تونس

جيلبار نقاش…رحيل الماركسي التونسي العاشق لفلسطين

هو أبرز الوجوه التاريخية لليسار التونسي وآخر المؤسسين لمسار “برسبكتيف”، أو مجموعة آفاق ذات المرجعية الماركسية والقومية، التي تحدت الانغلاق السياسي في تونس منذ منتصف الستينات، وقاومت ديكتاتورية الحزب الواحد وحركت المياه الراكدة في الساحة الداخلية، برغم التضييقات الأمنية والاعتقالات والهرسلة والمحاكمات.
اختزل مسيرته مع السجون والمعتقلات في علبة “كريستال”، هو عنوان كتاب عن تجربته النضالية في المعتقل، وكانت شهادته أمام هيئة الحقيقة والكرامة بمثابة محاكمة للخيارات السياسية والاقتصادية للحقبة البورقيبية، وإدانة لديكتاتورية وإرهاب نظام بن علي.
كتب جيلبار نقاش الفصل الأخير لمسيرة رجل تونسي عظيم، مساء السبت 26 ديسمبر، بلا جلبة وبعيدًا عن الأضواء وبهرج الإعلام، كما عرف طوال حياته مناضلاً متواضعًا، بعيدًا عن الأهواء الذاتية وأمراض الزعاماتية التي عصفت بغيره من المناضلين.

معتقلو 25 جويلية

رمز تاريخي لليسار التونسي
بعيد إعلان وفاة “بابي” وهي الكنية التي اشتهر بها بين أصدقائه ورفاقه، تداعت كلمات النعي والوداع من لفيف من المناضلين ورفاق الدرب، والمهتمين بالتاريخ الوطني، لتترجم إجماعًا قل نظيره، تجاه مفكر طالما عرف بفخره ووفائه لانتمائه التونسي، برغم إغراءات وتهديدات الدوائر الصهيونية العالمية.
“شارع كبير لليسار القديم أطفئت أنواره”، هكذا كتب الصحفي نور الدين المباركي في وداع جيلبار، في ما وصفه مدونون آخرون بالمناضل العاشق لفلسطين والمحارب للصهيونية والاحتلال.
في شهادته أمام هيئة الحقيقة والكرامة في نوفمبر 2016، باعتباره أحد ضحايا الاضطهاد السياسي لخص جيلبار نقاش نظرياته اليسارية والاشتراكية، من خلال نموذج سياسة الإصلاح الزراعي التي انتهجها بورقيبة بعيد الاستقلال، والتي “كانت متناقضة مع مفهوم الاستقلال والسيادة الوطنية ومجابهة الهيمنة الاستعمارية”، كما بين في حديثه أمام اللجنة.
“سنة 1962 بدأت العمل كمهندس شاب بإدارة الإنتاج الفلاحي والنباتي والحيواني بوزارة الفلاحة، وفوجئت بان الإدارة يشرف على تسييرها خمسة مهندسين فرنسيين من بقايا الإدارة الاستعمارية، وكانت الخطط والبرامج التي ينفذوها على مستوى ضم الأراضي وتخطيط السدود مثار خلافات كبيرة، لكونها تتناقض في المناهج مع تركيز منظومة فلاحية وطنية مستقلة، وتعمل على تكريس تبعية غذائية وإنتاجية واقتصادية بالمستعمر السابق”.
هكذا لخص الرجل بداية صدامه الفكري مع نظام بورقيبة، والذي أخذ منهجًا سياسيًا من خلال موقعه القيادي في مجموعة “آفاق العامل التونسي”، التنظيم الذي تأسس في باريس سنة 1963 على يد ثلّة من الطلبة التونسيين الذين ينتمون إلى تيارات فكرية ماركسية وقومية متنوعة.
اضطلع جيلبار بمهام سياسية صلب “برسبكتيف”، إلى جانب التنظير الفكري والدراسات التي نشرها بمجلة “آفاق تونسية” التابعة للحركة، واشتهر بمواقفه المناهضة للصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، برغم الإحراج المرتبط بديانته وأصوله اليهودية، والتي كان يرد عليها بانتمائه التونسي الخالص وولائه الوطني.
كريستال وذكريات المعتقل
“كريستال” اسم اختاره جيلبار عنوانًا لكتابه الذي خصصه لتجربته السجنية، والاسم كان إحالة على الأوراق الصغيرة المستخرجة من علب سجائر من ماركة “الصفاء” التونسية الأكثر تداولا بين السجناء، والتي كتب فيها جيلبار مسودة مخطوطه، وذلك لصغر حجمها وسهولة تهريبها.
“نزلت عليّ الكتابة دون أن أسعى إليها، لقد لجأت إليها لأنه لم يكن لديّ ما أفعله، كان من الصعب جدًا إمضاء 18 ساعة في اليوم دون قراءة ودون عمل أي شيء، كانت الكتابة إذن وسيلة لتمضية الوقت، وكانت أيضا في البداية نوعًا من العلاج، علاج الجراح الداخلية التي جاءت نتيجة للانقطاع عن الأصدقاء لأسباب سياسية”، هكذا تحدث الرجل تجربته مع أدب السجون، وذكرياته وجراحه التي لم تفت من التزامه ومبادئه، رغم ما تلاها من تضيقات وإقامة جبرية، استمرت حتى في زمن بن علي.
كان جيلبار ماركسيًا، وذلك يعني بالنسبة له معادة الصهيونية بشكل مبدئي، باعتبارها حركة استعمارية عنصرية، فلم يكن مستغربًا مواقفه المناصرة لفلسطين، ومشاركته في مختلف الفعاليات المنددة بالجرائم الإسرائيلية، رغم الاتهامات التي واجهته من الحركة الصهيونية، لكن “بابي” كان من طينة المناضلين الذين يضلون أوفياء لقناعاتهم ومبادئهم، فظل مدافعًا عنها إلى ما بعد الثورة، من خلال نشاطه وحضوره في كل المنابر والفعاليات لتقديم خلاصة تجربته السياسية والفكرية.