جدل افتراضي حول “خبز الألياف”.. فوائد صحية أم تقليل كلفة الإنتاج؟ 

مع دخول منظومة الخبز المدعم الجديد الغني بالألياف حيز التنفيذ، منذ أيام، تشهد منصات التواصل الاجتماعي نقاشات وسجالات واسعة حول أبعاد الانتقال من المنظومة السابقة القائمة على الدقيق الأبيض المكرر، إلى الخبز المكون من الدقيق غير المكرر، والذي يحتوي على ألياف القمح أو ما يعرف بـ “نخالة الخبز”، بنسبة 85%.

التركيبة الجديدة للخبز المدعم، حظيت بإشادة من وسائل الإعلام وعديد الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، باعتبار أنها ستوفر “خبزا صحيا” على طاولة المستهلك، فضلا عن فوائده لمرضى السكري والسمنة والكوليسترول.

ورغم تعديل التركيبة، حافظت منظومة الخبز المدعم بالألياف، على  التسعيرة دون تغيير، بواقع 190 مليما للخبز من الحجم الصغير (الباقات)، و240 مليما للحجم الكبير.

وفي ظل ما يشكله الخبز ومنظومة دعمه، من أهمية حيوية بالنسبة إلى كل الفئات الاجتماعية للتونسيين، كان من الطبيعي أن يسال “حبر فايسبوكي” كثير، وتراق عشرات التدوينات في سياق الجدل حول خلفيات القرار.

 تباينت آراء المعلقين والمدونين، بين دعم هذه المبادرة بالنظر إلى أهميتها الصحية وأثرها الاقتصادي في تكريس السيادة الغذائية الوطنية، وبين من اعتبرها مسا “مقنعا” بمنظومة الدعم، من خلال تقليل مستوى الدقيق الأبيض، والتخفيض في كلفة الإنتاج، وذلك ضمن “السياسة التقشفية” التي تنتهجها الدولة، بالنظر إلى اعتماد تونس على التوريد لتوفير أكثر من نصف احتياجاتها من الدقيق ومشتقاته.

 

“خبز صحي” لحماية منظومة الدعم

صفحات “الفيسبوك”، حفلت في الأيام الأخيرة، بمنشورات وصور من عديد الولايات، تواكب انطلاق المخابز في إنتاج الصنف الجديد من خبز الألياف، إلى جانب فيديوهات لعديد المتخصصين في التغذية، ممن تحدثوا عن منافعه الصحية.

وكتب هاشم كرامتي: “يُعد خبز النخالة والشعير بديلاً صحيًا غنيًا بالألياف، ويساهم في الحد من العديد من المشاكل الصحية المرتبطة بالاستهلاك المفرط للدقيق الأبيض المكرر، مثل السمنة ومرض السكري، إضافة إلى دعم صحة الجهاز الهضمي”.

وتابع: “هذا التوجه يأتي في ظل تزايد الوعي بمخاطر الدقيق الأبيض الذي يُعتقد أنه يرتبط ببعض الأمراض المزمنة، مقابل فوائد الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية”.

ونشر طارق الدجبي، أن “التغييرات التي ستشمل منظومة الخبز المدعّم، تقوم على التخلي التدريجي عن الدقيق الأبيض وتعويضه بدقيق غني أكثر بالألياف، (بنسبة استخراج تقارب 85%)”.

وأشار الدجبي إلى أن الخبز الصغير “الباڨات” المصنوع من الدقيق الأبيض “سيطرح خارج إطار الدعم بأسعار أعلى، بينما سيُحافظ الخبز المدعّم الجديد على السعر نفسه، وكذلك الشكل العام، مع اختلاف في التركيبة فقط”.

بدورها تناولت أسماء بابا في تدوينة مطولة الفوارق بين خبز الألياف والخبز المكون من الدقيق الأبيض والذي وصفته بأنه “أكبر كارثة” في الثقافة الغذائية التونسية.

 وحسب أسماء بابا، فإن الألياف “تقلل امتصاص السكر وتحسن عملية الهضم،  خاصة بالنسبة إلى تونس التي يعاني ربع شعبها من داء السكري، إلى جانب مقاومة الأنسولين”.

وكان رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المخابز بالنيابة، يحيى موسى، قد أفاد في تصريحات صحفية، تداولتها منصات “السوشيال ميديا”، أن تعويض الخبز الأبيض العادي بالخبز الغني بالألياف، سيمكّن من التمييز بين الدقيق المخصص لصنع الخبز المدعم، والمعدة لصنع المرطبات، والتصدي للتلاعب بالمواد المدعمة.

وأوضح يحيى موسى أن “خبز الألياف”، سيكون صحيا وبأقل كلفة، مؤكدا أن الألياف أو “النخالة” التي سيتم استعمالها لصناعة الخبز، بعيدة كل البعد عن تلك المخصصة للاستعمال الحيواني.

الضغط على كلفة الإنتاج

على الطرف المقابل، يذهب العديد من المتابعين والمعلقين إلى أن الحديث عن مشكلة “نقص الألياف”، كدافع رئيسي لتعديل منظومة الخبز المدعم، يبدو مبالغا، ويحجب الجانب الاقتصادي للمسألة، والهادف إلى التقليص من كلفة الإنتاج، وتخفيف العبء عن منظومة الدعم.

 وتطرق محمد ريان بلغيث إلى هذا الجانب، مبينا أن رفع نسبة الألياف في الدقيق المستخدم للخبز سيخفف من مبالغ الدعم، كما أنه “يهدف ضمنيا إلى الحد من ظاهرة تحويل الدقيق المدعّم نحو استعمالات غير مخصصة له، مثل صناعة الحلويات والمنتجات التجارية، وهي ظاهرة أثقلت كاهل الدولة”.

 بدوره أشار حامد بن عبد الله فقد أشار إلى أن اعتماد تسمية الخبز المدعم بالألياف، يندرج في إطار “البهرج والبروباغندا”، وفق تعبيره، مضيفا أن المنظومة الجديدة تقوم على مستوى سلسلة الإنتاج على زيادة نسبة ألياف القمح في الخبز بنسبة 7%.

واعتبر أن هذه النسبة “لا قيمة لها”، بالنظر إلى أن الألياف “موجودة في كل أنواع الخضر التي يستهلكها التونسيون”.

وتابع: “صحيح أن الخبز الجديد صحي أكثر، ومناسب لمرضى السكري والسمنة، ولكنه لا يخلق فارقا كبيرا في القيمة الغذائية”.

وأوضح بن عبد الله في تدوينته أن الفارق الحقيقي في تكلفة الإنتاج، حيث أن طن القمح سينتج كمية أكبر من الخبز، في المنظومة الجديدة.

وأردف: “يعني أن الأمر اقتصادي تقشّفيّ بالأساس، والدولة غلفته ببعض الفوائد الصحية وحرص الحكومة على صحة المواطن”.

وفي الموقف نفسه علقت ليلى عياري بالقول إن الألياف أو “النخالة”، كما يطلق عليها التونسيون، “عكس ما يروج لها لا تحتوي على أي منفعة خصوصا من ناحية الفيتامينات والمعادن”.

وشددت العياري على أن نسبة 7% من الألياف التي يحتويها الخبز الجديد، “ضعيفة وليس لها أي أثر، سوى أنها تمنع صناع المرطبات من استعمالها”.

أين البروتين الحيواني؟

 وعلى الصعيد ذاته، علق مدونون ونشطاء آخرون على الموضوع، متسائلين عن حرص الحكومة على توفير خبز صحي بالألياف للمستهلك، فيما تغيب البروتينات والمعادن عن سلته الغذائية، في ظل الارتفاع المشط في أسعار اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك، وفق تعبيرهم.

وتساءل حامد بوعبتور ساخرا: “اطمأننا على الألياف بفضل خبز النخالة، كيف نطمئن على البروتين الآن ولحم البقر بـ45 دينارا؟ والفيتامينات يا صديقي هل إليها من سبيل وسعر التفاح بـ 8 دنانير؟”.

أما أسماء البكوش فكتبت: “نحن لسنا في حاجة إلى الألياف حتى يقدم لنا خبز بالنخالة نحن في حاجة إلى الحديد والبروتينات”.

ولفتت أسماء البكوش إلى ارتفاع سعر كلغ اللحم إلى 60 دينارا، مضيفة: “نريد أن نأكل الألياف في الجلبان بـ 6 دنانير والفول الأخضر بـ3 دنانير”.

أما زكية العياري، فنشرت قائلة إنه في ظل الواقع الحالي، ومع “الأسعار المرتفعة للحوم والأسماك، فإن التونسيين لا يعانون من نقص في الألياف، لأنها موجودة في الخضر والبقول بأنواعها نعتمد عليها في وجباتنا الغذائية”.

واستدركت: “النقص الحقيقي في البروتين الحيواني”.

ولفتت التدوينة، إلى أن الإجراء الجديد “سيتسبب في تراجع جودة الخبز المدعم،  بسبب تأثير الألياف على بنية العجين وإضعاف شبكة الغلوتين”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *