رأي

“تونس الرسميّة” لم تستقبل قيادات المقاومة ولم تجرّم التطبيع.. لماذا؟ 

عبدالسلام الزبيدي

لم يحظ ممثلو المقاومة الفلسطينية الذين زاروا تونس للمرّة الثانية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة باستقبال رسمي من رئيس الجمهورية قيس سعيد أو رئيس الحكومة أحمد الحشاني أو وزير الخارجية نبيل عمّار أو كاتب الدولة في الوزارة ذاتها منير بن رجيبة.
 ونسجت الوظيفة البرلمانية على المنوال ذاته، فلم يستقبل رئيس مجلس النواب إبراهيم بودربالة إلاّ ممثّل حركة فتح عبّاس زكي. و”فتْح الرسمية” التي يتزعّمها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس موقفها معلوم من المقاومة المسلّحة وممّا يحدث في غزّة. فما يصدر عنها من مواقف وتصريحات وما تكشفه ممارسات السلطة تجاه غزّة وفي الضفّة يجعل المتابع يرى أنّها “تُقاوِمُ المقاومة”.

عندما تخفي أجندا الاستقبالات حقيقة الموقف

إنّ قائمة الاستقبالات الرسمية، حتّى وإن كانت من باب المجاملة تكشف عن طبيعة الاستراتيجية التي يتّبعها المسؤول. أمّا أجندا العمل اليومي فهي ترجمة عملية لها. فـ”إدمان” زيارات الثكنات الأمنية والعسكرية له دلالاته، وارتياد دور العبادة في زمن ما ثم الانقطاع له مقاصده، وتنويع الزيارات غير المعلنة تمهيدا لإجراءات غير معلنة هي الأخرى، له أبعاده، واستقبال وزراء بعينهم دوريّا دون غيرهم من “النظراء” له تفسيراته، وتبادل التهاني مع هؤلاء القادة وعدم تهنئة آخرين له تبريراته، وتوجيه كلمات إلى الشعب في المناسبات الدينية والوطنية من عدمه له مراميه.
 فالأجندا اليومية لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو الوزراء تعلن ماخفي من الاستراتيجيات والتوجّهات. والأجندا لا تعني الحضور والمشاركة فقط، بل تعني كذلك الغياب أو عدم الاستقبال، بغضّ النظر عن التبرير الرسمي. ومن هنا حقّ طرح السؤال عن أسباب عدم استقبال السلطات الرسمية التونسية لممثّلي المقاومة الفلسطينية، خاصّة أنّ الموقف الرسمي التونسي سقفه موصوف بأنّه عالٍ إلى درجة رفض قرارت ” الشرعية الدولية” والمطالبة بتحرير كلّ فلسطين بالجماهير المعبّأة والمسلّحة.
كان لحركة الشعب المساندة لإجراءات 25 جويلية 2021 واعتبارها “تصحيحا للثورة” السبق في استضافة عدد من رموز المقاومة الفلسطينية يتقدّمهم رئيس الدائرة السياسية لحركة حماس أبو زهري خلال جانفي الماضي. ونسج المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الخطى نفسها، ونظّم نهاية الأسبوع الماضي وتحديدا ابتداء من الجمعة 10 ماي 2024، اجتماعا عاما لدعم المقاومة الفلسطينية في غزّة وقضية الشعب الفلسطيني من الاحتلال. وشارك في الاجتماع كلّ من سامي أبو زهري رئيس الدائرة السياسية لحركة حماس ويوسف حمدان ممثّلها بالجزائر، وجميل مظهر نائب أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعبّاس زكي مفوّض العلاقات مع العالم العربي والصين في حركة فتح، وإحسان عطايا عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي.
وقد طاف الوفد في المناسبة الأولى مقرّات الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابة الوطنية للصحفيين، وشارك في المرّة الثانية في عدد من الفعاليات الطلابية والنقابية وزار عائلة الشهيد محمد
الزواري، لكنّ السلطة بوظيفتيْها التنفيذية والتشريعية لم تفتح لها الأبواب، ما عدا استقبال رئيس البرلمان لممثّل حركة لا تقف قياداتها الرسمية في صف المقاومة، وهو ما يطرح الأسئلة حول الأسباب.

سياسات “السقف العالي”

إنّ عمليّة جرد لتصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد حول القضية الفلسطينية، تجعل المتابع يخال أنّ أبواب قصر قرطاج ستكون مفتوحة على مصراعيها لاستقبال كلّ من “يُشْتَمُّ عليه رائحة دعم القضية”. ولنتذكّر أنّ سعيّد قد ترأّس مجلس الأمن القومي في اجتماع طارئ بعد يومين من بدء عملية طوفان الأقصى، حيث تعهّد بـ”مواصلة مسيرة النضال بالكلمة الأمينة المعبّرة عن الطلقة الشجاعة من أجل تحرير كامل الوطن المحتّل بالجماهير العربية المعبّأة والمنظّمة والمسلّحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد، أسلوبا حتى تحرير فلسطين كلّ فلسطين”.
ومعلوم أنّ ممثّلي حركات المقاومة الذين زاورا تونس في مناسبتين يعتبرون أنّ سقف خطاب رئيس الجمهورية أعلى من سقفهم بكثير. فهو يطالب باسترجاع كلّ شبر من فلسطين، وكثيرا ما كرّر هذا الخيار في استقبالاته الرسمية لبعض الزوار الأجانب أو لوزير الخارجية التونسي أو عند استقبال الجرحى من غزّة . في حين أنّ ممثّلي المقاومة يقبلون بإقامة دولة على أراضي 67 وبالحدّ الأدنى الضامن لاستقلالهم ولكرامتهم. فما ضرّ لو كرّر رئيس الجمهورية الخطاب نفسه أمام المقاومين فعلا القابضين على الزناد، فذاك ممّا سيحسب له في ميزان دعمه للقضية وربط الأقوال اللفظية بالاستقبالات الرمزية.
إنّ السقف العالي لمواقف رئيس الجمهورية من القضية الفلسطينية جعل تونس تتحفّظ في التصويت على مشروع القرار العربي في الجمعية العامة للأمم المتّحدة الداعي إلى هدنة إنسانية عاجلة ودائمة في قطاع غزّة ( 26 أكتوبر 2023)، علما أنّ القرار الأممي دعا إلى تسهيل دخول المساعدات ومنع التهجير.
وبرّرت تونس الاحتفاظ بصوتها، خلافا لكلّ الدول العربية والإسلامية ( العراق صحّحت التصويت) بالقول إنّ القرار أغفل الإدانة الصريحة والقويّة لجرائم الحرب والإبادة الجماعية التي يقوم بها الاحتلال. وذلك بالإضافة إلى أنّه لم يتضمّن المطالبة بمحاسبة المحتلّ على الجرائم ولم يشر بشكل واضح إلى المطالبة بالوقف الفوري للعدوان علاوة على مساواته بين الضحيّة والجلاّد. وللإشارة فإنّه قبيل عملية التصويت (الاحتفاظ) استقبل سعيّد وزير الخارجية وأعلن أنّ تونس ستصدع بموقفها (التصويت) حول مشروع القرار الأممي.
كلّ هذه المبرّرات التي ساقها السفير طارق الأدب جاءت لاقناع العالم بأنّ تونس ليست ضد إيقاف العدوان وإدخال المساعدات، وإنّما هي تروم استرجاع الحق الفلسطيني كاملا وأنّها ترفض ظلم الاحتلال وازدواجية معايير المنتظم الأممي. وهذا الرفع للسقف شبيه بالمطالبة بوثائق ملكية منزل قبل إطفاء الحريق.
 السقف العالي ذاته، كان المبرّر الرسمي لعدم مشاركة تونس دولة جنوب إفريقيا في دعواها ضد الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم إبادة جماعية. فالمشاركة في الدعوى تعني، في ما تعنيه، اعترافا ضمنيًّا بالكيان الإسرائيلي المحتل. ولذلك كان الاكتفاء بتقديم رأي/ استشارة حول وضع الاحتلال الاسرائيلي تكفّل بها الأستاذ الجامعي سليم اللغماني. وهكذا نطلب الأقصى ونرفض تحقيق الممكن والواقعي.. وتلك سمة من سمات الخطاب الشعبوي.

كفى الله تونس شرّ تجريم التطبيع!

لم يقف أمر المواقف التونسية من القضية الفلسطينية زمن حرب إبادة غزة عند التمايز في التصويت سواء في الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية، بل تجاوزه إلى ملف مقترح قانون تجريم التطبيع. فرئيس الجمهورية قيس سعيد اعتبر خلال الحملة الانتخابية الرئاسية أن “التطبيع خيانة عظمى”، وكانت تلك المقولة أحد دوافع التصويت له انتصارا للموقف ومعاقبةً لطبقة سياسية رفضت تمرير مشروع قانون مماثل.
ففي يوم الخميس 2 نوفمبر 2023، مسك رئيس البرلمان إبراهيم بودربالة المصدح، وذلك بعد الشروع في التصويت على مقترح قانون تجريم التطبيع (اقترحه نواب وليس الرئاسة أو الحكومة)، ليكشف عن أنّ رئيس الجمهورية اتّصل به هاتفيّا ليبلغه أن، “مقترح القانون سيضرّ بالمصالح الخارجية لتونس، وأنّ الأمر يتعلّق بخانة الاعتداء على أمن تونس الخارجي، وأنّ المسألة أخذت طابعا انتخابيا”. وأشهد بودربالة شاهدين هما نائبته سوسن المبروك والنائب الثاني أنور المرزوقي.
وبعد يوم واحد من هذا الذي حدث، توجّه رئيس الجمهورية قيس سعيد بخطاب إلى الشعب قال فيه: “إنّنا في حرب تحرير لا في حرب تجريم، وليس في حاجة إلى شهادة أحد بأنّ الأمر يجب أن يتعلّق بالخيانة العظمى للشعب الفلسطيني”. ودعا إلى الاستئناس بالفصل 60 من المجلّة الجزائية.. وكفى الله البرلمان “شرّ التشريع الجديد الذي يجرّم التطبيع”، والعبارات لي.
وإلى حدود صياغة هذا المقال الثلاثاء 14 ماي، ما يزال مقترح قانون تجريم التطبيع في كواليس البرلمان في مخالفة واضحة وجليّة للنظام الداخلي للمجلس. فالنواب شرعوا في التصويت وتمّ رفع الجلسة في انتظار استئنافها، لكن لم تُستأنف بعد أكثر من ستّة أشهر. ومرّة أخرى نقف على حدود سياسات رفع سقف الشعبوية، فمن خلالها تنكشف حدود الأقوال عند اصطدامها بالواقع.
من التصويت في المحافل الدولية ورفض المشاركة في الدعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية إلى تعليق مقترح تجريم التطبيع، وصولا إلى عدم استقبال ممثّلي المقاومة، نقف على أنّ تقييم الموقف التونسي من حرب الإبادة في غزّة ينبغي ألاّ يكون معياره تصريحات السقف العالي، وإنّما المواقف العملية.
وحتّى التصريحات الرئاسية فهي خالية من استعمال عبارة غزّة إلاّ في مناسبتين رغم مرور أكثر من 200 يوم على انطلاق الحرب، مرّة في سياق سلبي رفضا لاستعمال كلمة غلاف غزّة وأخرى عند استقبال الجرحى من ذلك الرباط الجريح. صحيح أنّ الخطاب الرسمي دائم استعمال كلمة فلسطين/ كلّ فلسطين لتضيع غزّة في هذا التعميم.
 في ذكرى النكبة تعيش غزّة، بما هي جزء أصيل من الكلّ الفلسطيني، نكبةً مضاعفة ظاهرها العدوان الصهيوني والدعم الأمريكي، وباطنها تأرجح مواقف ذوي القربى بين الصمت والمداورة والتواطؤ والتآمر ورفع السقف.