأخير أبى أن يقبل نقد بعض الصحافيين واستكبر على توجيهاتهم ونصحهم له، مُعلنا بوجهة نظر فردية أنّ حفله كان ناجحا بكل المقاييس، وإن حصلت هفوات فالذنب ليس ذنبه، بل خارج عن نطاقه محمّلا إدارة مهرجان قرطاج سقطاته التقنية.

فقليلا من التواضع بلطي، وإلاّ فالطريق إلى الهاوية سيكون “ديڨة ديڨة” (رويدا رويدا)!