تونس وتمرين “الأسد الإفريقي”..بين الطبيعة “التقنية” والدلالات السياسية

الأسد الإفريقي

عبدالسلام الزبيدي

 

على مدى أسبوعين كاملين، تحتضن تونس المرحلة الأولى من التمرين العسكري المشترك المُسمّى بـ”الأسد الإفريقي”. وهو تمرين أو تدريب أو مناورات انطلقت منذ أكثر من 20 سنة بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية (الأفريكوم) وبشراكة مع المملكة المغربية وعدد من الدول الإفريقية.

وشارك في مناورات الأسد الإفريقي خلال السنة الماضية (2025) أكثر من 10 آلاف جندي متعدّد الجنسيات، نفذوا عمليات منسقة في أربع دول هي تونس والمغرب والسينغال وغانا. وهي أهمّ وأكبر نسخة من التمرين المشترك منذ انطلاقه قبل 22 عاما.

أهداف “الأسد الإفريقي”

تمتدّ المرحلة الأولى من التمرين التي تحتضنها تونس من الاثنين 13 أفريل إلى 26 منه. وهي المشاركة التونسية التاسعة على التوالي وفق ما ورد في بلاغ وزارة الدفاع. والهدف من المشاركة وفق البلاغ “دعم القدرات العسكرية وتعزيز العمل المشترك للاستجابة للأزمات والطوارئ والتهديدات العابرة للحدود”.

وأوضح البلاغ أنّ الجيش الوطني التونسي “يحرص على المشاركة بانتظام في التمارين العسكرية المشتركة بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، من أجل تبادل الخبرات والمعارف بين مختلف القوات المشاركة، بما يساهم في الرفع من الجاهزية العملياتية لأفراد قواتنا المسلّحة”.

وحتّى تكتمل الصورة، نشير إلى أنّ هذه التمارين في مراحلها المتعدّدة إلى جانب القوات الأمريكية وقوات من الحلف الأطلسي، جيوش المغرب وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل (لا تشارك قوات الكيان في مرحلة تونس من التدريب) والبرتغال وهنغاريا (المجر) ونيجيريا والكاميرون وغانا وغينيا بيساو والرأس الأخضر وكينيا وجيبوتي وغامبيا وكوت ديفوار وموريتانيا وهولندا. علما وأنّ عددا من الدول تشارك في أكثر من مرحلة فيما تشارك أخرى في مرحلة واحدة، كما يحضر بعض الخبراء بصفة ملاحظين.

وقد أوضح الجيش الأمريكي في أكثر من مناسبة أنّ هذا التمرين بمراحله المختلف والذي تشرف عليه “الأفريكوم” بدعم من وحدات من الحلف الأطلسي (الناتو) “يهدف إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين المشاركين، وبناء الجاهزية للاستجابة للأزمات والظروف الطارئة في إفريقيا وحول العالم”.

بين التقني والسياسي

حرصنا على تقديم صورة شاملة حول التدريب العسكري المشترك بإشراف الأفريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا)، لإبراز الجانب التقني البحت المتعلّق بالأهداف المعلنة ذات الصلة بتحسين الجاهزية والتنسيق، والتصدّي للمخاطر العابرة للحدود على غرار الإرهاب، أو المستجدّة كالمخاطر السيبرانية على سبيل المثال، والتدرّب على مختلف أنواع الأسلحة المشتراة أو المتاحة.

وذاك الوجه من التدريب يدخل في اختصاص الجهات المنظمة والمشاركة وفق تقدير الحاجيات والمخاطر وخدمةً لهدف أسمى، وهو الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها وحمايتها من المخاطر الحقيقية والمحتملة. وهو وجه لا نخوض فيه لأكثر من سبب، من ذلك خصوصية القطاع، وعدم التخصّص، واحتراما للنصوص والضوابط القانونية ذات العلاقة.

لكن ما يهمنا هو الوجه السياسي من المسألة وهو لا يتعلّق بالجيوش المشاركة في ذاتها، بل يهم الجهات التي لها صلاحية ضبط السياسات العامة وتحديد الخيارات والتوجّهات. ومعلوم أنّ دستور 2022 خوّل لرئيس الجمهورية وحده هذه الصلاحيات. وهو ما يعني أنّ هذا الخيار في وجهه السياسي ( وليس التقني) يعكس حتما وبالضرورة خيارات الدولة التونسية التي يضبطها رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

فعندما تشارك تونس في تمارين عسكرية بالشراكة مع الولايات المتحدة (الأفريكوم) والحلف الأطلسي (الناتو) وعدد من الدول الغربية (سواء في شكل مشاركة أو مراقبة وملاحظة)، فإنّه من المشروع التساؤل عن الدلالات السياسية لهذا الخيار.

وتتضاعف مشروعية السؤال، عندما تكون المشاركة متزامنة مع حدث طوفان الأقصى وما تلاه من حرب صهيونية عصفت بأرواح حوالي 100 ألف فلسطيني ثلثاهم من الأطفال والنساء. فمن يضغط على الزناد ويموّل القتل العلني والمشهدي هو الطرف ذاته الشريك في التدريبات.

تساؤلات ودلالات

الطرفان يقودان حربا شرسة ضد إيران ذات العلاقة الموسومة بالإيجابية مع الدولة التونسية في العهد الحالي. ممّا يجعل المتابع يتساءل عن طبيعة الموقف التونسي من هذه الحرب. فالتزامن بين الحرب والتدريبات يمكن تفهّمه تقنيا (مجمل الأهداف المعلنة في بلاغ وزارة الدفاع).

لكن يُخشى من هذا أمران: الأوّل الانسياق وراء تفسير الموقف التونسي من الحرب على ضوء التدريبات أي جعل التمرين المشترك عنصرا تفسيريا للرؤية التونسية لما يجري في الخليج. أمّا الأمر الثاني، إمكانية القول بوجود أكثر من موقف لتونس من القضايا الدولية، الأوّل نرصده من خلال التصريحات الرسمية لرئيس الدولة، والثاني نستخلصه من السياسات العملية، وهذه التدريبات المشتركة أحد عناوينها.

ويتدعّم هذا الموقف، عندما نرصد عدم مشاركة الكيان الصهيوني في التدريبات التونسية وانضمامها في المغرب الأقصى وهي المرحلة التي لا تشارك فيها تونس. وهذا ما يعكس، دون أدنى شك، موقفا تونسيا ثابتا من الكيان الصهيوني وقواته. هذا الموقف الذي تتطابق فيه التصريحات مع الممارسات، وتجعل المتابع يتساءل هل يمكن التعميم في باقي القضايا أم أنّ الأمر يقتصر على هذه المسألة فقط.

ويمكن إحصاء سيل من الأسئلة من الطبيعة ذاتها المتعلّقة بالخيارات والسياسات العامة وضبط التوجهات الخارجية، هي دون أدنى شك في حاجة إلى إجابات. ومن بينها ما يتعلق بطبيعة الدول المشاركة أو غير المشاركة من الجيران، وبالدول التي تساهم في تسليح تونس والتنسيق معها لصدّ المخاطر، وغير ذلك ممّا يحتاج توضيحا ليس بحثا عن الفهم فقط، وإنّما عن الانسجام أيضا. فالتقني هو تجسيد لما هو سياسي وليس العكس، والسياسي هو مفتاح لفهم التقني من خارجه حتّى وإنّ تفهّمناه في ذاته وضمن أطره المحدودة.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *