“كل شيء ينهار” ..صحيفة “وول ستريت جورنال” تكشف تكلفة الحرب الطويلة على منظومة قوات الاحتياط بالكيان المحتل
سلط تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، الضوء على حالة الاستنزاف البشري والاستراتيجي التي تواجهها قوات الاحتلال بعد 10 أشهر من العدوان على غزة، وذلك على صعيد قوات الاحتياط التي تشكل الركيزة الأساسية والخزان الرئيسي لإمداد قواتها وتعزيز تشكيلاتها النظامية المحترفة والتي لا يتجاوز عددها وفق أغلب التقديرات 150 ألف جندي. وتحت عنوان “كل شيء ينهار..جنود الاحتياط الإسرائيليون يواجهون ثمن الحرب الطويلة”، تطرق كاتبا التقرير كاري كيلر لين ودوف ليبريتبع، إلى حالة الضغط المسيطرة على تشكيلات وعناصر الاحتياط في قوات الاحتلال، بعد أشهر من التعبئة المستمرة والقتال الطويل في قطاع غزة، ما أفرز حالة من التململ والتمرد في صفوفهم، نتيجة تفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي باتوا يعانونها جراء الابتعاد لوقت طويل عن عائلاتهم، فضلا عن تعطل أعمالهم ومشاريعهم التجارية والمهنية.
خطر الإفلاس والانهيار
وحسب التقرير فإن نسبة كبيرة من عناصر الاحتياط يواجهون خطر الإفلاس والتوقف عن النشاط وخسارة مدخراتهم المالية، ما دفعهم إلى رفض العودة إلى الخدمة العسكرية وتجاهل الاستدعاءات التي وجهت إليهم للالتحاق بوحداتهم. وتضيف الصحفية الأمريكية: “مع دخول الحرب في غزة شهرها الحادي عشر، وتصاعد حدة تبادل إطلاق النار مع حزب الله، فإن العديد من هؤلاء المقاتلين يقتربون من نقطة الانهيار، فهم منهكون ومحبطون، ويكافحون من أجل تحقيق التوازن بين الأسرة والعمل والخدمة العسكرية، في حين تتزايد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن غيابهم”. مخاطر الانهيار والاستنزاف التي تقف قوات الاحتياط على حافتها، تجعل المسؤولين العسكريين والسياسيين بالكيان المحتل مترددين في شم حرب شاملة ضد حزب الله اللبناني وإيران، حسب “وول ستريت جورنال”، ذلك أن الاحتلال سيضطر إلى مواجهة قوة عسكرية تتفوق بكثير على فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، وأكثر جاهزية للقتال لفترات طويلة، في مقابل وحداتها النظامية الاحتياطية المنهكة.
أهم الأخبار الآن:
عقيدة الحرب الخاطفة
ووفق التقرير، فإن شن حرب شاملة، من شأنه أن يكشف عن نقاط ضعف استراتيجية طويلة الأجل بالنسبة للكيان المحتل، في خضم الخطر الذي يشكله حضور حزب الله على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. ترتكز العقيدة العسكرية لكيان الاحتلال منذ نشأته عام 1948 على نظرية الحرب السريعة والخاطفة، وهو ما يمكنها من تعبئة قوات الاحتياط التي تمثل أكثر من ثلث القوة العاملة، والاعتماد على المزايا التكنولوجية الساحقة لعتادها العسكري، مع القوة النارية التي شكلها قوات الطيران، التي تضم سربا من مقاتلات “آف-35” التي حصلت عليها من الولايات المتحدة. تجلت استراتيجية الحرب السريعة في حرب جوان 1967، والتي تمكنت خلال قوات الاحتلال من هزيمة أربعة جيوش عربية في ستة أيام. لكن الوضع هذه المرة يبدو مختلفا على الصعيد الجغرافي والعسكري و واقع الميدان، حيث تواجه قوات الاحتلال كتائب القسام وسرايا القدس في غزة، والتي ما تزال محافظة على امكانياتها القتالية وشبكة أنفاقها، بعد 10 أشهر من الحرب، فضلا عن حزب الله اللبناني على الحدود الشمالية بما يمتلكه من ترسانة ضخمة من المقاتلين المدربين، والتسليح والصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، إلى جانب البنية التحتية التنظيمية بفضل الدعم الذي يحصل عليه من إيران. ويؤكد تصريح الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي بالكيان يعقوب عميدرور، والذي نقله التقرير التحديات والمخاطر التي يفرضها قرار الحرب الطويلة والشاملة، بالتوجه إلى مواصلة تعبئة قوات الاحتياط واستنزاف الرصيد البشري الاستراتيجي. ويضيف يعقوب عميدرور: “لم تستعد إسرائيل لحرب طويلة، بل فكرنا في توجيه ضربة جوية كبيرة ثم مناورة سريعة للقوات البرية، وكلما طال الوقت، كلما أصبح الحفاظ على الدعم والاستعداد للقوات المقاتلة أكثر صعوبة”.
طول فترة الحرب والتعبئة .
يبلغ عدد جنود الاحتياط بقوات الاحتلال ضعف الجنود العاملين بدوام كامل حيث يستمرون بعد تسريحهم من التدريب، في الخدمة حتى سن الأربعين. وحسب تقارير و تقديرات محللين أمنيين فقد وقع تعبئة 300 ألف جندي احتياطي مجند، في ذروة الحرب على غزة ، وهو ما يشكل ثلثي القوة القتالية لقوات الاحتلال. على النقيض من الجنود المحترفين، فإن جنود الاحتياط مواطنون عاديون في كيان الاحتلال، ويعمل أغلبهم في وظائف في القطاع الخاص أو يديرون مشاريع تجارية في قطاعات مختلفة، ونتيجة الحرب أضطر الآلاف ممن وقعت دعوتهم إلى التعبئة إلى إغلاق أعمالهم، أو وقف مشاريعهم واستثماراتهم، وتقدر الإحصائيات أن ما يقرب من 150 ألف شخص تغيبوا عن مواقع عملهم ووظائفهم، وبدا ذلك ملحوظا بالشركات العاملة في قطاع التكنولوجيا الحيوي في الكيان. وتحدث عساف مور، وهو جندي بقوات الاحتلال إلى وال ستريت جورنال عن المشاكل الاقتصادية والمالية التي واجهها منذ استدعائه إلى الخدمة العسكرية في أكتوبر الماضي، مبينا أنه بعد أكثر من 100 يوم من التجنيد في غزة، كانت شركته المتخصصة في المجال الطبي تتأرجح على حافة الانهيار، نتيجة الخسائر المالية التي تتعرض إليها. وأضاف أنه كان يقوم بإدارة قوافل لوجستية إلى غزة مع وحدته خلال ساعات النهار، وفي المساء يبحث مع محاسبه محاولات استمرار عيادته في العمل. دفعت هذا الضغوطات عساف إلى رفض الالتحاق بوحدته العسكرية ثانية في أفريل الماضي، حيث شعر أنه لا خيار أمامه سوى البقاء في المنزل والقتال من أجل إنقاذ وضع أسرته ماليا. ويشير التقرير إلى استفحال ظاهرة رفض جنود الاحتياط العودة إلى الخدمة، نتيجة تدهور أوضاعهم المالية وأعمالهم، على الرغم من امكانية تعرضهم إلى عقوبات بالسجن، إلا أن القادة العسكريين على دراية بالضغوط التي يتعرض لها جنود الاحتياط ولا يضغطون عليهم في هذا الشأن”.
نقاشات سياسية
ووسط نقاشات سياسية متصاعدة بشأن تلبية الاحتياجات البشرية لقوات الاحتلال، أعلنت وزارة الحرب عن مشروع قانون لتمديد الخدمة العسكرية الإلزامية إلى 36 شهرًا، وزيادة مدة الخدمة الاحتياطية بمقدار 45 يومًا في السنة، ورفع سن الخدمة الاحتياطية الإلزامية إلى خمس سنوات. لكن هذا التشريع يثير مخاوف في الأوساط البرلمانية، بشأن تكلفته المالية الباهضة، المتعلقة بتعويضات الخدمة الاحتياطية، فضلا عن التأثيرات الاقتصادية لانقطاع مئات الآلاف عن وظائفهم وأعمالهم لفترات أطول على مدار السنة. المقترح الجديد أثار موجة غضب شعبي في الكيان، حيث زاد من حجم الأصوات المنادية بإنهاء الامتيازات الممنوحة لفائدة اليهود الحريديم، وضرورة تجنيدهم. وكانت عن المحكمة العليا في الكيان، قد خلصت مؤخرا إلى “عدم وجود أساس قانوني لإعفاء الإسرائيليين المتدينين المتشددين”، وعقب صدور القرار بدأت وزارة الحرب في جويلية الماضي في إرسال إشعارات التجنيد الأولية. ووسط تواصل هذا الجدل وسياسة الاستنزاف الذي تفرضها القيادة العسكرية على قوات الاحتياط، يعبر آدي حزان، أحد جنود الاحتياط الذي يخدم في الضفة الغربية، في تصريح للصحيفة الأمريكية ، عن شعور متزايد بالضيق والقلق والإحباط قائلا: “في نهاية المطاف، أنا بحاجة إلى التعامل مع التزاماتي الحياتية بل أنا جندي احياط لديه عائلة ومشروع يواجه خطر الانهيار وتراكم الديون نتيجة ذلك”.



أضف تعليقا