تهنئة سعيّد بشهر رمضان.. من “تسييس الدين” إلى “تديين السياسة”

قيس سعيد تهنئة

عبد السلام الزبيدي

جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد الاختيار على جامع الزيتونة إطارا مكانيّا لتهنئة التونسيين بحلول شهر رمضان المعظّم. ففي الليلة الفاصلة بين 18و19 فيفري 2026 توسّط سعيّد قاعة الصلاة مستدبِرًا محراب الصلاة ليجعل منه خلفيّة لحضوره. أمّا الإطار الديني المسجدي فكان واقفا على اليمين، بينما ظلّ بعض روّاد المسجد جالسين في اتّجاهات مختلفة.
وحافظ سعيّد على ارتداء “البدلة الرسمية”، أو لنقل “البدلة الوظيفية”، فيما كان الإطار المسجدي بلباسه التقليدي الذي يحيل على خصوصية هووية وحضارية وعلى البعد الديني. فالقادم إلى جامع الزيتونة حمل معه صفته السياسية من خلال لباسه وتموضعه وتوظيف الفضاء وتغيير مكان الإلقاء أو الخطابة من المنبر أو المحراب إلى وسط المُصلّى الداخلي والرئيسي.

خطآن في الاستشهاد بالآيات

وقبل تقديم موجّهات عامة لقراءة اتّصالية لتهنئة رئيس الجمهورية قيس سعيّد الشعب التونسي بحلول شهر رمضان، من المهم الإشارة إلى خطأين ارتكبهما عند قراءته للنص المكتوب، وهما يتعلقان بآيتين.
الخطأ الأوّل عند قوله “فمن تطوّع خيرا فهو خير لكم”، في حين أنّ الآية 184 من سورة البقرة تنص على “فمن تطوّع خيرا فهو خير له”.
أمّا الخطأ الثاني فكان عند تلاوته الآية الثامنة من سورة المائدة التي تنتهي بعبارة “إنّ الله خبير بما تعملون”، والحال أنّه ذكر في الفيديو المنشور على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية “أنّ الله خبير بما تعلمون”.
صحيح أنّ الخطأ وارد، لكن في مثل هذه المواضع من الضروري أن يكون المُخْرَج النهائي للعمل دون أخطاء لأكثر من سبب. وأهمها على الإطلاق أنّ بعض الأخطاء تجعل الرسالة المراد إيصالها في الهامش مقابل التقاط البعض من المُرسَل إليهم لذلك الهامش (أي الخطأ) وتحويله إلى أصل. ومعلوم أنّ هذه الممارسة تقنية متداولة ومؤثّرة.
ويكشف مرور الخطأين من ناحية اتّصالية بحتة، غياب فريق عمل اتصالي وإعلامي متخصص ومحترف برئاسة الجمهورية بإمكانه التعديل والتصويب والتدارك سواء فوريا أو عند إنجاز العمليات التقنية قبل أن يخرج المنتج النهائي للعموم. وهذا أمر يحتاج تفصيلا، وشواهده كثيرة سواء في البلاغات المكتوبة أو الفيديوهات.

دلالات إعادة توزيع الفضاء

وبالعودة إلى التهنئة في حدّ ذاتها من حيث الإطار والشكل والمضمون، نلاحظ حرصا من رئيس الجمهورية على توظيف الفضاء مكانا وزمانا وليس للتلبُّس به والانصهار فيه وداخله. فحضورة بالبدلة الرسمية والوظيفية تأكيد أنّ القادم هو رئيس يحمل معه وضعه الدستوري ويحرص على جعل الفضاء في خدمته وليس العكس.
ففي مقابل خيار الجلوس قرب المحراب أو المنبر وارتداء الجبّة، اختار القطع مع ذلك التوجّه، وقام بتغيير تركيبة الفضاء المكاني ليحتلّ الوسط (عند العرب أوسط الشيء أحسنه)، ولم يكن استدباره للمحراب نوعا من الإعراض بل أعطى للمتحدّث أو الخطيب أو الرئيس امتدادا بصريا منتاه ذلك المحراب/ القبلة.
أمّا الجمهور سواء كان إطارا مسجديا ودينيا أو بعض المصلين، فأهم ما في تموضعهم سواء كانوا واقفين أو جلوسا فهو اتّجاههم ببصرهم نحو الرئيس المهنِّئ أو الخطيب. وذلك ما يؤكد مركزية حضوره مكانيا أو في علاقة بالجمهور “نخبةً دينية” كان أو “شعبا”.
ولم تكشف الصورة عن كلّ الحاضرين. لكن ما برز منها في الفيديو (وهذا المهم) يوضح عدم حضور المفتي ووزير الشؤون الدينية والمسؤولين الجهويين. ولسنا في وارد الحديث عن الغياب أو التغييب، فما يهمنا هو إبراز دلالة ذلك الوضع كما أبرزته الصورة ورسائلها. إنّنا أمام صانع وحيد لحدث التهنئة وحديثها، وذلك ما يتطابق جوهريا مع منطوق دستور 2022 الذي أعطى للرئيس دور تمثيل الشعب وصنع السياسات وتحديد الخيارات، أمّا الباقون فهم منسّقون ومنفّذون. ولذلك عند مخاطبة الشعب من أيّ موقع وخلال أيّ مناسبة لا معنى للحضور إلا لمن له الصلاحيات الدستورية التي لم تُمنَح لرئيسٍ تونسي قبله.

تقنيات مضمونية لتوظيف الدين

أمّا من حيث المضمون، فقد استهلّ سعيّد تهنئته بالقالب المعتاد الذي سمعنا مثيله قبل 24 ساعة على لسان المفتي هشام بن محمود، لكن مع فارق مهم. فالمفتي تحدّث من “وظيفة دينية” خالصة، أمّا رئيس الجمهورية فقد اصطحب معه صفته السياسية الجامعة ليكرّر المقولات الدينية. وهكذا نجد أنفسنا أمام ظاهرة يمكن وصفها بـ”تديين السياسة”. والظاهرة ليست حكرا على هذا المشهد أو على تونس، وإنّما هي أعمق بكثير.
ففي مقابل مقولة “تسييس الدين”، وليس هذا مكان شرحها وتفصيلها واستخدام عبارات معيارية في حقها، نجد في عالمنا ظاهرة “تديين السياسة” بمستويات متباينة وأشكال متعددة تختلف من حيث العمق ومن حيث المجالات التي تشملها. من ذلك مثلا دعوة الشعب لعدم التبذير في الماء والاقتصاد في الطاقة وعدم الغش في البيع والقطع مع التطفيف في الميزان، هي تقنيات سياسية لتوظيف الدين. والأمر يبدأ بالمشروعية الدينية في الحكم على غرار الانتساب لنسل النبي صلى الله عليه وسلم مثلا إلى المواعظ والتهاني والرسائل المباشرة والمبطّنة.
ومن تابع كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال تهنئته للشعب التونسي لن يعدم الإشارات والرسائل ذات الصبغة السياسية البحتة اعتمادا على النص الديني، وهذا ما أسميته بـ”تديين السياسية”. والعبارة وصفية بالأساس ولا تحمل في طياتها أيّ أحكام معيارية. هي دعوة للتأمّل في طبيعة الخطاب وتفكيكه اتصاليا ومضمونيا.

بين عالميْ الدين والسياسة

  في البداية تحدّث سعيّد عن الصيام في مقاصده الأساسية التي ينبغي تحقيقها، وذلك في انسجام تام مع ما ورد في الفصل الخامس من دستور 2022. وفي ذلك وصل بين نصّ سياسي ومسؤول سياسي وممارسة دينية، وهو أدنى مستويات تديين السياسة في تقديري.
ثمّ دعا سعيّد إلى ضرورة تمثّل قيم التضامن والتكامل والرحمة، لأنّ “صلاح حالنا لا يكون بصلاح جهة واحدة، بل بصلاح كلّ مكوّناته”. وهنا من المشروع التساؤل عن هذه الجهة الصالحة في مقابل بعض المكونات المجتمعية غير الصالحة. ولو عدنا إلى بلاغات رئاسة الجمهورية وإلى تصريحات رئيس الجمهورية نفسه سيكون من اليسير معرفة الجهة الأولى وباقي الجهات. وطبعا هذا التساؤل لا ينفي فرضية عموم قوله باعتبار أنّ كلمته كانت تهنئة وتذكيرا بقيم دينية يمكن (وليس حتما) تأويلها سياسيا.
وإثر ذلك استشهد بالآية الثامنة من سورة المائدة “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على إلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى إنّ الله خبير بما تعملون”. ومجمل هذه العبارات الواردة في الآية تحيلنا إلى السلّة الدلالية التي يستخدمها رئيس الجمهورية في عموم خطاباته وبلاغاته عندما يتوجّه إلى بعض التونسيين الموصوفين بصفات سلبية.
وعندما نتحدث عن الشهادة بالقسط والاعتداء والعدل نجد أنفسنا حتما وبالضرورة في عالم السياسية. تلك السياسة التي تمّ ولوجها من باب حمل الأمانة التي سأل رئيس الجمهورية الله أن يثّبتنا على حملها.. ألَمْ نقل أنّنا انتقلنا من منطق “تسييس الدين” إلى عالم “تديين السياسة”؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *