جرائم القتل في تونس.. صيحة “مفزعة”

يسرى ونّاس

جرائم القتل ترتفع في تونس بشكل لافت.. فما هي الدوافع وراء هذه الظاهرة المثيرة للقلق؟

“جريمة مروعة.. عملية صادمة، قضية تهز البلاد، قتل عمد، براكاج.. سرقة واغتصاب.. شجار يؤدي إلى مقتل شاب”، كلها عناوين تصدرت خلال هذه الفترة أبرز المواقع الإخبارية وكانت حديث الرّأي العام التّونسي.

لا تخلو نشرة إخبارية أو موقع تواصل اجتماعي أو منشورات من حوادث مشابهة، ما يجعل الأمر مثيرا للقلق داقا جرس الإنذار حول نزيف متصاعد لظاهرة خطيرة كادت تفتك بالمجتمع.

وبالتّمعن أكثر في هذه الظاهرة فإنّ طرق معالجتها لا تقتصر فقط على الجانب الأمني والقضائي فحسب وإنمّا تتطلّب معالجة عميقة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الجوانب المادية والمجتمعيّة والاقتصاديّة والثقافية والتربوية.

ويرى متابعون للشأن المحلي أنّ فئات واسعة تعيش ضغوطا نفسية طائلة ناتجة عن صعوبة المعيشة وتردّي المقدرة الشرائية.

ومن بين الدوافع الأخرى المفسّرة لارتفاع الظاهرة الخطيرة تفاقم أعداد عصابات الإجرام والانتشار المفزع للمخدرات بمختلف أنواعها بين المراهقين والشباب وحتى الأشخاص في أعمار متقدمة.

وتشكّل المخدّرات تهديدا على الصحة والأمان والاستقرار الاجتماعي والنّفسي، وساهم ترويجها واستهلاكها بوتيرة متصاعدة في رفع منسوب العنف المؤدّي في أحيان كثيرة إلى جرائم قتل وإيقاع ضحايا وأبرياء.

وباعتبار تركيبتها الكيميائية الخطيرة فإنّ تناول المخدرات يؤثّر بشكل لافت في وظائف الجهاز العصبي المركزي، ويسبّب تغيّرات في المزاج والوعي والسُّلوك ما يجعل استهلاكها والإدمان عليها مرتبطا ارتباطا وثيقا بارتكاب الجرائم إمّا بدافع تمويل استهلاكهم أو فقدان الوعي والتركيز والقيام بأفعال إجرامية.

وشهدت معدّلات الجرائم ارتفاعا ملحوظا عام 2020، حيث سجّلت 4.69 جريمة قتل لكل 100 ألف ساكن، مقارنة بـ1.92 جريمة قتل لكل 100 ألف ساكن عام 2004.

جرائم متواترة

وتواترت الجرائم بشكل ملحوظ فقبل أسبوع تم العثور في مدينة منوبة على جثة محروقة لمحامية معروفة، تم على إثرها الاحتفاظ بثلاثة متهمين في الجريمة.

وفي أكودة من ولاية سوسة أدى شجار جدّ بين شقيقين إلى عنف شديد بواسط آلة حادة ليفارق أحدهما الحياة.

وفي المدينة نفسها أسفرت عملية سطو (براكاج) مرفوقة باعتداء وطعن عن وفاة شاب في مقتبل العمر متأثرا بإصاباتة.

وكان الشاب قد تعرّض لطعنات بساطور من قبل أحد المنحرفين أثناء محاولة سلبه تحت التهديد بالأسلحة البيضاء.

أما في ولاية نابل فقد قتل شخص بعد الاعتداء عليه بواسطة سيف من قبل شاب آخر.

وفي ولاية توزر، أقدم زوج على قتل زوجته بعد أن أضرم النار في جسدها، بسبب خلافات بينهما، كما قتل زوج زوجته في محافظة منوبة وأصاب ابنتها، إثر خلاف عائلي.

وقبل شهر، كشفت التحقيقات الأمنية أنّ طفلا (هارون/4 سنوات) قُتل على يد ابن عمته البالغ من العمر 20 عاما بمشاركة قاصر لم يتجاوز عمره الـ14 عاما وذلك بعد أن اعتديا عليه جنسيا.

وهي جريمة مروعة هزت البلاد وفجرت موجة غضب شعبي وأعادت النقاش مجددا حول عقوبة الإعدام.

وفي منطقة باب سويقة وسط العاصمة تونس تم إلقاء القبض على “برباش” بشبهة التورط في جريمة قتل حارس مأوى عشوائي على إثر خلاف حادّ جدّ بينهما.

أمّا في قابس فُفجع المتساكنون بمقتل شابة على يد صديقتها بعد خلاف جدّ بينهما في منزل على وجه الكراء لتقوم الشرطة بحجز سكين وهو أداة الجريمة وصفيحة من الأقراص المخدّرة.

والمُلاحظ أنّ العنف شكّل قادحا في ارتكاب مختلف تلك العيّنات من الجرائم وللوقوف على أسبابها ودوافعها، كان لبوابة تونس حديث مع مختصين في علم الاجتماع.

المخدرات.. وجرائم القتل

وفي تصريحها لبوابة تونس شدّدت الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي على أنّ “حجز كميات كبيرة من المخدرات قبل أيام يفسر ارتفاع معدّل الإجرام والقتل في البلاد”.

وفي 19 أفريل 2025، مكّنت الوحدات الأمنية التابعة للحرس الوطني، من تفكيك شبكة دولية تنشط في مجال ترويج المواد المخدرة، وحجز أكثر من مليون و200 ألف قرص مخدر من نوع “إكستازي” بقيمة تتجاوز 40 مليون دينار، وفق ما أكّده المتحدّث الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي.

وأوضحت أننا أمام معادلة فكلما “ارتفع استهلاك المخدرات زادت نسب الجرائم في تونس”.

وتابعت أنّ “هذه الممنوعات تذهب العقل وتغيّب التركيز وتؤدي إلى جرائم قتل مروعة”.

واعتبرت الجلاصي أنّ “العامل الاقتصادي مهم جدّا عند الحديث على تفاقم ظاهرة القتل والجرائم في المجتمع، فهو يولّد هذه النزعة ذلك أنّ الدخل الخام للمواطن التونسي لا يتطابق مع القدرة الشرائية التي تشهد تراجعا كبيرا مرفوقة بشطط الأسعار وتزايد متطلبات الحياة”.

وأردفت أنّ “بعض الرجال تخلّوا عن أدوارهم داخل أسرهم وأصبحت العلاقات بين الأزواج مادية بالأساس ما يولّد خلافات حادة تصل عند البعض إلى حدّ العنف والقتل”.

وأضافت في السياق ذاته، أنّ “الأرقام تشير إلى تصاعد ظاهرة قتل النساء من قبل أزواجهن نتيجة الادّعاء بأن المرأة مسّت من كرامته ورجولته جراء عدم الإيفاء بالتزاماته المادية وتسديد نفقات الطلاق ما يدفعها إلى التوجه إلى القضاء وهو ما يرفضه البعض رفضا قاطعا فيؤدي بهم الأمر إلى العنف وفي حالات أخرى إلى القتل”.

ولفتت المتحدّثة أيضا إلى أنّ “مواقع التواصل ساهمت في تعميق الأزمة سيما بعد تفاقم ظاهرة ما يعرف بالخيانات الفيسبوكيّة من الطرفين سواء المرأة أو الرّجل”.

وزادت: “عوض معالجة المشاكل بينهما والمتمثلة أساسا في البرود العاطفي أو الجنسي يعمد البعض إلى التعنيف في ظلّ غياب الحوار، وبالتّالي فإنّ مؤسسة الزواج أصبحت تفهم بمفاهيم مغلوطة”.

وأضافت أنّ “التونسي أصبح يعيش ضغطا كبيرا وكآبة نتيجة العوامل المذكورة ويرى البعض في المخدرات سبيلا للتخفيف من وطأة ذلك ما يدفع بهم إلى الإدمان وبالتالي إلى الانحراف والانجرار وراء أفعال إجراميّة”.

وشدّدت الجلاصي على ضرورة المحاسبة والعقاب وعلى أهمية الرّقابة الأمنية على الممنوعات.

ودعت إلى بناء إستراتيجية كاملة تبدأ من مؤسسات الدولة ومن المحاضن والمدارس والمعاهد وتنتهي بالإعلام ومؤسسات التأثير الاجتماعي.

وقالت: “يجب أن تكون الدولة صارمة في مسألة الجرائم ويجب أمن يكون الردع أكبر من ذلك” .

ولفتت إلى أنّ “أغلب المجتمعات الغربية المنخرطة في منظومة حقوق الانسان تنفّذ عقوبة الإعدام في جرائم القتل بطرق مختلفة وشنيعة على غرار الحق حتى الموت”.

رقابة الأسرة

من جانبها، ترى الباحثة في علم الاجتماع فاتن مبارك أنّ “فقدان الأسرة دورها الرقابي والتربوي للأفراد والتنشئة الاجتماعية ساهم أيضا بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتفاع منسوب العنف لدى الأفراد”.

وقالت: “يتم عبر التنشئة الاجتماعية التقليدية استبطان العنف وتشكّله سواء في العنف الأسري أو الزوجي أو ضد المرأة نتيجة الهيمنة الذكورية وتمريره للناشئة عن طريق قنوات التنشئة الاجتماعية ما يرفع من منسوبه”.

البعد الرمزي للدولة

وتابعت محدّثتنا أنّ “آخر الإحصائيات تفيد أنّ منسوب العنف والجريمة في تونس تزايد منذ 2011 في ظل غياب حضور الدولة بالمعنى الرّمزي للعبارة باعتبارها من تضع حدود الجريمة في المجتمع وأصبح الأفراد يبحثون عن حلّ لنزاعاتهم بطريقة فردية وعدم ثقتهم في عدالة القانون يدفع بهم إلى اللجوء إلى حلول فردية تصل بهم إلى حدّ ارتكاب الجريمة”.

واعتبرت أنّ “مشاهد العنف في المسلسلات ومختلف المواد الإعلامية والرقمية أثّرت بشكل كبير في استبطانه (العنف) من قبل المراهقين والشباب ليظهر من خلال سلوكاتهم”.

ولفتت إلى أنّ تزايد ثقافة الربح السريع التي تبرز خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي على غرار الانستغرام والتيك توك، مثلت دافعا لممارسة العنف.

وقالت: “نعيش في حالة فوضى تعرف في علم الاجتماع “بافعل ما يحلو لك” وبالتالي فقدان الضمير الجمعي الذّي يذكر دائما بوجود الدولة والعقاب وأنّ الحقوق لا تؤخذ بالعنف وإنما هناك قنوات تؤسس لمفهوم العدالة”.

وأشارت كذلك إلى عدم ثقة الأفراد في وجود قناة تعْدل بينهم جعلت المجتمع يلجأ إلى ممارسة العنف بشكل مباشر ويومي على أبسط الأشياء وأنّ إعادة بناء هذه القاعدة (الثقة) يتطلّب سنوات.

وزادت: “في المجتمعات المتقدمة تقاس التنمية بمنسوب الثقة في الفضاء العمومي والدولة الضامنة للحقوق”.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *