تونس..”هجرة الكفاءات” بين الحلم المفقود والطموح المنشود

أنيس العرقوبي

آلاف التونسيين يغادرون إلى وجهات عربية وأجنبية بحثا عن الرفاه وبيئة عمل أفضل

 

“هجرة أدمغة” و”نزيف للعقول” يختزلها مشهد أم وأب يودعان فلذة كبدهما بحرقة بعد سنوات من التعب والشقاء انكب فيها على دراسة اختصاص علمي أو بحثي لم يكن بالسهل بمكان.

عمل دؤوب واجتهاد متواصل يقوم به أصحاب الكفاءات العليا، أو كما يسمون بـ”زبدة المجتمع”.

وضعوا نصب أعينهم هدفا وحيدا النجاح الباهر والتفوق بغية الحصول على فرصة عمل ترتقي إلى مستوى تلك التضحيات والتطلعات.

كان أملهم الوحيد وهم في مدارج الجامعات أن يتحسن المناخ الاقتصادي في البلاد وأن يحظوا ببيئة عمل أفضل، منهم من هو مكره على المغادرة إلى وجهات أجنبية ومنهم من سئم الوضع وأصيب بحالة إحباط.

بخطى مُثقلة يتوجه المتخرج حديثا بمعدل وطني “ممتاز” أو صاحب الخبرة العالية في واحد من المجالات العلمية نحو بوابة المغادرة بأحد مطارات البلاد وكله أمل في أن يحقق مستقبلا أفضل ويجد ظروف عمل أكثر رفاهاً تاركا وراءه آمالا لم تتحقق في وطن ما يزال يضمد جراحه.

أدفاق من المهاجرين..

 الوضع يهم آلاف المتخرجين والمتحصّلين على شهادات عليا سيما منهم أصحاب المعدلات الوطنية والملاحظات الممتازة التي رغبت في استكمال مسيرتها في بلد المنشإ إلا أن مغادرتهم أحدثت ثغرات عدة في قطاعات حيوية سجلت نقصا فادحا في صفوف أطباء ومهندسين ودكاترة باحثين.

ولم تفلح الدولة التي مكنت هذا الجيل المهاجر عبر عقود من دراسة في المؤسسات العمومية وأنفقت عليه أموالا طائلة في إقناعه بالبقاء في البلاد أو بخلق فرص عمل تستجيب لتطلعاته أو بوضع برامج  وبدائل تحدّ من هذا النزيف المتواصل.

ومن بين الخبرات التي تهاجر كفاءات يحتاجها البلد الأم وهي ليست في حالة بطالة.

وتشير تقارير محليّة إلى أن معدل الإنفاق على تكوين طالب في كلية الهندسة أو كلية الطب يصل إلى 100 ألف دينار.

ويعتقد كثر أنّ الأبواب ستكون مشرعة أمامهم بمجرد أن تطأ أقدامهم بلد الاستقبال إلا أن نسبة لا بأس بها تصدم بقوانين هجرة مجحفة ومعاملات تمييزية في بعض البلدان.

وفي تصريحات سابقة كشف عميد الأطباء رضا الضاوي أنّ ” هجرة الأطباء الشبان بدأت بنسق تصاعدي إذ ناهز العدد 350 بين عامي 2018 و2019، ثم ارتفع إلى 800 بين عامي 2021 و2022، ثم إلى 1300 في عام 2023.

وسابقا، كشفت عمادة المهندسين التونسيين أيضا عن فقدان البلاد نحو 39 ألف مهندس خلال السنوات الست الأخيرة هاجروا بحثا عن رواتب أفضل.

حالة إحباط عامّة

واعتبر المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر أنه “لا توجد استراتيجية واضحة لدى الدولة في التعامل مع الكفاءات التي تتخرج سنويا من الجامعات التونسية”.

وأوضح  بن عمر في تصريح لبوابة تونس أن تدفقات الهجرة تفسر بمخلفات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد والتي لا تفتح آفاقا جديدة لاستقطاب كفاءات في اختصاصات متعددة وجديدة”.

وقال بن عمر: “لا بد أنه تكون لها رؤية أو استرتيجية واضحة في التعامل مع الكفاءات الوطنية من خلال خلق بيئة عمل وابداع وبحث مناسبة لهم حتى يقع خلق قيمة مضافة للبلاد التي هي بأمس الحاجة إليهم في ظل الأزمة التي تعيشها”.

وأكد بن عمر أن الأسباب الكامنة وراء ظاهرة هجرة الكفاءات في تونس مركبة فيها الجانب المادي المتعلق بالتأجير وجانب مرتبط بالبيئة المهنية وبظروف العمل في وجهات أجنبية وبالمناخ العام للبلاد.”

كما اعتبر أن الظاهرة التي ارتفعت بوتيرة كبرى تفسر حالة عامة من الإحباط”.

وأردف: “لا بد من تنقية المناخ السياسي العام في البلاد، بما يعيد الأمل واليقين إلى كل الفئات”.

وزاد: “يجب على الدولة الاستفادة من الكفاءات التي اختارت الهجرة بمساهمتها في موقعها ولو خارج تونس في ديناميكية كاملة للعبور من هذه الأزمة”.

واعتبر بن عمر أنه يمكن تحويل أصحاب الكفاءات إلى عنصر قوة إذا وجدنا طريقية لكيفية إدماجهم وإعادتهم مجددا إلى بلادهم بخلق بيئة وظروف عمل مناسبة تشجع على البحث والتميز والإبداع.”

البحث عن الرفاه محرك للهجرة

من جانبه يقول الباحث في علم الاجتماع خالد الطبابي إنّ أبرز محرك للهجرة هو البحث عن الرفاه ومعيشة أفضل ووضع مادي أحسن”.

وتابع الطّبابي في تصريح لبوابة تونس أنّ: “الحلقات المجتمعية هي التي تغذي تدفقات الموجات الهجرية سواء كانت نظامية أو غير نظامية”.

وزاد: “قرار الهجرة وراءه ديناميكيةٌ كاملة تتداخل فيها دوافع مجتمعية على غرار شبكة الأصدقاء والعائلة والزمالة التي تؤثر في اتخاذ هذه الخطوة”.

وأضاف أنّ هناك سردية تخلقها التيارات المناهضة للمهاجرين أو الهجرة بشكل عام لأن حركات التنقل لن تكون لها تأثيرات سلبية في موطن النشأة”.

واستدرك بالقول: “قد يتم تسجيل تراجع في أعداد الإطارات العاملة في قطاع الخدمات اليومية سيما منها الصحة ومجال البحوث والتعليم العالي ذلك أن عديد الطلبة اليوم يعانون نقصا فادحا في الأساتذة المؤطرين ممن اختاروا المغادرة إلى وجهات أفضل”.

وأكد أنه: “في حال استمر الكساد الاقتصادي والاجتماعي ستكون هناك موجات إضافيّة للهجرة وتونس كغيرها من دول الجنوب المقبلة على الهجرة والتدفقات بصرف النظر عن الهجرة غير النظامية”.

واعتبر أنّ “الوضع الاجتماعي ومناخ العمل طارد لهذه الكفاءات بحثا عن راحة نفسانية واستقرار اقتصادي واجتماعي”.

وأكّد أنّ “عدم توفر معدات وتجهيزات سواء في مخابر البحث أو في الفضاءات الأخرى على غرار المستشفيات من شأنها أن تمثل دوافع لهجرة هذه الفئة”.

وقال إنّ “قرار الهجرة يرتبط بالخدمات الاجتماعية وبالمرافق الترفيهية ذلك أنّ سوسيولوجيا العمل تستوجب توفير خدمات نقل وصحة جيدة وتعليم ووسائل ترفيه وثقافة للموظفين”.

وكشفت نتائج دراسة أصدرها معهد الدراسات الاستراتيجية التونسي في مارس 2024،حول هجرة مهنيّي الصحّة أن  78% من الأطباء مستعدون للعودة إلى تونس إذا توفرت بيئة عمل ملائمة ومحفزة مالياً بناءً على الأداء وجودة الخدمات.

وفي سياق آخر أكّد الطبابي أنّ “هناك من يشعر بغربة في موطن الاستقبال نتيجة ترسانة قوانين الهجرة سواء في دول الخليج أو أوروبا أو أمريكا الشمالية .

وعزا ذلك إلى عدة أسباب من بينها صعوبة الاندماج والحدود التمييزية أو ما يسمى “بالأسقف البلورية فضلا عن معادلة الرجل الأبيض الذي عادة ما تكون له الأسبقية على المهاجر بغض النظر عن المستوى التعليمي في عديد الأحيان سواء في تلقي العلاج أو في الحصول على منازل للكراء.

وأضاف أن “هناك من لم يكن يرغب في الهجرة وبعد فترة تأصلت لديه مشاعر الإحباط والخيبة وقرر المغادرة”.

وشدد الطبابي على أن تكون هناك كتلة سياسية تحمل تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وأنثروبولوجية حتى تشجع الكفاءات على البقاء في موطن النّشأة وإن كانت هناك رغبة في الهجرة فإنها تكون في إطار التجارب المشاركة وتكون آمنة ومنظمة وتحترم الامتثال العالمي لحقوق الإنسان.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *