تونس والدستور وصلاحيات غير مسبوقة لرئيس الجمهورية

“النظام السياسي هو نظام رئاسوي بامتياز يختل فيه التوازن لصالح رئيس الجمهورية بطريقة فادحة فهو يحتكر السلطة التنفيذية ويهيمن على السلطة التشريعية والقضائية وهو غير مسؤول لا سياسيا ولا دستوريا أمام أية هيئة أخرى”. 

هكذا اختزل الباحث الأكاديمي في العلوم السياسية خالد الدبابي في تدوينة على فيسبوك قراءته لصلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة والمضمنة في مشروع الدستور في تونس.

صلاحيات تكاد تكون مطلقة ولا تحد منها أي سلطة رقابية سواء البرلمانية منها أو حتى المحكمة الدستورية التي باتت مجالات تدخلاتها محدودة مقارنة بدستور 2014 لتضيف إلى السلطات الرئاسية حصانة مطلقة من المساءلة السياسية.

فما هي حدود صلاحيات الرئيس كما يرسمها مشروع الدستور وكيف يمكن قراءتها وتأويلها على المستوى السياسي؟

تركيز للسلطات

 القراءة المتمعنة للباب الرابع من المسودة والمتعلقة بالوظيفة التنفيذية كما بات يطلق عليها نكشف بوضوح عن تركيز شديد لكافة السلطات التنفيذية بيد الرئيس فيما باتت الحكومة مجرد أداة تنفيذية تعين من قبله وتعفى كذلك بأمر منه كما يشير إلى ذلك الفصلان 101 و102. ويختصر دورها في تطبيق سياسات الرئيس وتوجهاته وهي تساعده في ممارسة السلطة التنفيذية حسب منطوق الفصل 87 .

وتفصل المسودة مجالات واختصاصات رئيس الجمهورية ومهامه وكل المسائل المتعلقة به من الانتخاب والعلاقة مع بقية الوظائف في الدولة وفق 22 فصلا من الفصل 87 إلى الفصل 110 ما يشير إلى مساحة شاسعة جدا من السلطة والقرار تتجاوز ما اختص به الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة نفسه من صلاحيات في دستور 1959.

ويرى بعض المختصين أن التركيز الكبير للسلطة التنفيذية والتقديرية بيد الرئيس في الدستور بقدر ما يشكل استحضارا لنمط دستور الاستقلال يتضمن حصر مهام رئيس الحكومة في دستور 2014 بيد الرئيس.

رئيس الجمهورية بالتالي يهمين على السلطة التنفيذية فهو يضبط السياسة العامة للدولة والحكومة ويحدد اختياراتها الأساسية حسب الفصل 100.

الرئيس أيضا بإمكانه حل البرلمان بغرفتيه أي مجلس نواب الشعب ومجلس الأقاليم، كما يمكنه تقديم مبادرات تشريعية وإصدار مراسيم إثر تفويض من مجلس نواب الشعب أو أثناء العطلة البرلمانية أو على إثر حل المجلس.

سابقة دستورية
 وتتضمن الفصول المتعلقة بالصلاحيات الرئاسية سابقة دستورية يمكن تسميتها بحق “الفيتو” كما وصفها الباحث الأكاديمي خالد الدبابي حيث يتيح الفصل 103 لرئيس الجمهورية رد مشاريع القوانين المصادق عليها من قبل البرلمان لقراءة ثانية عكس دستور 2014 الذي يلزم الرئيس بختم القوانين المصادق عليها برلمانيا. 

الفصل 96 شكل بدوره محور تعليقات عدة من المتابعين باعتباره إعادة صياغة للفصل 80 المتعلق بالتدابير الاستثنائية التي يتيحها القانون لرئيس الجمهورية والتي قام يتفعيله في 25 جويلية /يوليو 2021

الرئيس لا تتوقف مجالات صلاحياته عند ممارسة السلطات الترتيبية فحسب بل يحتكر حق العفو الخاص كما يحق له حسب الفصل 97 تعديل النظام السياسي أو صلاحيات السلطات العمومية بمقتضى قانون يقترحه ويعرض على الاستفتاء.

صلاحيات الرئيس بمقتضى المسودة المقترحة تشكل شكلا جديدا للسلطة بحسب مراقبين يجمع بين مهام الرئيس في الأنظمة الديمقراطية الكلاسيكية ورئيس الحكومة في النظم البرلمانية. يضاف إليها ضمانات أخرى تحصن سلطته الكاملة وهي قراءة يختزلها الباحث خاليد الدبابي بالقول: “صلاحيات رئيس الدولة هي صلاحيات الوزير الأول في النظام البريطاني البرلماني و صلاحيات رئيس الدولة في النظام الرئاسي الأمريكي مجتمعة معا في آن واحد ودون أية مسؤولية لا سياسية و لا دستورية ولا جزائية”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *