ثقافة

جوزيه ساراماغو… واقعية قاسية بأسلوب فانتازي منحته نوبل للأدب

يحيي أحباء الرواية اليوم 18 جوان/ يونيو الذكرى الـ12 لرحيل الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1998.

معتقلو 25 جويلية

وجوزيه دي سوزا ساراماغو، هو اسمه الكامل، وهو كاتب ومسرحي وصحافي ولد في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1922 بقرية آزينهاغا التابعة لمقاطعة ساناريم البرتغالية.

مؤلفاته يمكن اعتبار بعضها أمثلة، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهات نظر مختلفة تركز على العنصر الإنساني.

 وقال عنه الناقد الأدبي الأمريكي هارولد بلوم: “ساراماغو جزء هام ومؤثر في تشكيل أساسيات الثقافة الغربية المرجعية الأدبية الغربية”، بينما أشاد الناقد الأدبي البريطاني جميس وود: “باللهجة الفريدة في أعماله، بما أنه يروي رواياته كما لو أنه شخص حكيم وجاهل في الوقت نفسه”.

طفولة مُلهمة

عاش ساراماغو الذي ولد في العام 1922 في قرية آزينهاغا التي تبعد 60 ميلا عن لشبونة، في كنف جديه في حين كان والداه يبحثان عن العمل في المدينة الكبيرة. 

وفي خطابه لدى تسلمه جائزة نوبل، تحدّث بحب وتقدير عن جديه القرويين والأميين، اللذين كانا ينامان في الشتاء على سرير واحد مع حيواناتهما، واللذين نسب إليهما الفضل في اكتسابه سعة الخيال والتراث الشعبي، بالإضافة إلى احترام الطبيعة.

وتحدّث في كتابه المؤثّر “ذكريات صغيرة” عن الصدمة التي واجهها حينما انتزع في طفولته من كنف جديه في القرية النائية، ليستقر في لشبونة، حيث كان يعمل والده في شركة، وصدمته الأخرى حينما توفّي شقيقه الأكبر بالسل بعد بضعة أشهر.

وأفاد في مقابلة له عام 2007، بأن عائلته بقيت تُعاني من الفقر، وكانت والدته ترهن كل ربيع مفارشها على أمل استعادتها في الشتاء التالي.

وعلى الرغم من أنه كان تلميذا نجيبا في المدرسة، فرض الواقع الاقتصادي على والديه فصله عن الدراسة  حينما كان في الثانية عشرة من عمره وتسجيله في مدرسة أقل تكلفة، حيث تدرّب كميكانيكي سيارات.

وتُعتبر روايته “سنة موت ريكاردو ريس” التي نشرها عام 1999 من روائع أعماله، وهي الرواية الوحيدة التي انتقد فيها الدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار. وتدور أحداثها عام 1936 وهي الفترة المظلمة من تاريخ أوروبا مع صعود نجم هتلر وفرانكو وموسوليني وسالازار. وتتحدث القصة عن مغادرة طبيب وشاعر أراضي البرازيل والعودة إلى لشبونة الفاشية.

25 لغة عالمية

بيعت أكثر من ميلوني نسخة من أعمال ساراماغو في البرتغال وحدها وتمت ترجمة أعماله إلى 25 لغة عالمية. وبما أنه كان أحد مؤيدي الشيوعية اللاسلطوية، فإنه كان عرضة للنقد من قبل بعض المؤسّسات مثل الكنيسة الكاثوليكية والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، والتي عارضها ساراماغو في كثير من القضايا.

كان ساراماغو الذي توفّي في 18 جوان/ يونيو من العام 2010 عن عمر ناهز الـ87 عاما، أحد الأعضاء المؤسّسين للجبهة الوطنية للدفاع عن الثقافة في لشبونة في عام 1992، كما أسّس بمشاركة أورهان باموك، برلمان الكُتاب الأوروبي.

وبعد وفاته بنحو 8 سنوات، تحديدا في العام 2018 صدر له كتاب “دفتر سنة نوبل” وجاء ذلك بعد استلامه الجائزة بعقدين من الزمن، وتُركت مخطوطته في يد زوجته بعد وفاته.

بداية الشهرة

حاز ساراماغو على شهرته العالمية، من خلال رواياته التي تناول فيها واقع الاضطرابات السياسية في بلده خلال أربعين عاما، بأسلوب تجريبي جمع فيه بين الواقعية والسريالية، مثل روايته “بالتاسار وبليموندا” و”العمى” التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي من إخراج البرازيلي فيرناندو ميريل عام 2008.

ويعدّ ساراماغو أول كاتب برتغالي يفوز بجائزة نوبل، وهو من الشخصيات السياسية التي تبنت الفكر الشيوعي، وقد قام بعد فوزه بالجائزة بتقديم عديد المحاضرات في المؤتمرات العالمية رفقة زوجته الصحافية الإسبانية بيلار ديل ريو. وقد وصف العولمة بأنها انعكاس لفشل الديمقراطية المعاصرة أمام تصاعد نفوذ الشركات ذات الجنسيات المتعدّدة.

صمت مُمنهج

على الصعيد المهني أتى إبداع ساراماغو متأخرا، إذ نشر أول رواية له حينما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وتبعتها مرحلة صمت استمرت لمدة 30 عاما.

ولم يتفرّغ كليا للكتابة إلاّ في أواخر الخمسينات من عمره، بعد عمله ميكانيكيا في إحدى الورش، وموظفا في مؤسّسة بيروقراطية للرعاية الاجتماعية، ومدير إنتاج في مطبعة، ومدقّقا لغويا ومترجما وكاتب عمود في إحدى الصحف.

أما نجاحه الأكبر فأتى بداية مع رواية “بالتاسار وبليموندا”، والتي تدور أحداثها في البرتغال في القرن الثامن عشر، ويصوّر فيها ساراماغو المآزق التي يتعرّض لها أبطال عمله وهم ثلاث شخصيات من غريبي الأطوار وذلك بسبب أسئلتهم.

وهذه الشخصيات هي: القسيس المتهم بالهرطقة ويصنع آلة تطير، والجندي السابق   وحبيبته ابنة ساحر وتتمتع برؤى أشبه بالصور الشعاعية “إكس راي”.

وما إن ترجمت هذه الرواية إلى الإنجليزية ونشرت في بريطانيا عام 1987، حتى اكتسب ساراماغو شعبية عالمية واسعة. وقد وصف الناقد أيرفينغ هو عمله ذا الوحدة المتكاملة بقوله: “واقعية قاسية بأسلوب الفانتازيا”.

أسلوب ساراماغو متجاوز لعصره وتقليدي في الوقت نفسه، ويتميز بفقراته الطويلة بسرد متدفق لا يشمل أيا من الفواصل وعلامات التنقيط، ويبدو مستعصيا وحداثيا، غير أن عادته الدائمة في تسليم السرد في رواياته إلى الأسلوب القروي البسيط، يتُيح له الكثير من المرونة.

هشاشة الإنسان

باتت كتابات ساراماغو في سنواته الأخيرة تميل إلى الرمزية والمجازية، ففي رواياته “العمى” تُصاب مدينة بأكملها بوباء العمى ممّا يحوّل سكانها إلى مواطنين بربريين، ليعكس مدى هشاشة مدنيّة الإنسان.

وللكاتب رواية أولى بعنوان “أرض الخطيئة” أصدرها في العام 1947، لينتظر 19 عاما بالتمام والكمال ليصدر كتابه الثاني وهو ديوان شعري بعنوان “أشعار ممكنة”. وخلال تلك الفترة عمل في الصحافة والنشر، ثم انخرط في صفوف الحزب الشيوعي الذي كان سريا في العام 1969، وشارك في ثورة القرنفل في 25 أفريل/ نيسان من العام 1974.

صدرت روايته الثانية “وجيز الرسم والخط” في العام 1977، لكنه لم يعرف الشهرة إلاّ في العام 1982 وهو في سن الستين مع رواية “الاله الاكتع” وهي قصة حب تدور أحداثها في القرن الثامن عشر.

وفي العام 1992 أثار ساراماغو جدلا كبيرا جدا في البرتغال بسبب كتابه “الإنجيل بحسب يسوع المسيح”، فغادر حينها وطنه إلى أرخبيل الكاناري الإسباني. وخلال ستين عاما أصدر ساراماغو حوالي 30 عملا راوحت بين الرواية والشعر والمحاولات الأدبية والمسرحيات.

وفي العام 1998 حاز، جوزيه ساراماغو على جائزة نوبل للآداب وهو في السادسة والسبعين من العمر، ليكون بذلك أول كاتب برتغالي يحصل على جائزة بهذه المرتبة، وهو الذي برز في الخمسة والعشرين عاما الأخيرة كروائي صريح  متجاوزا كتاب العالم الغربيين أمثال الأميركي فيليب روث (1933) والألماني غونتر غراس (1927).