تونس والغش في البكالوريا..”أزمة قطاع” أم “أزمة تسيير دولة”؟

الغش في الامتحانات
عبد السلام الزبيدي 
تنحرف أجندة “الحوار المجتمعي” الواقعي والإعلامي والافتراضي تزامنا مع أوّل أيّام اختبارات البكالوريا، من تثمين العملية التربوية في بعدها الإشهادي إلى إحصاء عمليات الغشّ وتقنياته من ناحية، والانشطار إلى وجهات شتّى في تقدير أقوم المسالك للحدّ من هذه المهالك من ناحية ثانية.
لم تكن اختبارات السنة الجارية (2026) التي اكتملت دورتها الرئيسية الأربعاء 10 جوان استثناءً. فقد حلّ الغش محلّ العجز عن شراء أضحية العيد بسبب اهتراء المقدرة الشرائية، وعدم التوفُّق في تعديل السوق، وبعد أنْ خسرت البلاد حواليْ 30 بالمائة من قطيعها في بضع سنين. وهكذا تتربّع على أعلى السلّم قضايا يكتوي فيها المواطن في إنفاقه أو تعليمه.

في الأزمات بين الحقيقة والافتعال

وبيْن هذا وذاك تتوالى “الإنجازات” بإحصاء الأحكام السجنية الثقيلة باعتبارها تتويجا لحرب التطهير والتحرير، وتتعالى الأصوات بتغيير الفاعلين وزراءَ كانوا أو مسؤولين سامين، بعد عملية فصْل غير دستورية بين الرئيس ووظيفته التنفيذية.
لم يخف رئيس الجمهورية قيس سعيّد انزعاجه في مناسبات عديدة انزعاجه من تتالي الأزمات، أو بالأحرى من افتعالها. وللتذكير فإنّه قبل اتّخاذه الإجراءات الاستثنائية كان يعتبر الأزمات “أداةً للحكم” للإلهاء وضمان الاستمرارية رغم انعدام المُنجز للشعب الذي تمّ التنكيل به. أمّا بعد لحظة 25 جويلية 2021، فما الأزمات إلاّ اختلاقٌ وجزء من فعل تآمري من الحالمين بالعودة إلى الحكم.
ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ البارز للعيان هو أنّ “حديث الغشّ” يعكس أزمة حقيقية بغضّ النظر عن الفاعل المنظور أو الخفيّ. إنّها أزمة تضرب في الصميم النظام التربوي (التعليمي) في محطة التتويج بعد 13 عاما من التعليم الأساسي بمرحلتيه والتعليم الثانوي دون اعتبار التحضيري.

في طبيعة الخطاب الوزاري

من حقّ وزير التربية، الذي أراهن على أنّ فئة قليلة من الشعب تعرف اسمه (نورالدين النوري)، أنْ يوزّع عناصر خطابه بين فكرتين أساسيتين، الأولى قوامها التقليل من أهمية الموضوع بطريقة إحصائية حسابية، ذلك أنّ الغش لم يتجاوز حدود 0,6% من المترشحين. وحسب الاحصائيات الرسمية، فقد تمّ تسجيل 647 حالة غش سنة 2025، وألف حالة سنة 2024، و322 حالة سنة 2023، و1590 سنة 2022، و1572 سنة 2020. علما وأنّ عدد المجتازين للمناظرة يتراوح في كل عام بين 152 ألفا و163 ألفا.
ولن نخوض في مسألة قراءة الأرقام والنسب لأكثر من سبب أهمّها سيف المرسوم 54 المسلّط على المعلومة التي لا يمكن إثباتها وإدخالها في خانة بثّ الإشاعات والإساءة، وذلك رغم الأبواب الموصدة على النفاذ للمعلومة بما هي أداة قانونية للتثبّت. فقط نكتفي بالإشارة إلى أنّ تلك النسبة تعكس عدد الحالات المكتشفة وليس نسبة الغش الحقيقية والفعلية التي عجزت أجهزة الدولة عن كشفها واكتشافها.
أما العنصر الثاني فيتمثّل في إعلان الصرامة في مقاومة الظاهرة، والتأكيد أنّه لا تسامح مع من تسوّل له نفسه محاولة الولوج إلى التعليم الجامعي من ثقب إبرة الغش الإلكتروني بتقنياته المستحدثة.
وبالفعل، لمس التونسيون هذه السنة، حزما غير مسبوق من السلطات متعددة الاختصاصات لتطويق الظاهرة. فقد تصدّرت أخبار إيداع بعض التلاميذ وعدد من الأساتذة والطلبة السجن إثر ضبطهم بالجرم المشهود. والتُهم التي استوجبت السجن تتجاوز الغش إلى تكوين وفاق إجرامي.

رفض الحلّ الأمني والقضائي

فكان ما كان من رفض واسع دوّنته وسائل التواصل الاجتماعي ومواقف بعض النقابات والمنظمات الحقوقية وآراء الشخصيات العلمية والتربوية بمن في ذلك وزيرة التربية السابقة. وتوزّعت أسباب الرفض بين وجهات نظر متعدّدة.
تمسّك عموم المتدخلين بضرورة حلّ المسألة في نطاق تربوي وإداري، والابتعاد عن الحلول الأمنية والقضائية في الشؤون التربوية خاصة بالنسبة للتلاميذ. كما وجّهت ذات الأطراف اللوم لوزارة التربية على وجه الخصوص باعتبارها جهة الإشراف وللحكومة عموما. ذلك أنّ اللجوء إلى الغش في البكالوريا يعكس أزمة متعدّدة الأوجه، أهمها في هذا النطاق أزمة النظام التربوي، وطرق التكوين، وأساليب التقييم والاختبار. ومن باب الحيف تحميل التلميذ وزر هذا الفشل المتعدّد أمنيا وقضائيا عوض معالجته تربويا وإداريا.
وتمتدّ هذه الأزمة متعدّدة الأوجه إلى القِيَم. فكيف يمكن قبول أنّ الوليّ يموّل عملية الغش، والتاجر يوفّر البضاعة (أدوات إلكترونية، والأستاذ أو الطالب يضمن الإملاء، والتلميذ يهرول نحو النجاح المغشوس؟ بالإضافة إلى أنّ مؤسسات الدولة تلاحق النتيجة ولا تعالج الأسباب، بل تفشل في أحيان كثيرة في معالجة الأسباب نظرا “لتفوّق” جيل الرقميات على أجيال المسؤولين المؤتمنين على منظومة تعليمية أكد رئيس الجمهورية على أنّها في حاجة إلى إصلاح جذري.

أين المجلس الأعلى للتربية؟

لا تقف الأزمة عند النظام التربوي أو القِيَم فقط، وإنّما تتجاوزها إلى آليات تسيير الدولة في حدّ ذاتها، ووزارة التربية نموذج لهذا البُعد من أبعاد التسيير. إذ تستأثر الوزارة ب8700 مليون دينار كميزانية تضعها في أعلى سلّم الوزارات، وهي تحمل على عاتقها رهان جودة التكوين وإعداد الأجيال الصغيرة لتكون في مستوى رهانات اليوم والغد أو في مستوى خوض حرب التحرير بعبارات السلطة. لكن يكفي الاطلاّع على تقييمات المتخصصين وانطباعات عموم التونسيين حتى نقف على أنّ الحصيلة ليست في مستوى المأمول.
من جهته، اعتبر رئيس الجمهورية أنّ الحل يكمن في إرساء المجلس الأعلى للتربية ليقوم بعملية الإصلاح الجذري. وقد رفعه إلى مقام الهيئة الدستورية وضمّنه دستور جويلية 2022. وأذِن بتنظيم استشارة وطنية خاصة بهذا الإصلاح سنة 2023 لم يتسلّم مخرجاتها بشكل رسمي، علما وأنّها كانت محل نقد بسبب ضعف المشاركة ونوعية المشاركين.
ولم يصدر المرسوم المنظم للمجلس  إلاّ في سبتمبر 2024. لننتظر عاما آخر حتّى يصدر الأمر المتعلّق بتنظيمه المالي والإداري  (ماي 2025). ورغم توفّر المقرّ والمرسوم (إصدار مرسوم في عطلة برلمانية) والأمر التنظيمي، فإنّ عمليّة الإصلاح بل عمل المجلس ذاته لم ينطلق بعد مرور أربع سنوات على الدسترة. وذلك وجه آخر من وجوه الأزمة، إنّها أزمة تسيير دواليب الدولة، إنّها أزمة عدم التفعيل، إنّها أزمة إفراغ عبارة “أقرب الآجال” من محتواها ودلالتها.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *