رأي سياسة

تقسيم تونس إلى أقاليم.. دعم للتنمية أم استعادة للتقسيم الاستعماري والنّعرات الجهويّة؟

صدور مرسوم رئيس الجمهورية المتعلّق بالتقسيم الجديد للأقاليم كان محور تعاليق واسعة ومتباينة على صفحات التواصل الاجتماعي بشأن هذا التقسيم الترابي الجديد للبلاد التونسية، وجدواه الاقتصادية والتنموية. 

بين السخرية والتساؤلات ومحاولة تحليل أبعاد القرار وتوقيته، تراوحت تدوينات التونسيين على “فيسبوك”، بينما عمل البعض على تفسير دور الهدف من وضع الحدود الترابيّة للأقاليم وتحديد الولايات التابعة لها، ضمن الترتيبات الخاصة بالانتخابات المحليّة المقرر إجراؤها في ديسمبر القادم، والتي تكلّل بانتخاب أعضاء الغرفة التشريعية الثانية مجلس الجهات والأقاليم، ما يفسر صدور المرسوم بالتزامن مع أمر دعوة الناخبين.

بعد تنموي وانتخابي

التقسيم الجديد المكوّن من خمسة أقاليم اعتمد منحى جغرافيا أفقيّا على الخريطة، ما دفع البعض إلى القول بأنه تقسيم “جعل الأقاليم الخمسة منفتحة على البحر”.

عدد من المدوّنين حاولوا توضيح الغاية من التقسيم الإقليمي الجديد للبلاد التونسية، معتبرين أنه سيمكّن من “إحداث توازنات بين الجهات في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، والقضاء على الفوارق في التنمية بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية”، ومضيفين أن “هذا التقسيم منح كلّ إقليم منفذا بحريّا وبريّا”.

وأشار بعض الناشطين في هذا الإطار، إلى أن هذه الأقاليم ستقطع مع سياسة المركزية، كما سيشرف عليها “أبناء المحليّات الذين سيقع انتخابهم في أضيق الدوائر”.

النعرات الجهويّة

الناشطة جليلة ميلاد تساءلت من جهتها عن نجاعة هذا التقسيم، مبيّنة أن هذا النظام لا يمكن أن ينجح إلا بـ”الغاء الجهويّات والأنانية مع ترشيح أشخاص يمتلكون رصيدا من الوعي، وليس المتسلّقين والمحسوبين على العشائر”.

وتابعت جليلة: “هل أن تونس جاهزة واقعيا وفكريا وثقافيا وماليا وقانونيا لهذا النظام؟”.

أما عبد الباسط العباسي، فقد حذّر من أن يقع توظيف هذا التقسيم الإداري لتغذية النعرات الجهويّة التي تُقسّم البلاد والعباد، مبينا أن هذا المنطق “يستغله البعض ليذهب به بعيدا ويوظفه سلبيا الدعوة للانقسام واستقلالية كل إقليم”.

من جهته، أبدى نعيم الظاهري انتقادا للتقسيم الجديد، واصفا إياه بـ”إمارات الخمس مجموعات وليست أقاليم”.

واشار الظاهري في منشوره إلى أن التقسيم الجديد سيؤدي إلى “تجفيف منابع النفوذ المحلّي وخصوصيته، وعودة المشاعات إلى جانب تضخيم نفوذ العاصمة تونس، فضلا عن توسيع نفوذ الساحل على حساب ولاية صفاقس مع التحضير لتغيير صبغة جزيرة جربة كولاية جديدة”.

مجموعة صعبة

المنشورات التي علقت على تقسيم الولايات داخل الأقاليم لم يخلُ الكثير منها من السخرية والطرافة، حيث كتبت صفحة “قابس دوت كوم”: قابس في الإقليم الخامس صحبة مدنين  قبلي توزر وتطاوين، مجموعة صعبة وإن شاء الله نحقق الترشح لمرحلة البلاي أوف”، (في إشارة إلى مجموعتي التتويج وتفادي النزول في مسابقة البطولة المحترفة لكرة القدم).

استعادة التقسيم الاستعماري

الخارطة الجديدة للأقاليم وإن جاءت مختلفة عن سابقتها المعتمدة منذ ثمانينات القرن الماضي، والقائمة على تقسيم إداري من 6 أقاليم “تجمع بين الأقلمة الاقتصادية والأقلمة الطبيعية”، حسب توصيف المدون سفيان علوي، إلا أنها تستعيد التقسيم الجغرافي السائد إبان حقبة الاحتلال الفرنسي.

وتوضّح خرائط متداولة عبر بعض المواقع والصفحات حدود المناطق الإقليميّة الاقتصادية في تونس سنة 1922، والتي تبدو مشابهة إلى حدّ كبير بالنموذج المعلن عنه في الرائد الرسمي.

الجدير بالذكر أن التقسيم السائد قبيل الاستقلال كان ذا نزعة قبليّة وعشائرية، حيث يأخذ بعين الاعتبار حدود التوزّع الجغرافي للقبائل، على غرار الهمامة وجلاص المثاليث وورغمة وغيرها، “وعملت دولة الاستقلال على إلغائه وتذويبه في المجال الوطني”، وفق ما كتبه سفيان علوي.

غياب التشاركية

وبقطع النظر عن اختلاف المواقف تُجاه التقسيم الجديد، إلا أن التساؤل الأبرز الذي يتردّد بين عدد من المتابعين، يتعلّق بأحاديّة اتخاذ مثل هذه التصوّرات الكبرى والمهمّة.

ويرى بعض المراقبين أن خارطة الأقاليم، كان يُفترض أن تعمل عليها لجان تفكير تضمّ عددا من الخبراء في ميادين الاقتصاد والتنمية والفلاحة والصناعة وغيرها، أو محور استشارة تشارك فيها المنظمات الوطنيّة والهيئات المتخصّصة، كما يمكن أن تعرض على مجلس نواب الشعب لمناقشة النموذج المقترح، لا أن يقوم رئيس الجمهورية بصياغة المشروع بنفسه ووضع حدود الأقاليم، وإصدار المرسوم الرئاسي بشأنه، بما يتناقض مع ما تفترضه هذه القرارات من صيغة تشاركيّة.