رأي مدونات

“حفلة أكاذيب” الاحتلال وخسارة الحرب النفسية

وجدي بن مسعود

أسقط عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة القناع عن “الوجه القبيح” للخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، وأخرج أسوأ ما فيه من انحياز أعمى، وتعصّب وكراهية وعنصرية ضد العرب والمسلمين -وفق خبراء ومحلّلين سياسيين- بعدما تحوّل إلى أداة وظيفية لإعادة نشر مزاعم الاحتلال عن “جرائم ومجازر وهمية”، ارتكبتها فصائل المقاومة الفلسطينية خلال عملية طوفان الأقصى.
فبعد عقود من التغنّي بالموضوعية والتنوّع، والتصنيج المستمر لأساسيات التوازن في التغطيات الصحفية، والحيادية، والتجرّد من المواقف المسبقة والسياسية في الخط التحريري، والانحياز للمعاني الإنسانية، والتي التحفت بها كبريات المؤسسات الإعلامية الغربية، وسقتها كـ”الشراب الطهور” للمتدرّبين الصحفيين من الأقطار العربية وبلدان الجنوب، انهارت كل تلك الشعارات مع دوي الطلقة الأولى لمعركة طوفان الأقصى، مفسحة المجال لتغطية “عرجاء مصابة بالعور”، لا تبصر أو تنقل إلّا من زاوية واحدة.

هستيريا التلفيق الإعلامي


على وقع حالة الهستيريا التي أصابت الكيان المحتل، تهاوت مسافات الحياد والتوازن الغربي “النسبي” سياسيا وإعلاميا في التعاطي مع “طرفي الصراع”، فباتت منابر الساسة والإعلام منصة لترديد أكاذيب الاحتلال التي طفق يطلقها منذ الساعات الأولى للمعركة، في مسعى لشيطنة حركة المقاومة الإسلامية حماس والمواراة على إخفاقه الأمني والعسكري والاستخباراتي الشامل.
سقطت المعايير الإعلامية وقواعدها في أعتى مؤسسات الإعلام الأمريكية والأوروبية بشكل غير مسبوق، لتنطلق في وصلة ترويج حماسية لروايات ملفّقة عن “الأطفال الرضّع الذين ذُبحوا بوحشية من قبل إرهابيي حماس”، و”اغتصاب النساء”، و”استهداف مئات المدنيين الأبرياء كانوا يحضرون حفلا موسيقيا بإحدى المستعمرات في غلاف غزة” وغيرها من الأراجيف والحكايات المختلقة.
“حفلة الكذب” التي أطلقها كيان الاحتلال وتلقّفها الإعلام الغربي، تدعّمت بهجمة محمومة من قبل الساسة في الولايات المتحدة وكبريات العواصم الأوروبية، ممن تبنّوا تلك القصص المختلقة، وإن اضطروا لاحقات إلى التنصّل من بعضها بعد انكشاف جانب من الحقائق.
مواقع التواصل الاجتماعي شاركت بدورها في موجة الاختلاق والتضليل، وعلى رأسها منصات شركة “ميتا”، والتي لم تتردّد في خلع “برقع الحياء”، وإطلاق المجال أمام الدعاية و”البروبغندا الإسرائيلية”، المحشوة بالتحريف، في مقابل أبشع أنماط المنع والرقابة ضد المحتوى المرتبط بفلسطين.

بين الشيطنة وحشد الدعم


ويجمع عدد من المتخصّصين في تحليل الخطاب السياسي والإعلامي، بما فيهم خبراء أوروبيون، أنّ “حفلة الأكاذيب الإسرائيلية” التي وقع تنيها إعلاميا وسياسيا من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، كانت تهدف إلى توجيه الرأي العام الغربي وتعبئته ضد المقاومة الفلسطينية من خلال تشويهها، وتصويرها على كونها “جماعات متشددة ومتطرفة تحمل السلاح وتتحكّم في قطاع غزة”، وتوصيف العمليات الفدائية ضد الاحتلال على أنها “هجمات إرهابية”، ما يساعد على تحشيد الجمهور المستهدف وتهيئته لتقبّل المجازر المرتكبة في القطاع المحاصر، بتعلّات من نوع “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، والقضاء على إرهاب حماس وغيرها من التنظيمات الفلسطينية”.

ذبح للأطفال لم يشاهده أحد


في الساعات الأولى لعملية طوفان الأقصى، أطلق الاحتلال أولى موجة للأكاذيب، بعد أن بثّ عبر وسائل إعلامه وصفحات التواصل الاجتماعي، قصصا وأخبارا مفتعلة عن “قطع رؤوس أكثر من 40 من الأطفال الرضّع من قبل مقاتلي حماس”، مرفوقة بعدد من الصور المفتعلة والمزيّفة التي تبيّن لاحقا أنّ بعضها لجثث بعض الكلاب، في محاولة لاستدرار التعاطف وإظهار وحشية المقاومة، و”التي لا تقل بربرية عن تنظيم داعش”، وفق ما ذهبت إليه التقارير الإعلامية التي تناقلت القصة في عناوينها الرئيسية.
الإدارة الأمريكية كانت أول من تبنّى القصة، حيث خرج المتحدّث باسم البيت الأبيض معبّرا عن تأثّر الرئيس بايدن الذي لم يكن يعتقد أنّه “سيرى صورا لإرهابيين وهم يقطعون رؤوس الأطفال”.
لاحقا مع افتضاح الكذبة التي ابتدعتها قناة “آي 24” العبرية، وكشفها تقرير لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، اضطر البيت الأبيض إلى القول إنّه لا “الرئيس بايدن ولا أيّ مسؤول أمريكي رأى أيّ صور أو تأكّد من صحة تقارير بشأن ذلك بشكل مستقل”.
الغريب أنّه ورغم انكشاف الأمر، إلّا أنّ عديد المسؤولين السياسيين والعسكريين وحتى الصحفيين بكيان الاحتلال، واصلوا طوال أسابيع ترديد القصة، وكان آخرهم المحلّل عيدان رونين على شاشة قناة الجزيرة، ما اضطر المذيع محمد كريشان إلى قطع الحوار معه على الهواء.
الساسة الفرنسيون لم يكونوا أقل حماسة عن بايدن في تكرار مزاعم ذبح الأطفال، حيث تداولها قياديون في أحزاب اليمين ووزراء في حكومة ماكرون، من بينهم وزيرة التضامن والأسرة أورور بيرجيه، بعد تضخيم التفاصيل على يد صحفي أمريكي يدعى دوفيد إلفون، تحدّث عن “إحراق أحد الأطفال في فرن غاز”، في استحضار لصور “المحرقة النازية ضد اليهود”.

مذبحة الحفل المزعومة


أما مزاعم قصف حفل موسيقي يوم السابع من أكتوبر من قبل مجموعة عسكرية تابعة للمقاومة الفلسطينية، فقد استمرت لفترة طويلة، بعد أن وقع التركيز عليها قبل عديد القنوات، وإعادة بثّ مشاهد الهلع والخوف التي أصابت مئات المستوطنين وهم يفرّون من الموقع التي تعرّض للهجوم.
ظل كيان الاحتلال يردّد أنّ من قام بمذبحة حفل مهرجان “رعيم” الموسيقي هم “مقاتلو حماس الذين ذبحوا الجمهور بدم بارد”، قبل أن تكشف صحيفة “هآرتس” العبرية في 19 نوفمبر، واستنادا إلى تحقيقات الشرطة، أنّ “طائرة إسرائيلية قصفت على ما يبدو إسرائيليين قرب رعيم بغلاف غزة ظنّا أنّهم مسلّحون من حماس”، ما تسبّب في مقتل أكثر من 300 شخص.

مستشفى المعمداني..كذب بـ”رعاية بايدن”


قصف المستشفى المعمداني الأهلي في غزة شكل جريمة حرب مكتملة الأركان، جعلت جيش الاحتلال في مواجهة ورطة سياسية إزاء ردود الفعل الدولية الشاجبة للمجزرة، ما دفعه إلى حذف تدوينات لوزارة الدفاع تتبنّى الهجوم بعد ساعات قليلة، وإطلاق سردية وهمية عن “صاروخ للمقاومة سقط بشكل خاطئ”، على المستشفى الذي كان يضم مئات اللاجئين المدنيين.
ورغم أنّ ادّعاءات حكومة نتنياهو لم تكن لتنطلي على طفل صغير بالنظر إلى الفرق الشاسع بين القوة التدميرية لصواريخ القسام والاحتلال، إلّا أنّ الرئيس الأمريكي قدّم خلال زيارته إلى تل أبيب “صك براءة” إلى نظيره الإسرائيلي وملقيا بالمسؤولية على “الطرف الآخر”، حسب تعبيره.
مجزرة المستشفى المعمداني لم تكن استثناء، إذ أتبعتها سلسلة هجمات ضد أكثر من 160 منشئة صحية واستشفائية، حسب إحصائيات الإعلام الحكومي في القطاع، وهي عمليات يفسّرها المتابعون بتراكم الإخفاقات العسكرية لجيش الاحتلال خلال الاجتياح البري، ومحاولة تنفيذ مخطط التهجير القسري للفلسطنيين، ما أدّى إلى تحويل جل المستشفيات إلى محور استهداف، بحثا عن انتصارات وهمية ترمّم “أسطورة الحيش الذي لا يقهر”.

عندما يتحول التضليل إلى فضيحة


ومع بدء حصار مستشفى الرنتيسي ومن بعده مستشفى القدس والإندونيسي، وكذلك مستشفى العيون والأطفال، بدأ الإعلام العبري بإيعاز من وزارة الدفاع، في تكرار “إسطوانة سمجة”، عن وجود خلايا وأنفاق عسكرية لحركة حماس داخل هذه المؤسسات، لتقديم مبرّر لاقتحامها واستهدافها بشكل معلن ومتعمّد إلى الإعلام والساسة الغربيين، بعد أن استنفدت كذبة “الصاروخ الخاطئ” غايتها في التغطية على مجزرة المعمداني.
بلغت الانتهاكات الوحشية على المتشفيات ذروتها بالهجوم على مجمع الشفاء الطبي بعد حصاره لأيام، وذلك عقب تمهيد دعائي روّج له الإعلام الأوروبي والأمريكي، بتكرار مزاعم وجود أنفاق أسفل المكان يتنقّل عبرها مقاتلو حماس، وكانت المحصلة جريمة قتل خلالها عشرات الأطباء والمصابين والمرضى بدم بارد، فيما جرى اعتقال بعضهم الآخر.
بعد ساعات من الاقتحام والتدمير الواسعين في مجمع الشفاء، خرجت وزارة الدفاع والمتحدّث باسم جيش الاحتلال بفيديوهات رخيصة ومضحكة قوبلت بموجة انتقاد حتى من الإعلام العبري.
الفيديوهات التي حاولت توثيق ما وصفته بـ”الأدلة” على استخدام المستشفى عسكريا، تحوّلت إلى فضيحة سياسية، بعد تصوير بضعة رشاشات وأسلحة “لإثبات وجود عناصر من حماس بالمستشفى”، فضلا عن ادّعاء العثور على أحد الأنفاق والذي تبيّن أنّه مدخل لأحد المصاعد.
تلخّص “حفلة الأكاذيب” -حسب عديد التحليلات السياسية- فشل الاحتلال في اختلاق إنجاز وهمي عسكري، وعدم تمكنه حتى من خلق موجة أو مناخ من التعاطف في أوساط الرأي العالمي معه، بل انقلب السحر على الساحر وتسبّبت الأكاذيب لاحقا في انقلاب بوصلة الموقف والمزاج الشعبي في أوروبا والولايات المتحدة ضد الكيان المحتل، ما خلق موجة ضاغطة من التحركات والاحتجاجات.
ويلخّص باحثون في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي هذا الرأي بالقول، إنّ الاحتلال “خسر الحرب النفسية بشكل كامل”، ولم ينجح في توظيف الحشد السياسي والإعلامي الغربي الذي تجنّد لفائدته وروّج لدعايته بشكل غير مسبوق، وبطريقة جعلت مصداقية هذه المؤسسات على المحكّ بالنسبة إلى موطنيه وكذلك الجمهور العربي، فضلا عن الآثار السلبية التي لحقت بصورة القوى الدولية الكبرى بعد انجرافها المطلق لتأييد أحد أكبر الجرائم ضد الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، لتحوّل معركة التضليل الإعلامي الاحتلال والإعلام الدولي إلى “أضحوكة” سياسية وأخلاقية.