تونس

“تعيين مدير عام” يعيد الجدل حول ملف كاكتيس

أعاد تعيين رئاسة الحكومة لمدير عامٍ لشركة كاكتيس للإنتاج الجدل حول هذه المؤسسة المصادرة إلى دائرة الضوء، ما يمهد لفصلٍ جديدٍ من التجاذبات والمواجهات ما بين القصبة والهياكل المهنية، والمستمر منذ سنواتٍ نتيجة التعقيدات القانونية والمالية والإدارية التي تخيم على وضعية الشركة، فضلاً عن الانتقادات التي قوبلت بها الحكومات المتعاقبة منذ 2011، بخصوص التصرف والإدارة والتي تحولت إلى ما يشبه لغمًا قانونيًا وسياسيًا مستمرًا.
تخضع شركة كاكتيس للإنتاج للإطار القانوني المتعلق بالشركات المصادرة الذي تم إقراره بعد الثورة، ويهم التصرف في المؤسسات التي كانت على ملك أفراد من النظام السابق، وأصهار الرئيس المخلوع بن علي.
وتسيطر الدولة بحكم القانون على 51 بالمائة من رأس مال الشركة بعد مصادرتها، وهي النسبة التي كانت مملوكة لبلحسن الطرابلسي المساهم الرئيسي السابق بالشركة إلى جانب مؤسسها سامي الفهري، ما يمكنها من تسمية وتعيين المديرين والمتصرفين القضائيين، الذين تداولوا على تسيير الشركة طوال السنوات العشر الماضية.

من احتكار الإنتاج إلى تركة سياسية

قصة صعود “كاكتيس برد” في ذروة هيمنة النظام السابق على المشهد الإعلامي، وتغولها خلال فترةٍ قصيرةٍ شبيهة بكرة الثلج المستمرة بالتضخم.
تحولت الشركة من مجرد مكتبٍ متواضعٍ قرر صاحبها سامي الفهري خوض مغامرة الإنتاج الخاص، إلى كيانٍ هائلٍ يحتكر سوق البرامج والإنتاجات الكبرى بمؤسسة التلفزة التونسية، بدعمٍ معلنٍ من النظام السابق بفضل صهر الرئيس المخلوع والذي كان اسمه كفيلاً بإحداث نقلةٍ استثنائيةٍ في الإمكانيات وفتح أبواب التعاون مع مؤسسة التلفزة، ولتتحول في وقتٍ قصيرٍ إلى المنتج الرئيسي لحوالي خمسة برامج كبرى تبث على شاشة القناة الوطنية الأولى خلال فترة الذروة، على غرار “الحق معاك” وبرنامج المسابقات دليلك ملك” و “ستاد 7″، إلى جانب الإنتاج الدرامي الموسمي، حيث قدمت  كاكتيس نموذجًا جديدًا من المسلسلات الرمضانية قوبل بانتقاداتٍ واسعةٍ واتهاماتٍ بكونه تسبب في إفساد الذوق العام، ونشر نماذج تشجع التفسخ الأخلاقي والقيمي بالمجتمع التونسي.
الاحتكار الذي فرضته كاكتيس في تعاملاتها مع مؤسسة التلفزة التونسية في ذروة تصدرها للمشهد قبل الثورة، كان مشوبًا بتجاوزاتٍ قانونيةٍ كانت منطلقًا لعشرات الملفات والقضايا المستمرة حتى اليوم، قائمة طويلة من الإخلالات والفساد الممنهج  يشمل خاصةً إنتاج برامج دون عقودٍ موثقةٍ، واعتمادًا على اتفاقاتٍ شفويةٍ فحسب، إلى جانب استعمال تجهيزات ومعدات التلفزة وأعوانها في تصوير وإعداد الحلقات والبرامج دون احتسابها ضمن كلفة الإنتاج، والتي كان يتم التضخيم في فواتيرها.
التجاوزات شملت أيضا عقود إنتاجٍ ترتكز على نضام “البارتريغ”، وهو أسلوب يعتمد حصول الشركة المنتجة على عائدات الإشهار في مقابل استفادة التلفزة التونسية من حقوق البث مجانًا.
مكن “البارترينغ” القائمين على كاكتيس من جني أرباح خياليةٍ عبر التحكم في التكلفة وتقليصها إلى الحد الأدنى، وتحميلها على كاهل المرفق العمومي، في مقابل الهيمنة على عائدات الإستشهار وتضخيم عدد الومضات بحجة تحقيق مداخيل تغطي ميزانية الإنتاج.
وتحولت قضية كاكتيس بعد الثورة إلى منطلق لتجاذبات سياسيةٍ ونقابيةٍ واسعةٍ، بعد إدماجها ضمن المؤسسات المصادرة وتعيين متصرفين قضائيين لإدارتها.
وعلى الرغم من أن ملكية الدولة للشركة المصادرة تتيح لها فتح أفاق التعامل مع مختلف القنوات والواجهات الإعلامية في تونس، إلا أن إنتاجاتها بقيت حكرًا على قناة التونسية التي تحولت لاحقا إلى الحوار التونسي، وسط اتهاماتٍ متصاعدةٍ لسامي الفهري والمتصرفة القضائية الهام الصوفي الترجمان بسوء الإدارة والتصرف واستغلال الموارد، ما أدى إلى تراجع الوضع المالي التي تحولت من الشركة ذات الميزانية الأضخم والأعلى مرابيحًا قبل الثورة، إلى شركة تعاني عجزًا مستمرًا وتراكمًا في المديونية وخسائر فادحةً، رغم تحقيق البرامج التي تنتجها نسب مشاهدةٍ عاليةٍ وكسبها عوائد هامة من الإشهار.
طوال السنوات الماضية تعددت مطالبات النقابة بالحسم في ملف كاكتيس، متهمة الحكومة بافتقاد إستراتيجية واضحة للبت في ملف الشركة وغيرها من المؤسسات الإعلامية المصادرة، ومحاولة توظيف ملفها ضمن أجنداتٍ سياسيةٍ، ما تسبب في تعطيل عملية التفويت فيها.

 من الإدارة إلى التحكم والتوجيه

تعيين حنان فتوحي مديرًا عامًا لشركة كاكتيس من جانب رئاسة الحكومة قوبل بانتقاداتٍ ورفضٍ من جانب النقابة الأساسية بالشركة، إلى جانب نقابة الصحفيين التي أبلغت القصبة بموقفها من هذا “التعيين المسقط”، بحسب ما أفادنا به نقيب الصحفيين التونسيين، مطالبًا بضرورة اعتماد معيار التشاور مع الهياكل المهنية لتحديد تصورات واضحةٍ ومحددةٍ في علاقة بملف الشركة.
وفي تصريحه لبوابة تونس اعتبر محمد ياسين الجلاصي رئيس المكتب التنفيذي للصحفيين التونسيين، أن موقف النقابة تجاه تسمية مديرٍ عامٍ للمؤسسات المصادرة، ينطلق من كون التعيينات الحكومية لا يجب أن تخضع للمحاباة والاعتبارات الشخصية وكذلك الاعتباطية، ولا بد من توفر وفق رؤيةٍ واضحةٍ تحدد الهدف من التعيين والمشروع المناط إليه، “سواء تطوير مردودية هذه المؤسسات أو الإشراف على تسييرها بشكلٍ مؤقتٍ إلى حين التفويت بها”.
التعيين الأخير يكشف بحسب الجلاصي النوايا الحكومية للسيطرة على كاكتيس برود وتوجيهها، بعد ما يقرب على عشر سنواتٍ على تسييرها عبر متصرفةٍ قضائيةٍ لا تتجاوز حدود صلاحياتها الإطار المالي والإداري، دون تدخلٍ بالخط التحريري.
وأوضح محدثنا أن استمرار نظام التسيير المؤقت عبر المتصرفة القضائية السابقة الهام صوفي ترجمان، كان يترجم عجز الحكومات المتتالية على التعاطي مع ملف المؤسسات المصادرة، وغياب منهجيةٍ واضحةٍ سواء بإعادة هيكلة المؤسسات وتطويرها واستعادة توازناتها المالية، أو إدارتها على وضعها الراهن، تمهيدا للتفويت بها.
استمرار تعطل التفويت في كاكتيس طوال السنوات الماضية، ضاعف حجم الإخلالات والتجاوزات والاختلاسات التي تمت بالتواطؤ بين المتصرفة القضائية السابقة وسامي الفهري بحسب محدثنا، والتي تلتقي  بدورها مع إرادة سياسية لتركيع الشركة وتعجيزها، تمهيدًا لبيعها لبعض الأسماء أو اللوبيات المقربة من الحكومة.
كما نفى الجلاصي الاتهامات الموجهة لنقابة الصحفيين بتعطيل عملية التفويت في كاكتيس، مبينًا ان التعجيل بحسم هذا الملف مثل مطلبًا أساسيا منذ سنوات، بشرط اعتماد معايير واضحةٍ وشفافةٍ وتشريك الطرف النقابي والحفاظ على حقوق الصحفيين والتقنيين والعاملين، مشددًا أن النقابة تصدت لمحاولاتٍ سابقةٍ للتعجيل بالتفويت في كاكتيس ومؤسسات أخرى مصادرةٍ، لصالح جهاتٍ مقربةٍ من بعض الحكومات.